صابر بن عامر

خوف شعبي في دولة تبحث عن الإجابات
يصعب التعامل مع المخاوف الليبية من التوطين باعتبارها مجرد مبالغة أو خطاب عاطفي، فهذه المخاوف تتشكل داخل بيئة تعاني أصلاً من غياب البيانات الدقيقة وضعف مؤسسات الدولة والانقسام السياسي المستمر.
ففي بلد لا يملك تعداداً سكانياً حديثاً، ولا حدوداً مضبوطة بشكل كامل، ولا سلطة موحدة قادرة على فرض سياسة واحدة من رأس جدير إلى الكفرة، ومن طرابلس إلى بنغازي وسبها، يصبح القلق من أي تغير ديموغرافي واسع النطاق أمراً مفهوماً لدى قطاعات واسعة من المواطنين.
وتتزايد حساسية هذا الملف مع اتساع حضور المهاجرين في مدن وقرى تعاني أصلاً من ضغوط اقتصادية وتراجع في الخدمات العامة وضعف الثقة بالمؤسسات، إلى جانب شعور متنامٍ بأن الدولة لا تقدم للرأي العام معلومات كافية بشأن الاتفاقات والتمويلات والبيانات وأدوار المنظمات الدولية العاملة في الملف.
ويصبح هذا الفراغ أكثر خطورة عندما تنتقل المخاوف من منصات التواصل الاجتماعي إلى محيط مقار المنظمات الدولية. فالتصعيد الذي شهدته محيطات بعض المقرات الأممية يعكس حجم الاحتقان الناتج عن الخلط بين المفاهيم، وغياب التواصل الرسمي الواضح، وتراكم القلق الشعبي تجاه ملف لا تديره الدولة وفق سياسة مفهومة ومعلنة للرأي العام.
ومن هذا المنطلق، لا يبدو الجدل الدائر حول الهجرة في ليبيا مجرد رفض للمهاجرين كأفراد، بقدر ما يعكس أزمة ثقة أوسع بين المواطن والمؤسسات. فالكثير من الليبيين لا يعرفون من يتخذ القرار، ولا من ينسق بين الجهات المختلفة، ولا من يملك البيانات، ولا ما حدود دور المنظمات الدولية، ولا أين تبدأ صلاحيات الدولة وأين تنتهي. وفي مثل هذا المناخ، تصبح الشائعة أكثر انتشاراً من المعلومة الرسمية، ويصبح الخوف أكثر تأثيراً من التوضيح.
بين رفض التوطين وغياب الاستراتيجية
على المستوى الرسمي، جددت وزارة الخارجية الليبية رفضها لتوطين المهاجرين، مع التأكيد على حق المواطنين في التعبير وفق القانون واحترام حرمة مقار البعثات الدبلوماسية. كما أعلن مجلس النواب رفضه أي مشاريع أو ترتيبات قد تؤدي إلى التسكين أو التوطين أو إحداث تغيير ديموغرافي، معتبراً أن حماية الهوية الوطنية والسيادة الليبية تمثل خطوطاً حمراء.
غير أن المواقف السياسية الرافضة للتوطين لا تكفي وحدها لمعالجة الأزمة. فالسؤال المطروح اليوم لا يتعلق فقط بما إذا كانت ليبيا ترفض التوطين، بل بما إذا كانت تمتلك أصلاً سياسة وطنية متكاملة لإدارة الهجرة واللجوء.
وفي هذا السياق، يرى امحمد المهدي، الخبير والمتخصص في شؤون الحدود والهجرة، أن ليبيا لا تزال تفتقر إلى سياسة وطنية موحدة لإدارة ملف مكافحة الهجرة غير النظامية، معتبراً أن الجهود المبذولة في حكومتي الشرق والغرب تأتي غالباً في صورة ردود فعل آنية استجابة لمطالب الرأي العام المحلي، من دون أن تستند إلى رؤية استراتيجية شاملة لمعالجة الملف.
ويقول المهدي، في حديثه لـ“عربي بوست“، إن الدعم الأوروبي المقدم لليبيا في هذا الملف لا يزال محدوداً من حيث أثره العملي، ويقتصر في معظمه على برامج تدريب أولية يمكن تنفيذها محلياً، مثل الإسعافات الأولية وبعض التدريبات البسيطة، إضافة إلى توفير معدات محدودة كالقوارب المطاطية والسيارات.
ويضيف أن هذا الدعم لا يتناسب مع حجم الظاهرة وتعقيداتها، ولا مع ما تتحمله ليبيا من أعباء جسيمة في ملف الهجرة، مشدداً على أن الدعم الحقيقي ينبغي أن يتجه إلى إنشاء منظومات مراقبة إلكترونية حديثة لتأمين الحدود الجنوبية، وتعزيز قدرات حرس الحدود بالتجهيزات والتقنيات المتطورة المستخدمة عالمياً، وبناء بنية تحتية أمنية وتقنية قادرة على ضبط حركة الهجرة غير النظامية بفاعلية.
وتسلط هذه القراءة الضوء على جانب آخر من الأزمة، يتمثل في أن ليبيا لا تواجه فقط ضغوطاً خارجية مرتبطة بمحاولات الحد من وصول المهاجرين إلى أوروبا، بل تواجه أيضاً تحديات داخلية تتعلق بضعف أدوات الإدارة والسيطرة. وبين دعم أوروبي محدود من حيث الأثر المباشر، وانقسام سياسي يجعل القرار موزعاً بين سلطات متنافسة، يبقى ملف الهجرة محكوماً بمنطق الاستجابة الآنية وردود الفعل، أكثر من خضوعه لسياسة وطنية شاملة ومستقرة.
ليبيا أمام موجة جديدة من التكدس البشري
في وقت تتجه فيه أوروبا نحو تشديد سياساتها المتعلقة بالهجرة واللجوء، تبرز ليبيا باعتبارها إحدى أكثر دول العبور تأثراً بالتحولات الجارية داخل الاتحاد الأوروبي. فالتطورات الأخيرة لا تشير إلى وجود مشروع معلن لتوطين المهاجرين داخل الأراضي الليبية، لكنها تثير تساؤلات متزايدة بشأن احتمال تحول البلاد إلى مساحة احتواء طويلة الأمد للمهاجرين العالقين على تخوم أوروبا.
وفي الأول من يونيو/ حزيران 2026، توصل الاتحاد الأوروبي إلى اتفاق سياسي مبدئي بشأن قواعد جديدة تسمح للدول الأعضاء بإرسال مهاجرين رُفضت طلباتهم أو صدرت بحقهم قرارات مغادرة إلى ما يعرف بـ“مراكز عودة” في دول ثالثة خارج الاتحاد.
ورغم أن الدول الأعضاء لم تكشف عن الدول المحتملة لاستضافة هذه المراكز، كما أن التشريع لا يزال بحاجة إلى اعتماد رسمي، فإن النقاش أثار اهتماماً واسعاً في ليبيا بالنظر إلى موقعها المركزي في مسارات الهجرة المتوسطية.
وأوضح مجلس الاتحاد الأوروبي أن الاتفاق يهدف إلى تسريع إجراءات إعادة الأشخاص المقيمين بصورة غير نظامية داخل دول الاتحاد ضمن إطار قانوني جديد لسياسة العودة الأوروبية. ولم تُذكر ليبيا كدولة مضيفة لهذه المراكز، غير أن موقعها الجغرافي وحساسيتها في ملف الهجرة يجعلانها معنية بصورة مباشرة بأي توجه أوروبي لنقل أعباء إدارة الهجرة إلى دول خارج الاتحاد.
ولا يتعلق الأمر، في هذه المرحلة، بقرار أوروبي معلن لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، بل باتجاه أوسع يسعى إلى إبعاد أزمة الهجرة عن الحدود الأوروبية. ومع ذلك، فإن هذا التوجه قد يقود إلى نتيجة عملية مشابهة تتمثل في بقاء أعداد متزايدة من المهاجرين واللاجئين عالقين داخل دول العبور، وفي مقدمتها ليبيا.
وفي هذا السياق، يرى حسام شاكر، الباحث في الشؤون الأوروبية وقضايا الهجرة، أن سياسات الهجرة واللجوء الأوروبية تتجه خلال السنوات الأخيرة نحو مزيد من التشدد، وأن الترتيبات الأوروبية المستجدة تستهدف تضييق منافذ الوصول إلى القارة الأوروبية بالتوازي مع تعزيز التفاهمات مع دول العبور المتوسطية، ومن بينها ليبيا.
ويقول شاكر، في حديثه لـ“عربي بوست“، إن هذه السياسات تؤدي عملياً إلى زيادة الضغط على دول العبور غير الأوروبية، وإلى واقع من “التكدس البشري المتزايد” داخل هذه الدول، معتبراً أن ليبيا تبدو في صدارة هذا المشهد بسبب مساحتها الواسعة، وحدودها شبه المفتوحة، وتعقيداتها الداخلية في إدارة ملف الهجرة.
ويضيف أن هذا الواقع سيفرض على ليبيا أسئلة ملحة تتعلق بكيفية التعامل مع أعداد كبيرة من المهاجرين غير النظاميين، سواء من خلال تنظيم أوضاع بعض الفئات مؤقتاً وفق ترتيبات قانونية واضحة، أو عبر إيجاد مسارات عودة طوعية آمنة ومناسبة، أو من خلال الانتقال من مقاربات الاحتجاز والتسجيل المؤقت إلى سياسات أكثر شمولاً تتعامل مع الواقع القائم.
كما يحذر شاكر من أن غياب مقاربة ليبية شاملة تنطلق من المصالح الوطنية وتستوعب حقيقة وجود أعداد كبيرة من البشر داخل البلاد قد يبقي الملف مفتوحاً على مزيد من التوترات والأزمات، خصوصاً إذا لم تُطرح خيارات عملية للعودة الطوعية أو لتنظيم أوضاع بعض الفئات وفق ترتيبات واضحة.
التمويل الأوروبي وحدود السيادة الليبية
لا يقتصر الحضور الأوروبي في الملف الليبي على الجانب السياسي، بل يمتد إلى مستويات واسعة من التمويل والدعم المرتبطين بإدارة الهجرة والحدود.
وتشير بيانات الاتحاد الأوروبي إلى تخصيص ميزانيات كبيرة منذ عام 2015 لبرامج مرتبطة بالهجرة وإدارة الحدود في ليبيا، شملت تمويلات ضمن الصندوق الائتماني الأوروبي للطوارئ في أفريقيا، وبرامج ثنائية وإقليمية للحماية والعودة الإنسانية الطوعية والإجلاء، فضلاً عن دعم خفر السواحل الليبي عبر بعثة المساعدة الحدودية الأوروبية وعملية “إيريني“.
وتكشف هذه الأرقام حجم الانخراط الأوروبي في إدارة ملف الهجرة الليبي، لكنها تفتح في الوقت نفسه باباً لسؤال سياسي حساس يتعلق بمدى تأثير هذا التمويل على استقلالية القرار الليبي: هل يسهم الدعم الأوروبي في بناء سياسة وطنية ليبية مستقلة لإدارة الهجرة، أم أنه يجعل ليبيا جزءاً من منظومة أوروبية أوسع تهدف إلى ضبط الحدود خارج القارة؟
وفي هذا الإطار، خلص تحليل أعده الباحث ولفرام لاخر لصالح المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية (SWP) إلى أن المفوضية الأوروبية وإيطاليا واليونان تسعى إلى الحد من الهجرة غير النظامية عبر ليبيا، مشيراً إلى أن بعض جوانب السياسة الأوروبية في ليبيا لم تحقق أهدافها، خاصة في ما يتعلق بتحسين أوضاع مراكز الاحتجاز وظروف العمال المهاجرين واللاجئين.
كما يسلط التحليل الضوء على آثار سياسية داخلية لهذه السياسات، من بينها تعزيز نفوذ جهات محلية مرتبطة بمنظومة الاعتراض والاحتجاز، وهو ما يعيد طرح سؤال جوهري داخل ليبيا: هل الهدف الأساسي من هذه السياسات هو مساعدة ليبيا على إدارة الهجرة، أم تحويلها إلى خط دفاع متقدم لحماية الحدود الأوروبية؟
الهجرة بوابة جديدة للتعامل مع الانقسام
أحد أبرز التحولات التي شهدها الملف خلال الفترة الأخيرة يتمثل في اتساع نطاق التعاون الأوروبي ليشمل أطرافاً ليبية في الشرق، بعد أن ظل لسنوات مرتبطاً أساساً بمؤسسات الغرب الليبي.
ففي مايو/ أيار 2026، كشفت منظمة (ستيت واتش) عن وثيقة قالت إنها “ترتيب فني” يوسع التعاون بين عملية “إيريني” الأوروبية وجهات ليبية في الشرق مسؤولة عن إنفاذ القانون وعمليات البحث والإنقاذ البحري، بما يشمل التدريب والدعم وتطوير مركز تنسيق إقليمي في بنغازي.
وتحمل هذه الخطوة أبعاداً سياسية تتجاوز الجانب الفني، إذ تشير إلى أن ملف الهجرة أصبح إحدى بوابات التعامل الأوروبي مع طرفي الانقسام الليبي. فبدل حصر التعاون في حكومة أو مؤسسة واحدة، تتجه أوروبا إلى توسيع شبكات التعاون لتشمل جهات مختلفة تحت عنوان إدارة الهجرة والبحث والإنقاذ.
غير أن هذا التوسع يثير تساؤلات سيادية معقدة. فإذا كانت ليبيا لا تزال منقسمة سياسياً ومؤسساتياً، فمن هي الجهة المخولة بإبرام مثل هذه التفاهمات؟ ومن يراقبها؟ ومن يضمن ألا يتحول الدعم والتدريب ومراكز التنسيق إلى أدوات تمنح شرعية أمنية لأطراف محلية خارج إطار التوافق الوطني؟
وفي بلد مثل ليبيا، لا تمثل الهجرة ملفاً إنسانياً فحسب، بل أصبحت أيضاً مصدراً للتمويل والنفوذ والاعتراف السياسي. فالجهات التي تسيطر على مسارات الهجرة أو عمليات الاعتراض والاحتجاز تكتسب أهمية متزايدة لدى الشركاء الدوليين، ما يجعل الملف جزءاً من معادلات النفوذ الداخلي.
حين يصبح الاحتجاز جزءاً من المنظومة
لا يمكن فهم واقع إدارة الهجرة في ليبيا من دون التوقف عند ملف مراكز الاحتجاز، الذي ظل محوراً أساسياً في التقارير الأممية والحقوقية خلال السنوات الأخيرة.
ففي فبراير/ شباط 2026، قالت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا ومكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إن المهاجرين واللاجئين وطالبي اللجوء يتعرضون لانتهاكات ممنهجة تشمل القتل والتعذيب والعنف الجنسي والاتجار بالبشر، ووصفت ما يجري بأنه “نموذج عمل عنيف” تستفيد منه أطراف وشبكات متعددة.
كما وثق تقرير أممي يغطي الفترة الممتدة من يناير/ كانون الثاني 2024 إلى ديسمبر/ كانون الأول 2025 استمرار انتهاكات واسعة ضد المهاجرين وطالبي اللجوء واللاجئين في ليبيا، وسط حالة مستمرة من الإفلات من العقاب.
وتجعل هذه المعطيات أي تعاون دولي يؤدي عملياً إلى اعتراض المهاجرين في البحر وإعادتهم إلى ليبيا مسألة قانونية وأخلاقية شديدة الحساسية. فإذا كانت مراكز الاحتجاز تشهد انتهاكات موثقة، وإذا كانت منظومة العدالة نفسها تعاني الانقسام والضعف، فإن التساؤلات تظل قائمة بشأن مصير الأشخاص الذين تتم إعادتهم إلى الأراضي الليبية.
فالقضية لا تتعلق فقط بمنع قوارب الهجرة من الوصول إلى أوروبا، بل بما يحدث للمهاجرين بعد اعتراضهم: هل يعودون إلى إجراءات قانونية واضحة؟ أم إلى مراكز احتجاز مفتوحة على الانتهاكات؟ وهل يتم التعامل مع ليبيا كشريك سيادي كامل، أم كساحة لاحتواء الأزمة بعيداً عن الضغوط السياسية داخل أوروبا؟
ليبيا بين ضغوط الجنوب ومخاوف الشمال
تجد ليبيا نفسها اليوم في قلب معادلة جغرافية وسياسية معقدة. فمن الجنوب، تدفع الحروب والانقلابات والفقر وتداعيات تغير المناخ آلاف الأشخاص نحو الشمال بحثاً عن فرص أفضل. ومن الشمال، تمارس أوروبا ضغوطاً متزايدة لمنع وصول هؤلاء إلى أراضيها.
وبين هذين الطرفين تقف دولة ليبية منقسمة لا تمتلك مؤسسات موحدة قادرة على إدارة هذا الملف الشديد التعقيد.
هذا الموقع يجعل ليبيا منطقة عازلة بين جنوب مضطرب يدفع البشر إلى الهجرة وشمال أوروبي يسعى إلى إيقافهم قبل الوصول إلى حدوده. وفي هذه المساحة الوسطى، يتحمل الليبيون أعباء الضغوط الأمنية والاجتماعية، بينما يتحمل المهاجرون مخاطر الاحتجاز والانتهاكات والاستغلال، في حين تنجح أوروبا في إبعاد جزء من الأزمة عن حدودها المباشرة.
والأخطر أن هذا الواقع قد يتحول إلى وضع دائم كلما توسعت سياسات الاعتراض والاحتواء، واستمر غياب السياسة الوطنية الموحدة، وتعزز الانقسام بين مؤسسات الشرق والغرب. عندها قد تتحول ليبيا تدريجياً من دولة عبور إلى منصة انتظار واحتجاز وترحيل مفتوحة.
______________