أسامة علي

لا تزال ملامح المبادرة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس تتكشف تدريجياً في ليبيا، رغم استمرار الغموض الذي يحيط بتفاصيلها الرسمية. وبينما لم تعلن واشنطن حتى الآن تصوراً متكاملاً للمبادرة، فإن مسارها العملي يشهد انتقالاً إلى مرحلة جديدة مع بدء استضافة مسؤولين ليبيين في العاصمة الأميركية بصورة معلنة، بعد أشهر من الاجتماعات غير المعلنة التي جرت في عواصم أخرى.
وفيما أنهى نائب القيادة العامة لـ”الجيش الوطني”، صدام حفتر، ووكيل وزارة الدفاع بحكومة الوحدة الوطنية، عبد السلام زوبي، زيارة إلى واشنطن، كشفت مصادر ليبية متطابقة لـ”العربي الجديد” عن استعداد لجنة ليبية تضم شخصيات مالية واقتصادية من شرق البلاد وغربها لزيارة جديدة إلى العاصمة الأميركية في 27 يوليو/تموز الجاري.
وفيما تشير هذه التحركات إلى انتقال المبادرة الأميركية من مرحلة الاتصالات غير المعلنة إلى اجتماعات علنية للبدء ببناء تفاهمات عملية وأكثر تقدماً في المسارين العسكري والاقتصادي، تمهيداً للانتقال إلى الملف السياسي، ذكرت المصادر ذاتها لـ”العربي الجديد” أن صدام حفتر وزوبي ناقشا، خلال زيارتهما الأخيرة لواشنطن، تصوراً أميركياً لتوحيد المؤسسة العسكرية يقوم على مبدأ التدرج في بناء هيكل قوى لا مركزية البنية، مع بقاء مرجعياتها الحالية، وصولاً إلى التوحيد الكامل للمؤسسة العسكرية.
وأكدت المصادر أن الطرفين وافقا على الخطوة الأولى، المتمثلة في إنشاء غرفة عسكرية مشتركة يكون مقرّها مدينة سرت، وسط شمال البلاد، بإشراف هيئة عسكرية ليبية مشتركة من شرق البلاد وغربها، تتولى إدارة الملفات الأمنية التي لا خلاف عليها، كمكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة وتأمين الحدود. وفيما تكشف الخطوة عن تقدم في المسار العسكري، ذكرت المصادر عدداً من الإشكاليات لدى الطرفين.
ففيما كان مقرراً أن يلتقي صدام حفتر وزوبي خلال زيارتهما لواشنطن، أوضحت المصادر أن أبرز الإشكاليات تتعلق بمنصب القائد العام، الذي يشغله خليفة حفتر بوصفه أعلى منصب عسكري شرق البلاد، وعدم قبوله من القوى العسكرية غرب البلاد، كما أن الأخيرة تعاني التشظي وعدم الانخراط تحت مرجعية عسكرية واحدة. وحول الزيارة الجديدة، أوضحت المصادر أن لجنة ليبية مشتركة تضم مسؤولين ماليين واقتصاديين من طرفي البلاد ستزور واشنطن يوم 27 يوليو/تموز الجاري لمناقشة آليات تنفيذ الاتفاق المالي الذي وقعته الأطراف الليبية برعاية أميركية في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي.
وتعكس الزيارتان سعي واشنطن للحفاظ على الزخم الذي حققته خلال الأشهر الماضية في المسارين العسكري والاقتصادي، بجمع قوى الشرق والغرب في مشاركة عسكرية مشتركة ضمن مناورات “فلينتلوك 2026″، التي أقامتها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) في سرت، وكذلك من خلال الاتفاق المالي الموقع بين الليبيين في نوفمبر/تشرين الثاني الماضي، أساساً للانتقال إلى المستوى السياسي لبناء سلطة موحدة من سلطتي طرابلس وبنغازي.
ويبدو أن المستوى السياسي، القائم على تصور يحصر السلطة المشتركة في قوى الأمر الواقع في طرابلس وبنغازي، أكثر تعقيداً، ويواجه تحديات كبيرة، أبرزها البيان الثلاثي الذي أعلنته مجالس ليبيا الثلاثة: المجلس الرئاسي، ومجلس النواب، والمجلس الأعلى للدولة، في 19 يونيو/حزيران الماضي، بوصفه وثيقة مبادئ لخريطة طريق تقضي بإجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في موعد أقصاه فبراير/شباط المقبل، تحت إشراف لجنة سيادية مشتركة من شخصيات من طرفي البلاد، بهدف تجاوز الانقسام السياسي.
ورغم أن قيادة حفتر أعلنت، في 18 يونيو/حزيران، استعدادها للانخراط في المبادرة الأميركية، فإن التباينات ظهرت بشكل عميق لدى الأطراف الأخرى. فمقابل مشاركة رئاسة مجلس النواب في البيان الثلاثي، أصدر 57 نائباً بياناً أعلنوا فيه دعمهم المبادرة الأميركية. أما غرب البلاد، فبينما تعد زيارة زوبي إلى واشنطن مؤشراً على وجود انخراط في المسار الأميركي، فإن استمرار صمت حكومة الوحدة الوطنية بشأن تفاصيل المبادرة وموقفها الرسمي منها يراه مراقبون موقفاً يعكس قدراً من التحفظ على المبادرة. ويبدو أن عدم وضوح موقف الحكومة هو ما دفع بولس إلى التأكيد، خلال تصريحات لتلفزيون الحدث، الأحد الماضي، أن رئيس الحكومة عبد الحميد الدبيبة “شريك أساسي” في المبادرة، وأنه على تواصل دائم معه.
وفي السياق، أظهرت تصريحات بولس سعياً إلى احتواء المواقف المعارضة الأخرى، فقد أكد أن دور مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة لن ينتهي مع تنفيذ المبادرة، مشدداً على ضرورة المحافظة على وجودهما لدورهما الأساسي في المرحلة المقبلة، من دون توضيح هذا الدور.
ويبدو أن هذه التصريحات ألقت بظلالها على الأطراف الليبية، فقد بادر المجلس الرئاسي، الذي لم يُذكر في تصريحات بولس الجديدة، إلى خطوة جددت الخلافات بينه وبين رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، عندما أقدم على إقالة رئيس جهاز المخابرات العامة حسين العايب، المقرب من صالح، وتعيين عبد المجيد مليقطة بديلاً عنه، إذ سارع صالح إلى معارضة الخطوة، وراسل عدداً من المؤسسات الليبية بعدم الاعتداد بالقرار.
وأبرز القرار استمرار الانقسامات داخل المجلس الرئاسي، إذ أصدر نائب رئيس المجلس، موسى الكوني، بياناً اعتبر فيه القرار غير صحيح من الناحية الإجرائية، كشف القرار، في الوقت نفسه، تقارباً بين رئيس المجلس محمد المنفي والدبيبة، اللذين برزت بينهما خلافات كبيرة منذ بدء تداول مبادرة بولس الشهر قبل الماضي، إذ يعد مليقطة من الشخصيات المقربة من الدبيبة، وهو ما ظهر في استقبال الدبيبة له في مكتبه واستعداده لدعم الجهاز.
وفي خضم هذه التطورات المتسارعة، تداولت مواقع ليبية، ليل أمس، صورة قالت إنها نُشرت في موقع بريطاني، وتُظهر مليقطة إلى جانب الدبلوماسي الإسرائيلي ليؤر بن دور خلال لقاء في باريس عام 2023، في محاولة بدت موجهة للتشويش على تعيينه، خاصة أن اسمه سبق أن ورد في تقارير إعلامية تناولت تداعيات لقاء وزيرة الخارجية السابقة نجلاء المنقوش مع وزير الخارجية الإسرائيلي السابق إيلي كوهين. وعلى الرغم من ذلك، لم تُحدث الصورة أي أثر في الأوساط الشعبية، إذ استمر مليقطة في ممارسة مهامه من دون مؤشرات على وجود تراجع في قرار تعيينه.
ورغم أن رئاسة جهاز المخابرات لا تُعد من المناصب المتصلة بالمبادرة الأميركية، فإن اللافت أن جلسة تعيين رئيس جديد لجهاز المخابرات كان مدرجاً ضمنها ملف اختيار رئيس جديد للأركان العامة، خلفاً للفريق محمد الحداد، الذي توفي إثر حادث سقوط طائرة في تركيا نهاية العام الماضي، من دون أن يصدر بشأنه أي قرار، في مؤشر واضح على صلة منصب رئيس الأركان بالمسار العسكري في المبادرة الأميركية.
وبالتوازي، ظهر رئيس الأركان المكلف من الحكومة في طرابلس، صلاح النمروش، ورئيس الأركان المكلف من مجلس النواب، خالد حفتر، أمس الثلاثاء، إلى جانب بعضهما في مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة بالعاصمة الأنغولية لواندا، مما قد يحمل دلالات إضافية على سعي الحكومة إلى ترك منصب رئاسة الأركان شاغراً، والاستمرار في إدارته بالتكليف، بما يكشف عن صحة وجود تحفظات لديها على المبادرة الأميركية.
وهو ما فسره مراقبون، من جانب آخر، بمستوى التعاطي الأميركي مع ممثلي الطرفين في الزيارة الأخيرة، ففي حين التقى زوبي نائب وزير الخارجية الأميركي كريستوفر لاندو بحضور بولس، حظي صدام حفتر بلقاءات أرفع، إذ التقاه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو ومسؤولون في مجلس الأمن القومي، مما يعكس إدراك الجانب الأميركي وجود قدر من التحفظ لدى الحكومة في طرابلس، مقابل إعلان حفتر الانخراط في المبادرة.
_______________
