خالد محمود

برغم إخفاق مشاريع توريث السلطة في جمهوريات العالم العربي، كما في مصر مع جمال مبارك، وفي ليبيا مع سيف القذافي، يكرّر صدّام حفتر في شرق ليبيا اليوم الحلم نفسه، ما يطرح تساؤلات حول إمكانية توريث النفوذ والسلطة في جمهوريات قامت –نظرياً– على رفض الحكم بالوراثة.
عائدٌ من المنفى “متبختراً“
حينما بدأ نجم خليفة حفتر يلمع كقائد عسكري في شرق ليبيا، إثر عملية الكرامة العسكرية في مدينة بنغازي ضد جماعات متطرفة، كان برتبة لواء في الجيش الليبي الذي انهار إثر مقتل العقيد معمر القذافي وسقوط نظامه عام 2011.
لم يكن أحد يعرف جيّداً من هو، باستثناء وصفه في بعض وسائل الإعلام الأمريكية بأنه مثل ممثل هوليوود الشهير كلينت إستوود، “متبختر” عائد من المنفى الإجباري بعد ربع قرن أمضاها في الولايات المتحدة الأمريكية لاجئاً سياسياً، وهي فترة لطالما أثارت جدلاً في تاريخ حفتر الأب، خاصةً في ما يتعلق بحصوله على الجنسية الأمريكية وعلاقته بوكالة المخابرات المركزية الأمريكية.
بمساعدة نجله صدّام، أجريت حواري الأوّل من نوعه معه في أيار/ مايو 2014، بعد تدشينه مطاردة إرهابيين عاثوا فساداً في المنطقة الشرقية، حيث سعى حفتر إلى تقديم نفسه كرجل يريد أن يصنع التاريخ، وأخبرني بأنه “لا يريد السلطة ولا يسعى إليها، لكن إذا طلبه الشعب فسيمتثل لرغبته“.
صعود المساعد الشخصي إلى الجيش
لم يكن صدّام حفتر ضابطاً أو منتمياً للجيش في تلك الحقبة. لكن اسم هذا الشابّ ارتبط مبكراً في ذاكرة الليبيين بحادثة اقتحام أو سرقة مصرف الأمان في طرابلس، خلال فترة فوضى ما بعد سقوط القذافي، حيث اتّهم بالتورط وإطلاق النار والاشتباك مع حرّاس الأمن، مما أدى إلى مقتل رجل أمن وإصابة صدّام نفسه قبل أن يتم نقله للعلاج في أحد مستشفيات العاصمة طرابلس، ولاحقاً اختطفت ميليشيات طرابلس شقيقه بلقاسم، الذي يدير حالياً صندوق إعادة الإعمار والتنمية في المنطقة الشرقية، في أثناء زيارته هناك.
يروّج منتقدو صدّام هذه الواقعة للتدليل على تورّطه المبكر في أعمال عنف ومحاولات نهب بنوك، لكنه نفاها وقدّم روايةً مغايرةً تفيد بتعرّضه للاعتداء ومحاولة الترهيب والخطف.
لكنها لم تكن المرة الوحيدة، إذ اتّهم لاحقاً بالتورط عام 2017 بالاستيلاء على فرع مصرف ليبيا المركزي في بنغازي ونهب مئات الملايين، وهو ما نفاه المصرف أيضاً.
وكما شكّلت عملية الكرامة العسكرية لحفتر الأب، بداية تكريس نفسه كصانع للحدث في شرق ليبيا، فقد مثّلت أيضاً إعادة تموضع لنجله صدّام، ذلك أنّ القضاء على الإرهاب في المنطقة الشرقية أعطى انطلاقةً جديدةً لحفتر وأولاده السبعة (5 أولاد وبنتان)، وعلى رأسهم صدّام.
بعدما كان صدّام مجرّد متطوع مدني في الجيش، يعمل فقط كمساعد شخصي لوالده، بدأت مرحلة إعداده وتجهيزه، وهو الابن الأصغر لخليفة حفتر، مولود عام 1991 في بنغازي، ونشأ فيها مع والدته وإخوته بينما كان والده في المنفى.
سيرة غامضة
في غياب سيرة ذاتية رسمية، ثمة غموض حول تعليمه الثانوي أو مؤهلاته الأكاديمية قبل ظهوره عام 2016، خلال معارك بنغازي ضمن قوات والده، ثمّ ظهر في نهاية العام نفسه في حفل مرتدياً الزيّ العسكري بمناسبة تخرّجه من الكلية العسكرية الملكية في الأردن، برتبة نقيب، وقد تولّى قيادة لواء طارق بن زياد، ثمّ الكتيبة 106 المخصصة لحماية قوة حفتر.
حصل على دورات تخصّصية متقدمة في العمليات الخاصة، إدارة الوحدات، المدفعية، الاستخبارات العسكرية، ودورة في أمن المعلومات في روسيا، كما نال شهادة الدكتوراه في فلسفة العلوم العسكرية من مصر.
لم يعد سراً أنّ صدّام حفتر يسعى إلى السلطة، بعدما بات واضحاً أنّ فرص الأب في تولّيها قد تضاءلت، لغياب أي أفق سياسي يمهد لإجراء أي انتخابات رئاسية، بعدما فشلت الانتخابات التي كانت مقرّرةً نهاية عام 2021.
خليفة حفتر الذي عيّنه مجلس النواب الليبي، قائداً للجيش ورقّاه من رتبة لواء إلى رتبة فريق ثمّ مشير، لجأ إلى تعيين نجله صدّام أخيراً نائباً له، ما يعني أنه بات وفقاً للتسلسل الهرمي بمثابة الرجل الثاني في المنظومة العسكرية.
معارضة عسكرية مكتومة
لا يخفي بعض ضبّاط الجيش في أحاديثهم الجانبية عدم ارتياحهم لما حدث، لكن أحدهم قال ملخصاً الموقف: “هي مرحلة انتقالية مؤقتة قد لا تدوم“، قبل أن يعرّج على ما وصفه بالحلقة الضيّقة التي يحيط صدّام حفتر نفسه بها من الضباط النافذين.
بحسب هؤلاء، “النوايا حسنة وطيبة ووطنية إلى حد كبير، لكن الطريق ليس صحيحاً“.
يسود اعتقاد لدى بعض العسكريين بأنّ صعود صدّام صدم الجيش، لكن من دون وجود أي معارضة علنية في ظلّ نفوذ وهيمنة أبيه، لكن الأمر قد يتغيّر لاحقاً.
ماذا تعلّم حفتر من سيناريوهات التوريث؟
ومع أنّ حفتر الأب عاين من كثب وعاصر سقوط أنظمة الحكم في ليبيا ومصر والعراق وسوريا، التي تبنّت نهج توريث السلطة، إلا أنّه دفع بصدّام إلى الواجهة تحت شعار “تطوير الجيش حتى عام 2030″.
يحلم حفتر الأب بجيش محترف قوامه مئة ألف مقاتل، شريطة امتلاكه القدرات التسليحية والمالية اللازمة، في محاولة لتصحيح أخطاء القذافي، الذي دفعه تعرّضه لمحاولات انقلاب عسكرية عدة في البداية إلى التخوّف من الجيش، ومن ثمّ العمل على تفكيكه وإضعافه، لضمان عدم وقوع أيّ انقلاب ضده.
مقايضة صدّام بحرب طرابلس
ما زال ليبيون يتذكرون ذهاب بعضهم إلى منزل حفتر الأب لطلب مساعدته للتخلص من الإرهاب الذي استشرى في البلاد، خاصةً في منطقتها الشرقية، بعد تدمير ما تبقّى من الوحدات النظامية لجيش القذافي.
وعقب فشل حربه لتحرير العاصمة طرابلس في ربيع عام 2019، لجأ حفتر إلى براغماتية سياسية، مكرّساً نشاطه ووقته لإتاحة الفرصة لصعود أبنائه إلى السلطة بشكل أو بآخر.
ومع تزايد قناعته باستحالة أن يكون يوماً رئيساً للبلاد، ليس فقط بسبب تأجيل الانتخابات الرئاسية التي ترشّح فيها وتمّ إلغاؤها بعدما كانت مقررةً عام 2021، ولا بتخطّيه عامه الـ82، ولا برفض معتبر لقطاع كبير من ناخبي وسكان المنطقة الغربية تولّيه السلطة، لجأ حفتر إلى إستراتيجية البدائل مستفيداً من علاقته مع الدول التي دعمت مشروعه وفي مقدمتها مصر وروسيا.
وبدا أنّ عدم لجوئه مجدداً إلى السلاح مرتبط بقبول الأطراف الإقليمية والدولية لمشروع التوريث، وهو ما نجح فيه بالفعل عبر الحصول على مشروعية لتولّي صدّام منصب نائبه، ما يؤهله ليكون الرجل الأوّل المسؤول عن الجيش من بعده.
وتجلّى هذا في مبادرة طرحها مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والإفريقية، مسعد بولس، لتقاسم السلطة، تضع حفتر الابن في مقدمة المشهد الرسمي، رئيساً للمجلس الرئاسي بدلاً من رئيسه الحالي محمد المنفي، مع بقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة الوحدة في طرابلس.
ومع أنّ المبادرة لاقت رفضاً شعبياً في المنطقة الغربية، وأثارت عاصفةً سياسيةً، إلا أنّ بولس ما زال متفائلاً ويسابق الزمن ويواصل خطته لتوحيد الميزانية والجيش، على أمل أن تفضي في ما بعد إلى تهيئة الوضع لإنتاج نظام سياسي جديد، قبل رحيل ترامب عن البيت الأبيض وانتهاء ولايته الثانية.
هل ينجح مشروع التوريث؟
في ليبيا، شهد حفتر الأب فشل مشروع “ليبيا الغد” الذي قاده سيف القذافي. وفي مصر المجاورة، عاين أيضاً الرفض الشعبي لتوريث السلطة لجمال نجل الرئيس الراحل حسني مبارك، برغم محاولات تلميعه وتقديمه للشارع كرجل الإصلاح والتغيير.
وبرغم أنّ حفتر أبلغني عام 2014، بأنه لا يريد السلطة، إلا أنّ صعود ابنه صدّام إلى موقع الرجل الثاني يثير الكثير من الأسئلة.
ومع أنّ الأب رأى بعينه تبخّر جيوش ونظم عائلية في الداخل والخارج، فإنّ تكريس عائلته سياسياً قد يمنحه استقراراً مؤقتاً، لكنه يضع الجيش الليبي بأكمله في مهب الريح، ويهدّد إرثه نفسه.
___________
