خيري عمر

على خلاف مراحل سابقة، يتقارب منظور الحلّ السياسي في ليبيا، فمنذ طرح مبادرة مُسعد بولس في 17 يونيو/ حزيران الماضي، بدأت الولايات المتحدة ومصر وتركيا حراكاً دبلوماسياً للتشاور حول إطار مرحلة انتقالية جديدة، مستفيدةً من تراجع فرص الحسم العسكري، ومن اتساع القناعة بأنّ استمرار الانقسام المؤسّسي لم يعد يضمن استقرار النفوذ القائم بقدر ما يضاعف هشاشة الدولة ويزيد من انكشافها على التدخّلات الخارجية.

وفي الوقت نفسه، تبدو تحوّلات المواقف الإقليمية والدولية أكثر ميلاً إلى إدارة التنافس عبر تسويات مرحلية بدل إبقائه مفتوحاً على احتمالات التصعيد. وهو ما يثير النقاش حول فرصة استثمار المساحات المشتركة في بناء آلية لتجاوز العيوب الهيكلية في الدولة وتحييد التنافس الدولي، ولذلك تبدو أهمية تناول التغيّر في السياسة الخارجية وانعكاسه على الوضع الليبي.

إعادة ترتيب العلاقات مع حكومتَي ليبيا

على الرغم من اختلاف مواقف الدول من المؤسّسات الليبية، انشغل التحرّك السياسي بكيفية الاستجابة للمبادرة الأميركية وتطوير العلاقة مع حكومتي طرابلس وبنغازي. في هذا الجانب، ظلّت الولايات المتحدة تتمتع بميزة استمرار الاتصال مع كلّ الأطراف الليبية، ولذلك بدت أكثر قدرةً على إرساء مكانتها الدبلوماسية.

فعلى مستويات مختلفة، تعدّدت مسارات العلاقات السياسية، فبالإضافة إلى تكرار زيارات مسؤولي “أفريكوم” وأعضاء الكونغرس، وسّعت فريقها الدبلوماسي لدعم مبادرة مُسعد بولس.

فقد كلّفت القائم بالأعمال الأميركي، جيريمي برنت، في 17 يوليو/ تمّوز 2026، بمهمّة إضافية ليكون المستشار الأوّل للسياسات بشأن ليبيا، استناداً إلى خبرته مديراً لشؤون شمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي، ونائباً لرئيس البعثة الدبلوماسية لدى ليبيا، ليتمتّع الفريق بصلاحيات كافية للتواصل مع حكومتي طرابلس وبنغازي والأطراف الإقليمية.

وعلى خلاف استقرار العلاقات الأميركية ـ الليبية، مرّت السياسة التركية بمرحلتَيْن؛ كانت الأولى في الانحياز إلى حكومة “الوفاق الوطني” في نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، بعد اندلاع الحرب في طرابلس بسبعة شهور، لتكون المحطّة التأسيسية لعلاقات ثنائية شهدت العديد من الاتفاقات العسكرية والاقتصادية، فصارت الشريك الاستراتيجي للحكومة الليبية.

وقد بدأت المرحلة الثانية في يناير/ كانون الثاني 2022، مع إعلان السفير التركي، كنعان يلماز، قرب افتتاح القنصلية التركية في بنغازي، ليمهّد الطريق لسلسلة من خطوات إقامة علاقات رسمية مع الحكومة المؤقّتة، شهدت تطوّراً دبلوماسياً وسياسياً.

فمنذ ذاك الوقت، رتّبت تركيا سياستها لتكون على مسافة متقاربة من الأطراف الليبية، إذ تسارعت العلاقات الثنائية، فلم تقتصر مظاهرها على كثافة الزيارات المتبادلة وارتفاع مستوى التمثيل، بل شملت التخلّي عن الانحياز والوقوف على مسافة واحدة من الليبيين وتدارك أولوية الاستقرار في ليبيا.

تبدو تحوّلات المواقف الإقليمية والدولية أكثر ميلاً إلى إدارة التنافس عبر تسويات مرحلية بدل إبقائه مفتوحاً على احتمالات التصعيد

وفي سياق آخر، فمنذ 2014، استقرّت السياسة المصرية عند قاعدة قانونية تقضي بالاعتراف بالحكومات الحائزة ثقة مجلس النواب. وفق هذا المبدأ، اعترفت بشرعية حكومتَي الوفاق الوطني ثمّ الوحدة الوطنية.

وكان الاعتراف بحكومة الاستقرار برئاسة فتحي باشاغا في شرقي ليبيا بمثابة انقطاع في التواصل الرسمي مع سلطة طرابلس، منذ سبتمبر/ أيلول 2021، من دون الإخلال بالعلاقات الاقتصادية مع جانبَي السلطة.

ومع بداية العام الجاري، بدأت مصر تنفتح على حكومة طرابلس، وبشكل متزامن مع تداعيات المبادرة الأميركية، بدأت سلسلة مشاورات لهيكلة العلاقات الثنائية والانتقال الآمن من الانقسام السياسي.

فعلى مدى شهر تقريباً، كانت التحرّكات متبادلة ما بين طرابلس والقاهرة وبنغازي، ومنها لقاءات القاهرة على مستوى رئيسَي الحكومة (30 يوليو 2026)، وعلى مستوى المخابرات ووزارة الدفاع. بالمثل، كانت اللقاءات مع ممثّلي الحكومة المؤقّتة في بنغازي على مستوى قيادة الجيش الليبي في 18 من أغسطس/ آب الحالي.

وبينما تمكّنت الولايات المتحدة من عقد اجتماعات مشتركة ما بين ممثّلي الحكومتَيْن، يظلّ تواصل مصر وتركيا مع حكومتَي ليبيا في مسارين منفصلَيْن، إذ لم تتمكّنا من جمع أطراف الأزمة على مائدة واحدة، وهو ما يُعدّ مؤشّراً على ضعف الاستجابة لتكوين إطار إقليمي وتفضيل الليبيين للاتصالات المتوازية على بدء خطوات نحو جمع الأطر السياسية للحكومتَيْن في اجتماع إقليمي.

وكما هي حال تركيا، يمكن قراءة تتابع زيارتَي عبد الحميد الدبيبة (في أواخر يوليو الماضي) وخليفة حفتر (18 أغسطس) القاهرة بوصفهما نموذجَيْن للتباعد الليبي عن فكرة القبول بمائدة إقليمية.

قد يرجع هذا التفاوت إلى أثر سنوات الانقطاع والتنافس، لكنّه لم يحُل دون التنسيق الدبلوماسي والتنسيق مع المبادرة الأميركية، عبر وزيرَي الخارجية ومديرَي المخابرات والمستشار بولس، بوصفه إطاراً دبلوماسياً تقوم مفرداته على تشبيك مصالح الليبيين مع القاهرة وأنقرة وواشنطن، وذلك في سياق اقتراب واقعي، تنعكس نتائجه في تحويل مسارات الاتصال لتعزيز فرصة التأثير في دعم مسودات اللجنة المشتركة (4 + 4)، واستكشاف ميول المؤسّسات الليبية تجاه الحلّ السياسي.

في هذا السياق، يبدو تأثير التواصل السياسي مزدوجاً، فمن جهة ينشط المسؤولون الأميركيون والمصريون والأتراك في عقد لقاءات مع حكومتي طرابلس وبنغازي لاستكشاف إمكانية حلّ سلمي، ومن جهة أخرى، تتعزّز فرصة الليبيين في التفاوض على الحصص والترتيبات المستقبلية.

فما يكشفه الخلاف حول مسوّدة بيان لجنة 4 + 4 في تونس هو تكرار لانقسام الليبيين حول الأطر السياسية والدستورية في المراحل السابقة.

تباين تصوّرات المرحلة الانتقالية

على الرغم من انشغال الدول الثلاث بجمع الليبيين، يعكس اختلاف تجربة كلّ دولة في سياستها الخارجية تجاه ليبيا وجود فروق في النظر إلى دور الجهات الليبية في المرحلة الانتقالية، بشكل يربط التقدّم في إعداد المبادرة بمرونة المواقف الدولية.

من هذه الوجهة، يمكن تصنيف تصوّرات بولس محاولةَ تفكيرٍ لتشكيل السلطة التنفيذية أكثر منها إطاراً سياسياً، فوفق الوضع الحالي، لم تخرج السياسة الأميركية عن التجارب السابقة في إعادة توزيع السلطة بين المتنفّذين الحاليّين، في عملية أقرب إلى تدوير الانقسام تحت مظلّة حكومة موحّدة، من دون ضمانات للانتقال إلى مرحلة الانتخابات وبناء النظام السياسي.

وبهذا المعنى، تبدو المبادرة محاولة تجريبية لا تعكس الرغبة في التوصّل إلى حلّ سريع، وهذا يرجع إلى تزاحم الأهداف ما بين منع تحوّل القواعد الروسية إلى نفوذ دائم، والانشغال بنشر النفوذ العسكري على مستويات تبادل المعلومات والتدريب المشترك ورفع الكفاءة العملياتية، ليكون خروج ليبيا من حالة الدولة الفاشلة ضمن أولويات متقاربة الأهمية.

تواجه روافع الحلّ السياسي عيوباً هيكليةً، تتمثّل في وجود العوامل الدائمة للاستعانة بقوات أجنبية

على المستوى الإقليمي، وعلى الرغم من تفهّم تركيا للاقتراب الأميركي، هيَ أكثر تقارباً مع مصر والسعودية، إذ تلتقي على أهمية توافر ضمانات الالتزام بالجدول الزمني وسدّ ثغرات الانقسام أو تهديد وحدة الدولة.

ومن هذه الوجهة، لا تُعدّ سرعة تشكيل السلطة التنفيذية إنجازاً بقدر ما يُعدّ توافر شروط الانتقال من مرحلة إدارة التوازنات بين القوى المتنافسة إلى مرحلة شرعية المؤسّسات الدائمة.

وتتوافق تركيا ومصر على وجود الجهة التشريعية مصدراً لاكتمال المشروعية، وهنا يعكس الطابع الرسمي للقاء وزير الخارجية التركي ورئيس البرلمان الليبي، في 12 أغسطس 2026، الاعتراف به ممثّلاً للسلطة التشريعية العليا بوصفه وريثاً للمؤتمر الوطني العام.

وهذا ما يعكس الرغبة المشتركة في وضوح إجراءات بناء المؤسّسات الأمنية والعسكرية، وإدارة الموارد السيادية تحت مظلّة جدول زمني ملزم لتحقيق ثلاث مهام: عقد الانتخابات الرئاسية والبرلمانية، وخفض التزامات الحكومة تجاه الأطراف الدولية، وتمكينها من تأمين الحدود وتصحيح السياسات العامّة.

على أيّ حال، يجري الإعداد لتشكيل حكومة جديدة في إطار المبادرة انطلاقاً من إدراك خطأ تركيز المساهمات السابقة على تحقيق توافقات سريعة، انتهت تداعياتها إلى دخول ليبيا في دورات من الإحباط والتفكّك، بسبب الانشغال بتوزيع السلطة على دوائر النفوذ أكثر من الإعداد لبناء الدولة.

قد يفسّر هذا التحوّط اختلاف رأي كلّ دولة في كيفية تشكيل الحكومة، لكنّ الدول، مع هشاشة الدولة وضعف ميراث النظام السياسي وتقاليده، تجد نفسها أمام اختيارات محدودة ليست بينها فروق جوهرية.

معوّقات بناء رافعة للحلّ السياسي

لطالما شكّل التنافس الدولي وهشاشة المؤسّسات عاملاً يعوق السلام في ليبيا، ويعوق تكوين رافعة دولية للحلّ السياسي. وتظهر معوّقات أخرى، يأتي في مقدّمتها ما يتعلّق بأعباء التسابق الدولي وفرض التزامات مستقبلية على المؤسّسات الليبية، لتمثّل عامل ضغط على الموارد السيادية، وإقرار محاصصة دولية لاقتسام مزايا المرحلة الانتقالية من خلال عقود تدريب الجيش والشرطة واتفاقيات التنقيب عن النفط.

وتكمن المعضلة الثانية في اختلاف تأثير وجود القوات الأجنبية. فمن جهة، تقوم استراتيجية روسيا على ربط وجودها العسكري عبر تركيز علاقاتها مع حكومة بنغازي ومحاولات الانفتاح على طرابلس، لتكون ليبيا ممراً لدعم التحوّل من “فاغنر” إلى “الفيلق الأفريقي”، لتعزيز حضورها السياسي، إذ تعمل في مسارين: المسار الأمني والمسار الدبلوماسي، لتكون جزءاً من معادلة النفوذ والتأثير في مرحلة بناء الدولة وإعادة تشكيل المؤسّسات.

ومن جهة أخرى، تقوم سياسة تركيا والولايات المتحدة على التغلغل في التركيبة العسكرية والأمنية الليبية من خلال برامج التدريب وتقديم الخدمات اللوجستية.

 ينحصر التناول الدولي للحلّ في ليبيا في إجراءات لا تؤدّي إلى تحويل الصراع، بقدر ما هي أقرب إلى إعادة هيكلة السلطة التنفيذية

وبشكل عام، تمثل الهشاشة الليبية المعضلة الثالثة، فتواجه روافع الحلّ السياسي عيوباً هيكليةً، تتمثّل في وجود العوامل الدائمة للاستعانة بقوات أجنبية. فبجانب تباطؤ أداء لجنة 5 + 5 في معالجة انقسام الجيش وإدماج المسلّحين، يظلّ انتشار السلاح والتنافس الدولي على المؤسّسة العسكرية الليبية عاملاً داعماً لاختلاف المصلحة تجاه الحلّ السياسي.

في هذا السياق، تقدّم معالجة تمرّد “المرتزقة السوريين”، في 5 أغسطس 2026، نموذجاً لتشوّه تعريف المؤسّسة العسكرية، إذ يضع دفع وزارة الدفاع (غرب ليبيا) للمستحقات المالية للمسلّحين الأجانب ضمن التزامات الموازنة العامّة والشمول المالي للدولة.

ولذلك، يواجه الحديث عن خروج القوات الأجنبية تحدّي قوّة العلاقة بين الطرف الليبي والدولة الأجنبية، فتبدو أقرب إلى علاقات نفوذ مرتبطة بتثبيت الشرعية وتعويض الهشاشة المؤسّسية، ليكون استبعاد روسيا أو الولايات المتحدة مستحيلاً من دون توافق سياسي، خصوصاً مع وصول الأطراف إلى حالة من الإعياء، يصعب معها بسط السيطرة على الإقليم والموارد من دون مساعدة خارجية.

وعلى الرغم ممّا يبدو اقتراباً من تكوين رافعة للحلّ السياسي، لم يحدث تغيّر جوهري في إطار التناول الدولي؛ فمن جهة، ظلّ الحراك الدبلوماسي متناثراً، وهيمن فيه النمط الثنائي على حساب الجماعي.

ومن جهة أخرى، تتضاءل توقّعات حدوث تغيّر جوهري في الصيغة النهائية للمبادرة الأميركية، فينحصر التناول الدولي في إجراءات لا تؤدّي إلى تحويل الصراع، بقدر ما تكون أقرب إلى إعادة هيكلة السلطة التنفيذية ومن دون ضمانات كافية للتوافق على مرحلة انتقالية. وبالتالي، تتوقّف النتائج النهائية على ما إذا كان لقادة ليبيا مشروع لاستعادة الدولة.

___________

مواد ذات علاقة