صابر بن عامر

كيف تأثرت ليبيا بالحرب بين روسيا وأوكرانيا؟

في مطلع مارس/آذار 2026، لم يكن الليبيون يتابعون تطورات الحرب الروسية–الأوكرانية بوصفها حدثاً بعيداً يقع على بعد آلاف الكيلومترات من حدودهم. فاتهامات موسكو لأوكرانيا باستهداف ناقلة غاز روسية قبالة السواحل الليبية، وما تبعها من مخاوف بيئية وتحذيرات ملاحية، وضعت ليبيا فجأة داخل مشهد حرب لا تشارك فيها رسمياً، لكنها بدأت تلامس آثارها المباشرة.

لم يكن ذلك حدثاً معزولاً. فمنذ سنوات، تتراكم مؤشرات تحول ليبيا إلى مساحة تتقاطع فيها حسابات قوى دولية وإقليمية متعددة. قواعد عسكرية أجنبية، ومرتزقة، وطائرات مسيّرة، وشبكات نفوذ تمتد من البحر المتوسط إلى عمق أفريقيا، كلها جعلت البلاد أكثر عرضة لاستقبال ارتدادات صراعات تتجاوز حدودها ومصالح شعبها.

ومع احتدام المواجهة بين روسيا والغرب بعد اندلاع الحرب في أوكرانيا، ازدادت أهمية ليبيا في الحسابات الجيوسياسية للقوى المتنافسة. إذ تنظر موسكو إليها باعتبارها بوابة نحو أفريقيا ونقطة ارتكاز على الضفة الجنوبية لأوروبا، بينما تتعامل أطراف أخرى معها باعتبارها ساحة يمكن من خلالها احتواء النفوذ الروسي أو مراقبته أو حتى استهدافه بطرق غير مباشرة.

هكذا تجد ليبيا نفسها أمام معادلة معقدة: دولة لا تعلن الحرب ولا تملك قرارها بالكامل، لكنها تتحمل جزءاً من كلفتها. وبين الانقسام الداخلي واستمرار التدخلات الخارجية، تبدو البلاد أكثر قابلية لأن تتحول إلى ساحة خلفية لصراعات الآخرين، فيما يبقى السؤال الأهم: كيف أصبحت ليبيا جزءاً من حرب لا تخوضها، ومن المستفيد من إبقائها في هذا الموقع؟

ليبيا ساحة خلفية لحرب لا تشارك فيها

لا تبدو الحرب الروسية–الأوكرانية، في ظاهرها، حرباً ليبية. فجبهاتها الرئيسية تقع في شرق أوروبا، بينما تتحرك حساباتها بين موسكو وكييف وواشنطن وبروكسل. لكن الحروب الكبرى نادراً ما تبقى محصورة داخل حدودها الأصلية، إذ تبحث دائماً عن ساحات ضغط وممرات خلفية ومناطق تسمح للقوى المتنافسة بالتحرك بعيداً عن المواجهة المباشرة.

وفي الحالة الليبية، لا يتعلق الأمر بدولة قررت الانخراط في الصراع أو اختارت الاصطفاف إلى جانب أحد طرفيه، بل ببلد منقسم ومفتوح على نفوذ خارجي متشابك. فضعف السلطة المركزية وتعدد مراكز القرار جعلا الموانئ والقواعد العسكرية والمطارات والممرات الصحراوية مساحات قابلة للاستخدام في صراعات لا يملك الليبيون قرارها.

ولهذا تُعد ليبيا نموذجاً لما يُعرف بـالمنطقة الرمادية، فهي ليست ساحة حرب معلنة، لكنها أيضاً لا تمتلك مؤسسات موحدة قادرة على فرض الرقابة الكاملة على أراضيها ومجالها البحري والجوي. وفي مثل هذه البيئات، يصبح من السهل نقل السلاح وتشغيل الخبراء العسكريين وإقامة ترتيبات أمنية وعسكرية يصعب تتبعها أو محاسبة المسؤولين عنها.

ولا يدخل الفاعلون الخارجيون إلى ليبيا دائماً من باب التدخل المباشر، بل غالباً عبر احتياجات الأطراف المحلية نفسها. فهناك من يبحث عن السلاح أو الحماية أو الدعم السياسي، فيما تسعى القوى الخارجية إلى توسيع نفوذها واستثمار الانقسام القائم. ومع مرور الوقت، تتحول علاقات الدعم إلى أدوات نفوذ، وتتحول الجغرافيا الليبية إلى ورقة ضمن صراعات إقليمية ودولية أوسع.

بهذا المعنى، لا تصنع الحرب الروسية–الأوكرانية الأزمة الليبية، لكنها تكشف عمقها. فهي تُظهر كيف يمكن لسيادة منقوصة، وحظر سلاح ضعيف التنفيذ، ووجود عسكري أجنبي متزايد، أن تجعل ليبيا عرضة للتحول إلى ساحة خلفية لصراعات الآخرين، رغم أنها ليست طرفاً مباشراً فيها.

المشكلة تكمن في غياب السيطرة

يرى الخبير الأمني والعسكري أشريف بوفردة أن التمييز ضروري بين التعاون العسكري الطبيعي بين الدول وبين الوجود العسكري الأجنبي الذي فُرض بحكم الأمر الواقع داخل ليبيا. فالتدريب العسكري وتبادل الخبرات والتعاون الدفاعي أمور شائعة بين الدول عندما تتم عبر اتفاقيات واضحة ومؤسسات رسمية تمثل الدولة.

لكن المشهد الليبي، بحسب بوفردة، اتخذ مساراً مختلفاً منذ عام 2011، إذ تحول الدعم العسكري الخارجي إلى أحد عناصر موازين القوة الداخلية. فالأطراف المتنافسة على الأرض سعت إلى بناء تحالفات خارجية توفر لها الحماية والدعم العسكري والسياسي، ما فتح المجال أمام تمركز قوى أجنبية في مناطق مختلفة من البلاد.

ويشير إلى أن الشرق الليبي ارتبط بشبكة تحالفات ضمت روسيا إلى جانب قوى إقليمية مثل مصر والإمارات، بينما ارتبط الغرب بشكل أوثق بتركيا، مع حضور أوروبي متفاوت تحكمه المصالح والنفوذ. غير أن جوهر الإشكال، في نظره، لا يكمن في هذه التحالفات بحد ذاتها، بل في وجود قواعد ومواقع عسكرية لا تخضع فعلياً لرقابة الدولة الليبية أو إشرافها المباشر.

ويحذر بوفردة من أن عجز الدولة عن معرفة طبيعة الأنشطة التي تجري داخل بعض هذه القواعد، أو ما يدخل إليها ويخرج منها، يضع السيادة الليبية أمام اختبار حقيقي، ويجعل البلاد عرضة للتورط في صراعات أو عمليات خارجية لا تملك قرارها. وبذلك لم يعد توصيف ليبيا بـالمنطقة الرماديةمجرد وصف سياسي، بل بات واقعاً أمنياً يعكس حدود قدرة الدولة على التحكم بمجالها العسكري ومرافقها الاستراتيجية.

كيف ترسخ النفوذ الروسي في ليبيا؟

لم يبدأ الحضور الروسي في ليبيا مع الحرب في أوكرانيا، بل سبقها بسنوات. فمنذ هجوم قوات خليفة حفتر على طرابلس بين عامي 2019 و2020، برز اسم مجموعة فاغنر بوصفها أحد أبرز مظاهر تدويل الصراع الليبي. ففي يوليو/تموز 2020، قالت القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) إن لديها أدلة على قيام عناصر فاغنر بزرع ألغام وعبوات ناسفة داخل طرابلس وحولها، معتبرة أن ذلك يمثل انتهاكاً لحظر السلاح الأممي ويعرّض حياة المدنيين للخطر.

كما أفادت هيومن رايتس ووتش في مايو/أيار 2022 بأن معلومات حصلت عليها من جهات ليبية وفرق متخصصة في إزالة الألغام ربطت فاغنر باستخدام ألغام وعبوات مفخخة خلال دعمها لقوات حفتر في هجومها على العاصمة بين عامي 2019 و2020.

ولم تنته آثار تلك المرحلة بانسحاب المقاتلين أو توقف المعارك. فالألغام ومخلفات الحرب بقيت حاضرة باعتبارها أحد أكثر الأثمان المباشرة التي دفعها الليبيون نتيجة تدخل القوى الخارجية في الصراع. ووفق بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، تسببت حوادث الذخائر المتفجرة منذ مايو/أيار 2020 في سقوط 487 ضحية، بينهم 175 قتيلاً و312 جريحاً، من ضمنهم 87 طفلاً.

كما أعلن برنامج الأمم المتحدة للأعمال المتعلقة بالألغام إزالة أكثر من 57 ألف قطعة من مخلفات الحرب خلال عام 2025 وحده، في مؤشر على حجم التلوث المتفجر الذي خلفته سنوات النزاع.

لكن الوجود الروسي في ليبيا لم يتوقف عند تجربة فاغنر. فبعد إعادة هيكلة النفوذ الروسي في أفريقيا، برز اسم الفيلق الأفريقيبوصفه الإطار الجديد للحضور الروسي في عدد من الدول الأفريقية. غير أن الباحث المتخصص في الشأن الليبي جلال حرشاوي يرى أن هذا الوصف قد يكون مضللاً، لأن الطرف الموجود اليوم في ليبيا ومالي ودول أخرى ليس مجرد شركة أمنية خاصة، بل القوات المسلحة الروسية ووزارة الدفاع الروسية بصورة مباشرة.

ويقول حرشاوي، في حديثه لـعربي بوست، إن أهمية ليبيا بالنسبة إلى موسكو لم تتغير خلال العقد الأخير، لأن روسيا تنظر إليها من خلال 3 دوائر استراتيجية مترابطة: البحر المتوسط، والجناح الجنوبي لأوروبا الغربية وحلف الناتو، والقارة الأفريقية. ويرى أن هذه الاعتبارات تجعل الوجود الروسي في ليبيا أمراً لا غنى عنهبالنسبة إلى الكرملين.

وتتوافق هذه القراءة مع تقديرات مراكز أبحاث غربية، إذ وصف تقرير صادر عن Atlantic Council عام 2024 ليبيا بأنها مركز حاسم للأنشطة الروسية في أفريقيا، مستفيداً من موقعها الجغرافي ومن حالة الانقسام السياسي التي تمنح موسكو هامش حركة واسعاً.

وبحسب حرشاوي، لا تكمن أهمية ليبيا فقط في قربها من أوروبا، بل أيضاً في كونها بوابة نحو السودان وتشاد والنيجر ومالي، وممراً أساسياً نحو العمق الأفريقي الذي تسعى روسيا إلى ترسيخ نفوذها داخله. ويضيف أن موسكو لا تحتاج بالضرورة إلى إشعال حرب جديدة في ليبيا أو تغيير جذري في موازين القوى الحالية، بل إن هدفها الأساسي يتمثل في الحفاظ على المكاسب التي راكمتها خلال السنوات الماضية.

ويضع حرشاوي في مقدمة هذه المكاسب الوصول إلى ميناء طبرق، والتمركز في قواعد جوية رئيسية مثل الخادم وبراك الشاطئ والجفرة، إضافة إلى الوجود في مطار سرت ومطار بنينة ومواقع أخرى. ويقول إن روسيا ستكون سعيدة للغايةإذا تمكنت فقط من الاحتفاظ بهذه المكاسب، لأنها لا تحتاج إلى مشروع توسعي جديد بقدر حاجتها إلى البقاء في ليبيا إلى الأبد“.

ويشير حرشاوي إلى أن موسكو لم تكن مقتنعة بالكامل، حتى خلال هجوم حفتر على طرابلس عام 2019، بأن قواته قادرة على تحقيق نصر حاسم داخل العاصمة. ومع ذلك، فإن اعتبارات الربح التي حكمت نشاط فاغنر آنذاك، إلى جانب فرصة التغلغل في مناطق واسعة من ليبيا عبر دعم طرف محلي ضعيف ومحتاج، دفعت روسيا إلى الانخراط بقوة في الصراع.

بل إن حرشاوي يرى أن موسكو خرجت مستفيدة من فشل هجوم حفتر نفسه، إذ مكّنها ذلك من ترسيخ مواقع عسكرية ونفوذ طويل الأمد في مناطق استراتيجية من البلاد.

وبذلك، لا يمكن فهم الوجود الروسي في ليبيا باعتباره مجرد دعم عسكري لحليف محلي، بل باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع تتجاوز الساحة الليبية نحو المتوسط وأفريقيا. فكلما تصاعد التوتر بين روسيا والغرب، ازدادت أهمية المواقع الليبية بالنسبة إلى موسكو باعتبارها أوراقاً تمنحها قدرة أكبر على المناورة في ملفات الأمن والطاقة والهجرة والنفوذ العسكري.

______________

مواد ذات علاقة