هنريك تراوتمان و أنطونيا ماري دي ميو
قد تم إجراء الكثير من البحوث من أجل إعداد هذا التقرير قبل نهاية عام 2020، ومع أن عددا من التغييرات السياسية قد حدثت في أوائل عام 2021، بما في ذلك إنشاء حكومة الوحدة الوطنية وتعيين الوزراء، فإن التوصيات الواردة في هذا التقرير يمكن أن تكون مفيدة لحكومة الوحدة .الوطنية وكذلك للمسؤولين الآخرين وأصحاب المصلحة الدوليين
الجزء الخامس
الإتجار بالبشر وتهريب المهاجرين
الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين جريمتان منفصلتان، على الرغم من الإشارة إليهما في كثير من الأحيان على أنهما متبادلتين. وكلاهما غالبا ما ينطوي على تجنيد ونقل وتسليم المهاجرين من دولة مضيفة إلى دولة المقصد؛ ويكمن الفرق فيما إذا كان للمهاجرين عالقة توافقية مع المهربين، وما إذا كانوا أحرار(بدلا من تعرضهم للإستغلال، على سبيل المثال) في نهاية الرحلة.
الهجرة في حد ذاتها ليست جريمة، لكن العديد من المهاجرين يدفعون المال مقابل خدمات مهربي المهاجرين الذين يدبرون عبورهم إلى دولة المقصد. وبموجب اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية، الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين غير قانونيين وكلاهما من الأشكال المعترف بها دوليا للجريمة المنظمة.
يعتبر الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين حاليا رابع أكبر قطاع جريمة عالمي – وتقدر قيمته السوقية السنوية بما لا يقل عن 157 بليون دولار. لقد أتاحت العولمة وزيادة الوصول إلى وسائل النقل أتاحت للشبكات الإجرامية تنظيم حركة اللاجئين والمهاجرين على مستويات غير مسبوقة، حتى بالنسبة للتحركات الجماعية. قدرت اليوروبول والإنتربول قيمة حركة المهاجرين من خارج أوروبا إلى أوروبا في عام 2015 في حدود خمسة إلى ستة بلايين دولار كل عام .
تشير التقديرات إلى أن 3.7 مليون شخص في القارة الإفريقية يقعون ضحية التجار بالبشر ولكن الافتقار إلى البيانات الشاملة والبحوث الاستقصائية حول هذا الموضوع يجعل من الصعب قياس أرقام محددة لهذه الظاهرة في ليبيا. كما أن عدم وجود ضوابط على الحدود يجعل من الصعب معرفة متى يتنقل الفرد طواعية أو يشتبه في الاتجار به عبر الحدود.
وللاتجار بالبشر تأثير سلبي شديد على الجريمة المنظمة في أفريقيا والوضع يزداد تدهورا. انتشر تهريب المهاجرين في ليبيا بعد عام 2011؛ ولكن، منذ يوليو 2017 انخفض هذا النشاط بشدة. ومع ذلك، فإن هذه الممارسة موجودة على مستويات أعلى بكثير مما هي عليه في البلدان المجاورة، إذ تستضيف ليبيا أكبر عدد من المهاجرين في المنطقة.
يرتبط تهريب المهاجرين ارتباطا وثيقا بجماعات الميليشيات التي تمنع الانتقال السياسي السلمي وتوطيد الدولة. تستخدم الأرباح الناتجة عن هذه التجارة لتمويل السيطرة الإقليمية وشراء الأسلحة، مما يؤثر على الحوكمة والأمن في أجزاء كثيرة من البلاد.
وهناك أيضا جماعات أصغر عددا وأقل تنظيماً تنشط في هذا الميدان. تتسبب المنافسة بين الجماعات المرتبطة مباشرة بالسيطرة على اقتصاد التهريب في نشر العنف المحلي والصراع، مما يؤدي إلى النزوح والوفيات بين السكان المحليين.
وترتبط تجارة التهريب أيضًا بمستويات عالية من العنف ضد المهاجرين، ومعدلات عالية لوفيات المهاجرين وما يرتبط بها من أشكال الاتجار بالبشر، بما في ذلك الاختطاف من أجل الفدية والابتزاز والعمل القسري والإستغلال الجنسي. كما يؤثر تدفق الأموال من هذه النشاطات غير المشروعة على نزاهة المسؤولين الحكوميين المحليين.
عند استخدامهم طرق التهريب الأقل تعقيدا قبل اندلاع موجة التهريب في الفترة 2013-2014 ، كان المهاجرون يدفعون ثمن رحلتهم نقدا، ويتقدمون ببطء شمالا ويتوقفون غالبا للعمل لدفع ثمن الجزء التالي من رحلتهم. يدفع الثمن لمسهل الرحلة وللشخص الذي يوفر النقل. وعادة ما يتم دفع جزء من الثمن كرشوة للسلطات البلدية أو للشرطة أو لقوة الأمن المسيطرة في المدينة.
أصبحت الطرق البرية مصدرا مهما للدخل للعديد من المناطق الحدودية، حيث بدأ السكان المحليون يقدمون الخدمات لكل من المهرِّبين والمهرَّبين بين بحيث سيؤثر الفقدان المفاجئ لهذه الصناعة الجانبية على استدامة تلك المدن.
الدخل الناتج عن تهريب المهاجرين
من الصعب تحديد الأرباح التي تجنيها صناعة تهريب المهاجرين بدقة أو معرفة من الجهة الرابحة. أصبح تهريب المهاجرين وتسهيل مرورهم على طول الطرق العابرة للصحراء صناعة مربحة للغاية بالنسبة للجماعات المسلحة، حيث تجني من هذه الأنشطة إيرادات سنوية تقدر ب 450 إلى 765 مليون دولار (منها 89 إلى 236 مليون دولار في ليبيا وحدها).
واستنادا إلى أعداد المهاجرين الذين وصلوا إلى إيطاليا في عام 2016، ومستويات الأسعار التفصيلية لمختلف مراحل السفر، من الممكن حساب الإيرادات والأرباح التي تجنيها الجماعات المسلحة على مختلف الأصعدة. يبلغ متوسط الأسعار التي يتم تحصيلها في ليبيا وصولا إلى الساحل الشمالي الغربي، اعتبار من صياغة التقرير، 300 إلى 500 دولار، بالإضافة إلى 250 دولار للإبحار على متن القوارب.
قد يحصل المتّجرون والمهربون 15 %إلى 30 %من الدخل. ومع مرور ما يقدر بـ 186 ألف إلى 343 ألف شخص عبر ليبيا في عام 2016 ، فإن الإيرادات السنوية لسائر الجماعات المسلحة مجتمعة تبلغ ما بين 93 و 244 مليون دولار، بربح صافي سنوي يتراوح بين 13 و 71 مليون دولار.
تشير بعض التقارير إلى أن المهاجرين يضطرون إلى دفع نسبة مئوية قبل بدء الرحلة، وفي بعض الحالات، يتم سداد تكاليف الرحلة والعمل عند بلوغ الوجهة، مما يعرّض المهاجرين وعائلاتهم للإبتزاز.
لا تتوفر إلا دراسة منهجية محدودة للروابط بين الاتجار بالبشر وتهريب المهاجرين والتدفقات المالية غير المشروعة. إلى حد اليوم، يقوم الاقتصاد المتصل بتهريب المهاجرين على النقد إلى حد كبير، أما القدرة على تتبع التدفقات المالية غير المشروعة الناتجة عن هذا النشاط فهي محدودة.
ومع تشكيل المزيد من الشبكات الدولية لقياس وتتبع التدفقات المالية غير المشروعة، من المفترض أن يؤدي ذلك إلى زيادة القدرات الدولية لتحديد ومصادرة الأصول المتعلقة بتهريب المهاجرين.
الاتجار بالأسلحة
يشمل الاتجار بالأسلحة استيراد وتصدير وحيازة وبيع وتسليم وحركة ونقل الأسلحة عبر الحدود الوطنية، وكذلك التحويل المتعمد للأسلحة النارية من التجارة المشروعة إلى التجارة غير المشروعة، دون الحاجة إلى نقل المواد عبر الحدود المادية.
تهريب الأسلحة متفشي في ليبيا، حيث يحتل مرتبة عالية جدا في مؤشر الجريمة المنظمة لعام 2019 . وفي كثير من الأحيان، يسهل الاتجار بالأسلحة ارتكاب أنشطة أخرى للجريمة المنظمة. يبدو أن العلاقة بين الاتجار بالبشر وتهريب الأسلحة قوية للغاية، مما يشير إلى وجود صلة مهمة بين هذين السوقين الإجراميين.
تعد ليبيا سوقا ونقطة عبور للأسلحة وتجارة الأسلحة غير المشروعة. تنخرط الجماعات المسلحة الليبية في تهريب الأسلحة داخل البلاد وعبر حدودها، ولا تزال ليبيا مركزًا مهما لتدفقات الأسلحة غير المشروعة إلى البلدان المجاورة. ومع أن التدفقات الخارجة تظل متواضعة، وتتكون بشكل رئيسي من أسلحة صغيرة وأسلحة خفيفة، فإن المعدات التي تدخل ليبيا أصبحت ذات طبيعة معقدة بشكل متزايد.
أدت الإطاحة بنظام القذافي إلى انتشار الأسلحة والذخائر غير المشروعة في ليبيا. وينعكس الارتفاع الحاد في تدفقات الأسلحة بعد الثورة في كمية الأسلحة التي يتم تداولها بانتظام، وتنوع المواقع والمنصات المستخدمة لتسهيل المبيعات. وقد أدى تصاعد تدفقات الأسلحة غير المشروعة إلى ظهور بائعي السوق السوداء وتوطيدهم في مناطق مكتظة بالسكان في جميع أنحاء ليبيا، بما في ذلك طرابلس ومصراتة، حيث يتم الآن تداول الأسلحة النارية بصفة علانية أو شبه علانية في الأسواق.
لقد ساهمت محدودية قدرة الحكومة على السيطرة الفعالة على الأراضي الصحراوية الشاسعة في ليبيا في خلق ملاذاً لتهريب الأسلحة. وساهم هذا الافتقار إلى السيطرة على الألوية ومخزوناتها من قبل هيكل قيادة وطني ساهم في خطر الانتشار غير المشروع داخل ليبيا وخارجها.
ولا تزال إمدادات الأسلحة المعتبرة وغير المؤمنة (المتراكمة منذ الحرب الأهلية الليبية التي استمرت ثمانية أشهر) معرضة بشكل كبير للمتشددين الذين لديهم القدرة المالية لتوفيرها لمقاتليهم، إذ تستطيع الجماعات المتشددة بسهولة الحصول على الأسلحة الصغيرة والصواريخ المضادة للطائرات والقنابل الصاروخية من بعض أكبر مستودعات الأسلحة في العالم.
تتوفر في منطقة غرب أفريقيا كمية مفرطة من الإمدادات بالأسلحة غير المشروعة من مصادر مختلفة، وتشكل ليبيا مصدر لهذه األسلحة. وقد أدت حالة الصراع في ليبيا وفي بعض البلدان المجاورة إلى زيادة توافر الأسلحة وتداولها والإتجار بها في شمال أفريقيا ومنطقة غرب أفريقيا.
تتسبب الجهات الخارجية في تفاقم مشاكل ليبيا من خلال تحويل الأموال والأسلحة إلى وكلاء وضعوا المصالح الشخصية فوق مصالح الشعب الليبي. ولا تزال الحدود الليبية مليئة بالثغرات، مما يسهل زيادة الإتجار بالأسلحة وتهريبها.
تطور الاتجار بالأسلحة بين 2012 و2015 إلى سوق إجرامي من الدرجة الأولى في البلاد. ومنذ ذلك الحين، تغير الإتجار بالأسلحة في ليبيا بشكل كبير. تواجه البلاد الآن نقصا في الذخيرة والأسلحة الصغيرة و الثقيلة في مواجهة الطلب المتواصل بسبب استمرار القتال في جميع أنحاء ليبيا.
وبدأ النقص في التأثير على ديناميكيات ساحة المعركة. ففي السنوات الأخيرة، أدت هذه التغيرات في العرض والطلب إلى إعادة تنظيم هذه الصناعة، والتي شهدت تحولا في ملامح مهربي الأسلحة المتورطين وطرق عملهم. لا تزال تجارة الأسلحة الثقيلة قائمة ولكنها محدودة وغير منتظمة.
وفي ظل حالة الندرة الحالية، هناك تردد عن ترك الأسلحة الثقيلة، خاصة وأنها قد تقع في أيدي قوى معادية. تشمل غالبية ما يعرف الآن بتجارة الأسلحة الليبية أسلحة صغيرة وذخيرة، لا سيما المسدسات والبنادق، يتم توريدها إلى الأسواق الليبية والإقليمية، وأيضًا المناطق الشمالية من تشاد والنيجر.
تقدر قيمة تجارة الأسلحة الليبية في حقبة ما بعد القذافي بنحو 15 إلى 30 مليون دولار سنويا، مع أن القيمة الحقيقية قد تكون ضعف ذلك الرقم بسبب عدم التأكد بشأن كميات الأسلحة التي يتم الاتجار بها.
وتعتبر القيمة الاقتصادية للأسلحة إلى جانب نقص القدرة و/ أو الإرادة السياسية من جانب الحكومة المركزية، وغياب تأمين الحدود بالشكل الملائم، من التحديات الرئيسية التي قد تشجع على زيادة الانتشار داخل وخارج ليبيا.
الأسواق الافتراضية
إن توافر الأسلحة الصغيرة والذخيرة، ليس فقط وجودها في المجال غير المشروع، عامل محدد مهم لأنواع الحروب التي قد تنخرط فيها الجماعات المسلحة من غير الدول. فإن التوافر لا يشمل فقط العدد الإجمالي للأسلحة المتداولة بشكل غير قانوني، بل هو عامل من عوامل إمكانية الوصول، والتي تحددها موارد الجماعات وتنظيمها وأهدافها ودعمها الخارجي.
ووجود المجموعات المنظمة التي تتاجر بالأسلحة وتنشط عبر وسائل التواصل الاجتماعي والأسواق الافتراضية يزيد من التوافر العام للأسلحة والذخائر في ليبيا. يتلقى بائعو معظم السلع المعروضة عبر الإنترنت عروضًا من المشترين المهتمين قد تتراوح بين 95 دولار لسلاح إطلاق العيارات الخلبية أو 150 دولار للبندقية، إلى 3000 دولار للسلاح اليدوي، 5900 دولار لبندقية آلية ثقيلة، 6500 إلى 30000 دولار لقاذفة صواريخ، أو9000 دولار لمنظومة صواريخ مضادة للدبابات، وقد يشمل العتاد المعروض أنظمة أثقل وأكثر تطوراً.
…
يتبع في الجزء التالي
***
هنريك تراوتمان ـ المدير بالنيابة للجوار الجنوبي، مديرية سياسة الجوار الأوروبية ومفاوضات التوسع
أنطونيا ماري دي ميو ـ مديرة معهد الأمم المتحدة الأقاليمي لبحوث الجريمة والعدالة
_____________