ابراهيم الأصيفر

لم تعد الأزمة الليبية في حاجة إلى المزيد من الاتفاقات بالمعنى التقليدي الذي عرفته البلاد خلال السنوات الماضية، لأن المشكلة لم تكن في يوم من الأيام أن الليبيين لم يجلسوا إلى طاولة الحوار أو أن الأطراف المتنافسة لم توقع على وثائق سياسية كافية، بل إن المشكلة الأعمق كانت دائماً في أن كل اتفاق جديد كان يحاول التعامل مع نتائج الأزمة أكثر مما يحاول معالجة أسبابها.

ولهذا تبدلت الحكومات وتعددت المبادرات وتغيرت خرائط التحالفات وبقيت ليبيا في المكان نفسه تقريباً، دولة تملك كل مقومات الدولة الحديثة لكنها لم تتمكن حتى الآن من الوصول إلى صيغة مستقرة تجعل مؤسساتها أقوى من مراكز النفوذ وتجعل القانون أعلى من موازين القوة وتجعل السلطة وسيلة لإدارة الدولة لا غاية في حد ذاتها

المشهد الليبي اليوم يحتاج إلى قراءة مختلفة تماماً عن تلك القراءة التي تختزل الأزمة في وجود حكومتين أو انقسام مجلسين أو خلاف حول الانتخابات أو الصراع على المناصب.

هذه كلها مظاهر لأزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي الذي نشأ بعد عام 2011 وبالقواعد غير المكتوبة التي أصبحت تحكم العلاقة بين السلطة والسلاح والمال والمؤسسات والمناطق والقوى المحلية والدولية.

ولذلك فإن معالجة الأزمة من خلال إعادة توزيع المناصب أو تشكيل حكومة جديدة أو إنشاء جسم سياسي جديد لن تكون كافية إذا بقيت القواعد التي أنتجت الأزمة قائمة.

لقد أصبح واضحاً أن ليبيا تعيش منذ سنوات في حالة انتقال سياسي دائم من دون أن تصل إلى الدولة التي يفترض أن يكون الانتقال مقدمة لها.

كل مرحلة انتقالية كانت تفتح الباب أمام مرحلة انتقالية أخرى وكل سلطة مؤقتة كانت تجد مبررات لبقائها وكل خلاف سياسي كان يتحول تدريجياً إلى خلاف على المؤسسات والموارد والنفوذ.

ومع مرور الوقت أصبح المؤقت دائم وأصبح الاستثناء قاعدة وأصبح المواطن الليبي يعيش في دولة لها مؤسسات رسمية متعددة ولكنها تفتقر إلى مركز سياسي واحد قادر على اتخاذ القرار وتنفيذه على كامل التراب الوطني

وهنا تحديداً تظهر الحاجة إلى تغيير قواعد اللعبة

المطلوب ليس اتفاقاً جديداً بين النخب نفسها بقدر ما هو إعادة تعريف للعبة السياسية برمتها. يجب أن يصبح واضحاً أن الدولة ليست طرفاً في الصراع السياسي وإنما هي الإطار الذي يجب أن يحتضن هذا الصراع ويضع له حدوداً وقواعد.

فالخلاف السياسي أمر طبيعي في أي دولة ويمكن أن يكون دليلاً على حيوية المجتمع عندما يجري داخل المؤسسات والقوانين لكنه يتحول إلى خطر وجودي عندما تصبح المؤسسات نفسها جزءاً من الصراع وعندما يصبح السلاح وسيلة للتفاوض وعندما يصبح المال العام أداة لبناء الولاءات وعندما تتحول الموارد الوطنية إلى أوراق تستخدمها الأطراف المتنافسة لتعزيز مواقعها

ليبيا تحتاج إلى إنهاء هذه المعادلة وليس إلى إعادة ترتيبها

إن جوهر المشكلة الليبية لا يكمن فقط في الأشخاص الموجودين في السلطة وإنما في النظام غير المستقر الذي يسمح للأشخاص بالبقاء في السلطة رغم انتهاء المبررات التي أوصلتهم إليها.

ولهذا فإن تغيير الأسماء لن يكون تغييراً حقيقياً إذا لم يتغير الإطار الذي يسمح بتكرار التجربة نفسها. قد يرحل مسؤول ويأتي آخر وقد تتغير الحكومة وتبقى الحكومة الجديدة أسيرة المنظومة ذاتها وقد تتغير التحالفات ولكن تبقى قواعد النفوذ كما هي وفي النهاية يعود المشهد إلى نقطة البداية

الدولة التي تحتاجها ليبيا ليست دولة يربح فيها طرف سياسي على حساب طرف آخر وإنما دولة لا يحتاج فيها أي طرف إلى امتلاك الدولة حتى يحمي مصالحه.

وهذه نقطة أساسية في فهم الأزمة الليبية لأن استمرار الانقسام يرتبط في جزء كبير منه بالخوف المتبادل بين القوى والمناطق من أن يؤدي توحيد السلطة إلى هيمنة طرف على بقية الأطراف. ولذلك فإن بناء الدولة لا يمكن أن يقوم على انتصار طرف على آخر وإنما على بناء مؤسسات تضمن للجميع أن الدولة لن تتحول إلى أداة للانتقام أو الإقصاء

وهذا هو الاختبار الحقيقي لأي مشروع سياسي قادم

  • هل يستطيع أن يقنع الليبيين بأن الدولة ستكون للجميع وليس لطرف واحد؟
  • هل يستطيع أن يضع قواعد واضحة لتداول السلطة بحيث لا يصبح الخروج من المنصب تهديداً وجودياً لمن يغادره؟
  • هل يستطيع أن يضمن عدالة توزيع الموارد من دون تحويلها إلى محاصصة جغرافية أو سياسية؟
  • هل يستطيع أن يضع المؤسسات العسكرية والأمنية تحت سلطة الدولة بعيداً عن التجاذبات السياسية؟
  • هل يستطيع أن يحول النفط من أداة للصراع إلى أساس للاستقرار والتنمية؟

هذه هي الأسئلة التي ينبغي أن تكون في قلب النقاش الليبي والدولي حول مستقبل البلاد.

فالنفط الليبي ليس مجرد مصدر للدخل وإنما يمثل أحد أهم عناصر القوة الاستراتيجية للدولة الليبية ومصلحة أساسية للاقتصاد الوطني وللاستقرار الإقليمي ولأسواق الطاقة في المتوسط وأوروبا. وكلما بقي النفط مرتبطاً بالصراع السياسي بقي الاقتصاد الليبي عرضة للاهتزاز وأصبحت المؤسسات الاقتصادية جزءاً من معادلة النفوذ.

ولذلك فإن حماية إنتاج النفط واستقرار تصديره وضمان إدارة عائداته بشفافية وعدالة يجب أن تكون جزءاً من أي تصور جدي لإعادة بناء الدولة وليس ملفاً منفصلاً عن السياسة والأمن

ولا يمكن فصل الاقتصاد عن السياسة في ليبيا لأن الاقتصاد نفسه أصبح خلال السنوات الماضية إحدى أدوات إدارة الصراع. تضخم مؤسسات الدولة وتعدد مراكز القرار وتداخل السياسي بالأمني والاقتصادي كلها عوامل جعلت المواطن يشعر بأن الدولة موجودة في الأوراق أكثر مما هي موجودة في حياته اليومية.

وفي الوقت الذي تمتلك فيه ليبيا موارد طبيعية كبيرة وموقعاً جغرافياً بالغ الأهمية وثروة بشرية قادرة على إعادة بناء البلاد ما زالت قطاعات واسعة من المجتمع تعاني من ضعف الخدمات وتراجع الثقة بالمؤسسات وانسداد الأفق السياسي

وهذا التناقض هو أحد أكثر الأمور إثارة للقلق في الحالة الليبية

بلد غني يعيش أزمة دولة. بلد يملك موقعاً استراتيجياً مهماً لكنه يعاني من ضعف القرار الوطني. بلد يمتلك ثروة نفطية كبيرة لكنه لم يتمكن من تحويلها إلى مشروع تنمية مستدام. بلد يملك مؤسسات رسمية متعددة لكنه لم يصل إلى مؤسسة دولة واحدة قادرة على احتكار القرار السيادي

ولهذا فإن استمرار الحديث عن الحل السياسي من دون الحديث عن إعادة بناء الدولة سيبقي الأزمة تدور في حلقة مفرغة

أما الانتخابات فهي بلا شك جزء أساسي من أي حل مستدام ولا يمكن بناء شرعية سياسية دائمة من دون العودة إلى الإرادة الشعبية. لكن الانتخابات يجب ألا تتحول إلى كلمة سحرية نستخدمها لتجاوز المشكلات الأخرى.

الانتخابات الناجحة تحتاج إلى قواعد واضحة ومؤسسات موحدة وضمانات أمنية وقبول بنتائجها وآليات دستورية تحدد صلاحيات السلطات المختلفة. أما إجراء انتخابات في بيئة سياسية وأمنية منقسمة من دون معالجة جذور الصراع فقد يؤدي إلى إنتاج أزمة جديدة بدلاً من إنهاء الأزمة الحالية

الهدف ليس الوصول إلى الانتخابات بأي ثمن وإنما الوصول إلى انتخابات تستطيع أن تكون بداية لاستقرار سياسي حقيقي

وهنا أيضاً يجب أن تتغير قواعد اللعبة. يجب أن يصبح الخلاف على نتائج الانتخابات خلافاً سياسياً ومؤسسياً لا سبباً للعودة إلى السلاح. ويجب أن يكون انتقال السلطة نتيجة لصندوق الاقتراع والقانون وليس نتيجة لموازين القوة. ويجب أن يكون منصب المسؤول العام مؤقتاً بطبيعته لا امتيازاً دائماً. ويجب أن تكون مؤسسات الدولة قادرة على العمل بغض النظر عن الشخص الموجود في رأس السلطة

هذه هي الدولة التي تحتاجها ليبيا

وفي الجانب الأمني فإن أي محاولة لتجاهل ملف السلاح أو تأجيله إلى أجل غير معلوم ستبقي التسوية السياسية هشّة وقابلة للانهيار عند أول أزمة.

لا يمكن بناء دولة حديثة بوجود مراكز متعددة للقرار الأمني والعسكري ولا يمكن أن تستقر الحياة السياسية إذا كان ميزان القوة خارج المؤسسات قادراً في أي لحظة على التأثير في نتائج السياسة.

المطلوب ليس معالجة الملف الأمني بمنطق الإقصاء أو الغلبة وإنما من خلال مشروع وطني تدريجي لإعادة تنظيم المؤسسات وتوحيدها وإخضاعها للسلطة المدنية والقانونية بما يحفظ أمن الليبيين ويمنع استخدام القوة في التنافس السياسي

وهذا يتطلب شجاعة سياسية لا تقل عن الشجاعة المطلوبة للوصول إلى اتفاق سياسي

كما أن المجتمع الدولي أمام اختبار حقيقي في ليبيا. فقد أثبتت السنوات الماضية أن كثرة المبادرات الدولية لا تعني بالضرورة نجاحها وأن إدارة الأزمة من الخارج يمكن أن تؤدي في بعض الأحيان إلى إطالة عمرها عندما تصبح الأطراف المحلية أكثر اهتماماً بالحصول على دعم دولي لمواقعها من اهتمامها بالتوصل إلى تسوية وطنية.

ولذلك فإن الدور الدولي الأكثر فاعلية يجب ألا يكون في صناعة طبقة سياسية جديدة أو إدارة تفاصيل توزيع السلطة وإنما في مساعدة الليبيين على بناء قواعد مستقرة للدولة ودعم المؤسسات الموحدة ومساندة أي مسار وطني جاد يحظى بقبول الليبيين.

المطلوب من المجتمع الدولي ليس أن يختار لليبيين من يحكمهم وإنما أن يساعدهم على بناء نظام لا يستطيع فيه أي طرف أن يفرض نفسه على الآخرين بالقوة أو بالمال أو بالدعم الخارجي

وهذا يقودنا إلى نقطة أكثر حساسية تتعلق بالسيادة الوطنية

لقد أصبحت ليبيا خلال السنوات الماضية ساحة تتقاطع فيها مصالح دولية وإقليمية متعددة بسبب موقعها الجغرافي وثروتها النفطية وقربها من أوروبا وارتباطها بملفات الهجرة والأمن والطاقة. وهذا أمر لا يمكن تجاهله ولا يمكن التعامل معه بالشعارات فقط.

الدول تتحرك وفق مصالحها وليبيا أيضاً يجب أن تتحرك وفق مصالحها. والمطلوب ليس الدخول في مواجهة مع المجتمع الدولي أو مع القوى الإقليمية وإنما بناء سياسة خارجية ليبية قادرة على إدارة هذه المصالح بطريقة متوازنة بحيث تتحول أهمية ليبيا الجغرافية والاقتصادية إلى مصدر قوة للدولة لا إلى سبب إضافي لانقسامها

فالسيادة لا تعني العزلة عن العالم وإنما تعني أن تكون للدولة القدرة على تحديد مصالحها والتفاوض عليها وحماية قرارها الوطني

ومن هنا فإن تغيير قواعد اللعبة في ليبيا لا يعني فقط تغيير شكل السلطة وإنما تغيير الثقافة السياسية التي حكمت البلاد خلال السنوات الماضية. نحتاج إلى الانتقال من منطق الغالب والمغلوب إلى منطق الدولة والمؤسسات ومن منطق الحصص إلى منطق المواطنة ومن منطق المحاصصة إلى منطق الكفاءة ومن منطق حماية النفوذ إلى منطق حماية الدولة.

وهذا التحول لن يكون سهلاً لأن هناك مصالح تشكلت على امتداد سنوات من الانقسام وهناك قوى اعتادت أن تعمل داخل هذا الواقع وتستفيد منه وهناك أشخاص ارتبط نفوذهم ببقاء المؤسسات ضعيفة ومتعددة. ولذلك فإن أي مشروع جاد لتغيير قواعد اللعبة سيواجه مقاومة من أولئك الذين يرون في الدولة الموحدة تهديداً لمواقعهم ومصالحهم.

لكن السؤال الذي يجب أن يطرح على الجميع: إلى متى يمكن أن يستمر هذا الوضع؟ إلى متى يمكن أن تبقى ليبيا في مرحلة انتقالية مفتوحة؟ إلى متى يمكن أن يستمر الإنفاق العام في خدمة منظومة سياسية متضخمة بدلاً من أن يتحول إلى استثمار حقيقي في الإنسان والبنية التحتية والتعليم والصحة والتنمية؟ إلى متى يبقى المواطن مطالباً بالصبر بينما تتكرر أمامه الأزمات نفسها وتتغير فقط أسماء المسؤولين؟

لقد حان الوقت لأن يصبح النقاش الليبي أكبر من صراع النخب على السلطة. المطلوب هو مشروع دولة

مشروع يعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات ويعيد تعريف مفهوم الشرعية ويضع قواعد واضحة لتداول السلطة ويحمي الثروة الوطنية ويوحد المؤسسات ويضمن التوزيع العادل للموارد ويؤسس لجيش وأجهزة أمن تعمل تحت سلطة الدولة ويحافظ على استقلال المؤسسات السيادية ويضع البلاد على طريق التنمية والاستقرار

قد تختلف القوى الليبية حول شكل النظام السياسي أو توقيت الانتخابات أو طبيعة الحكومة القادمة وهذا أمر يمكن التفاوض حوله لكن لا ينبغي أن يكون هناك خلاف حول المبادئ الكبرى التي يجب أن تقوم عليها الدولة.

دولة واحدة. مؤسسات واحدة. قرار سيادي واحد. جيش وأجهزة أمن تحت سلطة الدولة. ثروة وطنية لكل الليبيين. انتقال سلمي للسلطة. انتخابات ذات قواعد واضحة. وقانون فوق الجميع

هذه ليست مطالب سياسية لطرف دون آخر وإنما هي شروط أساسية لأي دولة تريد أن تخرج من مرحلة الانقسام

ومن الخطأ الاعتقاد أن تغيير قواعد اللعبة يعني إقصاء أي طرف من المشهد الوطني. على العكس فإن نجاح أي مشروع سياسي في ليبيا يتطلب استيعاب الجميع ضمن دولة القانون مع رفض استخدام السلاح أو المال العام أو النفوذ المؤسسي لفرض الإرادة السياسية.

الفرق كبير بين الإقصاء وبين إخضاع الجميع لقواعد واحدة. الدولة لا تستبعد مواطنيها لكنها تمنع أي شخص من تحويل موقعه أو سلاحه أو نفوذه إلى حق دائم في التحكم بمصير البلاد

وهنا ربما تكمن الفرصة الحقيقية أمام ليبيا: أن تتحول الأزمة من عبء دائم إلى لحظة مراجعة وطنية شاملة وأن يدرك الفاعلون السياسيون أن استمرار الوضع الحالي لن يمنح أحداً انتصاراً حقيقياً. قد يمنح بعض الأطراف وقتاً إضافياً أو نفوذاً مؤقتاً لكنه في النهاية يستهلك الدولة ويضعف الاقتصاد ويزيد التوتر الاجتماعي ويجعل المستقبل أكثر تعقيداً

ليبيا لا تحتاج إلى اتفاق جديد يعيد إنتاج المعادلة القديمة ولا إلى تسوية تقوم على تبادل المواقع بين النخب ولا إلى مرحلة انتقالية أخرى بلا نهاية

ليبيا تحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة. تحتاج إلى اتفاق على الدولة قبل الاتفاق على الحكومة. وتحتاج إلى بناء المؤسسات قبل توزيع المناصب. وتحتاج إلى توحيد القرار قبل البحث عن شرعية جديدة. وتحتاج إلى حماية النفط والمال العام قبل استخدامهما في الصراع.

وتحتاج إلى وضع السلاح تحت سلطة الدولة قبل أن تصبح الانتخابات قادرة على إنتاج استقرار حقيقي. وتحتاج قبل كل ذلك إلى إرادة سياسية تدرك أن ليبيا لن تنقذها صفقة بين المتنافسين على السلطة وإنما ينقذها مشروع وطني يجعل الدولة هي الرابح الوحيد

ربما تكون هذه هي اللحظة التي يجب فيها أن يتغير السؤال من من سيحكم ليبيا إلى كيف ستُحكم ليبيا ومن سيملك هذا المنصب إلى ما هي حدود هذا المنصب ومن يملك القوة إلى كيف تصبح القوة خاضعة للقانون ومن يسيطر على الموارد إلى كيف تصبح الموارد ملكاً لكل الليبيين.

عندما تتغير هذه الأسئلة تتغير معها طبيعة الحل. وعندما تتغير قواعد اللعبة لن يكون مهماً فقط من يصل إلى السلطة لأن الدولة نفسها ستكون أقوى من الأشخاص وأبقى من الحكومات وأوسع من الأحزاب والمناطق والتيارات.

هذه هي المعركة الحقيقية التي تقف أمام ليبيا اليوم: ليست معركة بين شرق وغرب ولا بين مدينة وأخرى ولا بين تيار سياسي وآخر وإنما معركة بين من يريد استمرار دولة الأمر الواقع وبين من يريد بناء دولة المؤسسات.

إن ليبيا وصلت إلى مرحلة لم يعد فيها تدوير الأزمة خياراً آمناً كما كان في السابق لأن كلفة التأجيل أصبحت أكبر من كلفة التغيير. وكل يوم يمر من دون معالجة جذور الانقسام يضيف طبقة جديدة من المصالح والتعقيدات ويجعل مهمة بناء الدولة أكثر صعوبة

لذلك فإن أي مبادرة سياسية قادمة يجب أن تقاس بقدرتها على تغيير قواعد اللعبة وليس بعدد الأطراف التي توقع عليها أو بعدد المناصب التي يجري توزيعها فيها

فالاتفاق الحقيقي ليس هو الذي يجعل المتصارعين يتقاسمون السلطة وإنما الذي يجعل الدولة قادرة على إنهاء أسباب الصراع.

والتسوية الحقيقية ليست التي تمنح الجميع موقعاً وإنما التي تمنح الجميع ضمانة بأن الدولة ستكون للجميع. أما ليبيا التي نريدها فهي ليبيا التي لا يحتاج فيها الليبي إلى قبيلة أو مدينة أو جماعة أو جهة سياسية حتى يشعر بالأمان والحقوق. ليبيا التي يكون فيها القانون هو الضمانة والمؤسسة هي المرجعية والمواطنة هي أساس العلاقة بين الإنسان والدولة.

وعندما نصل إلى هذه النقطة يمكن أن نقول إن ليبيا بدأت فعلاً في الخروج من أزمتها. أما قبل ذلك فإن تغيير الحكومات والمجالس والوجوه سيبقى مجرد تغيير في المشهد بينما تبقى اللعبة نفسها مستمرة.

ليبيا لا تحتاج إلى اتفاق جديد فقط. ليبيا تحتاج إلى تغيير قواعد اللعبة. وتحتاج إلى أن تكون الدولة هذه المرة هي الطرف الذي لا يستطيع أحد تجاوزه

__________

مواد ذات علاقة