السيد سعد الدين

شهدت السواحل الليبية خلال الأشهر الستة الأخيرة، من أبريل إلى أكتوبر، نشاطًا متزايدًا لطلعات الاستطلاع الجوية والبحرية نفذتها طائرات أميركية وأوروبية تابعة لحلف شمال الأطلسي «ناتو»، وهي تحركات يرى محللون أنها تستهدف مواجهة النفوذ الروسي المتزايد في ليبيا والقارة الأفريقية.
ووفق بيانات الرصد الجوي ومصادر تتبُّع الطيران العسكري المفتوحة، لوحظ ارتفاع كبير في عدد الطلعات الجوية المنطلقة من قاعدة سيغونيلا في جزيرة صقلية الإيطالية باتجاه الساحل الليبي خلال العام 2025، مقارنة بالسنوات السابقة من العام 2020 إلى العام 2024، مع ازدياد انتظام الدوريات الجوية واتساع نطاق التغطية، خصوصًا في فترات الليل والمواقيت التي كانت شبه خالية من النشاط في السنوات السابقة.
أنواع الطائرات المشاركة
وتنوعت الطائرات المشاركة في تلك المهام بين: «إم كيو 9 رايبير وآر كيو 4 غلوبل هوك وإم كيو 4 سي ترتون وبي 8 إيه بوسيدون» الأميركية و«بي 72 إيه» الإيطالية و«فالكون 20» الفرنسية؛ حيث أظهرت سجلات الرحلات الجوية أن هذه الطائرات نفذت دوريات استطلاع متواصلة تمتد أحيانًا على طول الساحل الليبي من مصراتة غربًا إلى بنغازي شرقًا، مع التحليق على ارتفاعات عالية ولساعات طويلة خلال شهور مارس ومايو ويونيو الماضية.
كما وثقت مواقع التتبع خلال النصف الأول من العام الجاري طلعات مزدوجة لطائرات استطلاع تابعة لـ«ناتو» مثل «آر كيو 4 فونيكس» و«إم كيو 4 سي ترتون»، نفذت مهامها فوق المياه الدولية المقابلة لليبيا ضمن نطاق وسط المتوسط.
واستندت تلك المعلومات إلى مجموعة من المصادر المتخصصة في تتبع الطيران العسكري، أبرزها: موقع «إيتاميل رادار» الإيطالي، ومنصة «أوبين سكاي نيتورك» التي أظهرت تسجيلات لتكرار انطلاق طائرات استطلاع من قاعدة سيغونيلا باتجاه الساحل الليبي، إضافة إلى بيانات عمليات حلف شمال الأطلسي «الناتو» ضمن مهمة «سي غاردين»، التي توثق دوريات استطلاع بحرية وجوية في وسط البحر المتوسط خلال العام الجاري.
تنامي القلق من الحضور الروسي في ليبيا
قالت خبيرة العلاقات الدولية والمتخصصة في شؤون الأمن والطاقة الأميركية إيرينا توسكرمان إن «الزيادة الواضحة في مهام الاستطلاع الجوي قبالة الساحل الليبي لا يمكن قراءتها بوصفها مجرد نشاط اعتيادي؛ بل تعكس مستوى جديدًا من الاهتمام الاستخباراتي الغربي بليبيا وشمال أفريقيا».
وأضافت في تصريح خاص إلى «بوابة الوسط» أن «هذا التصاعد في المهام الجوية مرتبط بتنامي القلق من الحضور الروسي في المنطقة، خاصة بعد عملية إعادة هيكلة قوات (فاغنر) ودمجها في منظومة الدفاع الروسية الرسمية (تحت مسمى الفيلق الأفريقي)، ثم إعادة نشرها في ليبيا والساحل والصحراء تحت مظلة جديدة أكثر انضباطًا وتنسيقًا».
وأوضحت توسكرمان أن «عمليات الاستطلاع التي تسجَّل على نطاق متزايد في البحر المتوسط قبالة الساحل الليبي تُستخدم في جزء منها لرصد حركة الطائرات غير المعروفة والأنشطة البحرية المرتبطة بشحنات الأسلحة أو المعدات العسكرية، إضافة إلى تتبع الاتصالات الإلكترونية التي قد ترتبط بقواعد روسية أو بعمليات دعم لوجستي في الجنوب الليبي».
الرقابة تمتد من المتوسط إلى الساحل
وأشارت الخبيرة الأميركية إلى أن «الولايات المتحدة ودولًا أوروبية عدة – بينها بريطانيا وإيطاليا وفرنسا – كثفت خلال الأشهر الأخيرة من استخدام طائرات الاستطلاع الإلكتروني وطائرات المراقبة البحرية في مسارات شبه يومية تمتد من جزيرة كريت إلى خليج سرت، وهي منطقة تعد ممرًا جويًا حيويًا لكل الأنشطة العسكرية في ليبيا».
وتابعت: «تلك الطلعات لا تستهدف فقط مراقبة الأوضاع في ليبيا؛ بل تشمل نطاقًا أوسع يمتد إلى النيجر وتشاد والسودان، أي كامل الحزام الأمني الذي يشكل المجال الحيوي للنفوذ الروسي في أفريقيا، فروسيا تعمل منذ سنوات على بناء شبكات نفوذ متداخلة تشمل قوات أمن محلية، ومجموعات مسلحة، وعقودًا اقتصادية في مجالات الطاقة والمعادن، مما يثير مخاوف الأوروبيين من فقدان السيطرة على بوابتهم الجنوبية».
ليبيا بين النفوذين الروسي والأوروبي
واعتبرت توسكرمان أن «ليبيا باتت تمثل نقطة تقاطع بين النفوذين الروسي والأوروبي، وهي مساحة اختبار حقيقية لإرادة الطرفين في فرض النفوذ أو الحفاظ على التوازن، فموسكو تنظر إلى ليبيا كبوابة بحرية على المتوسط تتيح لها مراقبة الحدود الجنوبية لحلف شمال الأطلسي (ناتو)، في حين تعتبرها أوروبا جزءًا من أمنها الداخلي، خصوصًا فيما يتعلق بالهجرة والطاقة».
وأضافت أن «هذا التداخل في المصالح جعل النشاط الاستخباراتي المتبادل أكثر كثافة، حيث تراقب الأقمار الصناعية والطائرات المسيَّرة الغربية أي تحركات روسية محتملة، سواء كانت نقل عتاد أو إعادة تموضع لعناصر فاغنر أو وحدات تدريب داخل الأراضي الليبية».
ارتباط وثيق بأمن الطاقة والهجرة
وربطت توسكرمان بين تصاعد أنشطة المراقبة الجوية وبين ما وصفته بـ«التشابك المتزايد بين الملفات الأمنية والاقتصادية»، موضحة أن «التحركات الروسية في الجنوب الليبي ومنطقة فزان يمكن أن تؤثر مباشرة على خطوط إمداد الطاقة والممرات التي تستخدمها أوروبا لنقل الغاز من شمال أفريقيا، كما أن أي تصعيد أو اضطراب في هذه المناطق قد يؤدي إلى موجات نزوح جديدة نحو السواحل الأوروبية».
وقالت: «الاهتمام الغربي اليوم بليبيا لم يعد مقتصرًا على الجانب السياسي أو الأمني الضيق؛ بل صار جزءًا من منظومة مراقبة أوسع تشمل الأمن الطاقي، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، وهو ما يفسر تنامي المهام الجوية من دون إعلان رسمي عنها».
إشارات إلى مرحلة جديدة من الرقابة
وختمت توسكرمان تصريحها قائلة إن «ما يجري يعكس مرحلة جديدة من الرقابة الجوية والاستخباراتية، تدار بصمت ولكن بكثافة عالية. فالقوى الغربية لا تريد مواجهة مباشرة، لكنها في الوقت ذاته لا تستطيع تجاهل التحولات الميدانية التي تعيد روسيا من خلالها تثبيت أقدامها في قلب المتوسط».
وأكدت أن «المؤشرات الراهنة تدل على أن ليبيا ستظل في قلب معادلة التوازن بين موسكو والغرب خلال الفترة المقبلة، خصوصًا مع استمرار الاضطرابات السياسية وغياب سلطة مركزية موحدة يمكنها ضبط المجال الجوي والبحري للبلاد».
قواعد روسية في الجنوب الليبي
بدوره أرجع الخبير العسكري العميد عادل عبدالكافي التحركات «المكثفة» لطائرات الاستطلاع الغربية قبالة الساحل الليبي خلال الفترة الأخيرة إلى «تصاعد النشاط العسكري الروسي داخل الأراضي الليبية، في ظل استغلال موسكو عددًا من القواعد ذات الأهمية الاستراتيجية في الجنوب والوسط الليبي».
وأوضح عبدالكافي، في تصريح إلى «بوابة الوسط» أن «من بين هذه القواعد قاعدة الجفرة الجوية وقاعدة براك الشاطئ، إضافة إلى قاعدة الخادم وقاعدة معطن السارة في الجنوب والتي أصبحت نقاط ارتكاز رئيسية للوجود الروسي في البلاد»، مشيرًا إلى أن «الرحلات الجوية الروسية نحو ليبيا شهدت في الأشهر الماضية تزايدًا لافتًا، بالتوازي مع عمليات نقل أسلحة ومعدات عسكرية من قاعدة حميميم السورية أو مباشرة من بيلاروسيا».
وأضاف أن أجهزة الاستخبارات الغربية «رصدت أيضًا أنشطة بحرية مرتبطة بما يُعرف بـ(أسطول الظل) الروسي، الذي يضم نحو 117 ناقلة نفط تُستخدم للالتفاف على العقوبات الغربية، وقد جرى تتبع إحدى هذه السفن خلال نقلها شحنة وقود إلى ميناء بنغازي، ثم إعادة تصديرها لاحقًا إلى ألبانيا في إطار عمليات تهرب منظمة من العقوبات».
نشاط أسطول الظل الروسي في ليبيا
وتابع الخبير العسكري أن «الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي كثفا بدورهما مراقبة حركة الأسلحة القادمة إلى شرق ليبيا، بعد ضبط سفن مشبوهة في موانئ إسبانيا وإيطاليا كانت وجهتها النهائية الأراضي الليبية»، مؤكدًا أن «عملية (إيريني) البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي تشهد هي الأخرى نشاطًا متزايدًا، بالتوازي مع مراقبة جوية مستمرة تنفذها طائرات مسيَّرة أميركية تابعة للقيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) فوق الأجواء الليبية».
وأشار عبدالكافي إلى أن «الهدف المعلن لهذه التحركات هو الحد من انتشار الأسلحة والذخائر التي تتدفق إلى ليبيا، ومنع وصول الإمدادات عبرها إلى الفيلق الأفريقي المنتشر في منطقة الساحل والصحراء»، مضيفًا أن «المنطقة الشرقية تحولت خلال العامين الأخيرين إلى ما يشبه المخزن لتوريد السلاح إلى أطراف مختلفة في الإقليم، من بينها قوات الدعم السريع في السودان بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي)، ومجموعات مسلحة في دول الساحل».
محاولات احتواء النفوذ الروسي
وأوضح عبدالكافي أن «عمليات الرصد والملاحقة من جانب (ناتو) و(أفريكوم) ازدادت وتيرتها في محاولة لاحتواء هذا الوضع الذي بات يهدد أمن المتوسط وأفريقيا معًا»، لافتًا إلى «عمل (أفريكو) خلال الأعوام الثلاثة الماضية على مسارات متعددة لتشكيل قوة عسكرية ليبية مشتركة، تضم عناصر من الشرق والغرب والجنوب، على غرار (لواء الذئب الصومالي) الذي يخضع لإشراف القيادة الأميركية».
وتابع أن أميركا تروج أن مهمة هذه القوة «حماية الجنوب الليبي ومكافحة التهريب والهجرة غير القانونية، لكن الهدف الحقيقي هو تقليص نفوذ مرتزقة الفيلق الأفريقي، والحد من تدفق الأسلحة نحو دول الساحل والسودان، واحتواء التمدد الروسي الذي بدأ يتخذ طابعًا دائمًا في المشهد الليبي والأفريقي».
مراقبة مكثفة وتوازن هش
وبينما تتواصل مهام الاستطلاع الجوي والبحري على نحو غير مسبوق قبالة الساحل الليبي، يبدو أن المشهد يدخل مرحلة جديدة من «المراقبة الصامتة» التي تعكس حجم التنافس الدولي على ليبيا وموقعها الحيوي في قلب المتوسط. فالنشاط الأميركي المتزايد في البحر والجو لا ينفصل عن مساعي روسيا لترسيخ وجودها العسكري جنوب البلاد، فيما يضاعف الأوروبيون من مراقبتهم، واهتمامهم الأول بملفي الهجرة والطاقة.
ويرى مراقبون أن استمرار هذا التوتر «البارد» سيجعل من ليبيا نقطة ساخنة إقليميًا في المواجهة بين موسكو وحلف شمال الأطلسي، وأن أي تصعيد ميداني في الجنوب أو على الساحل قد يعيد خلط الأوراق في منطقتي شمال أفريقيا والساحل والصحراء، لتبقى ليبيا في قلب معركة مفتوحة لتحديد ملامح التوازن الدولي في المتوسط وأفريقيا.
_____________