مصطفى بودومي
الوجود العسكري الأجنبي ومعضلة السيادة
شكّل الوجود العسكري الأجنبي أحد أهم عناصر استمرار الانقسام، فقد ارتبطت الحرب الليبية بتدخّلات مباشرة وغير مباشرة من تركيا وروسيا والإمارات ومصر، إلى جانب وجود مقاتلين ومرتزقة أجانب.
ولا تكمن المشكلة في وجود القوات الأجنبية وحده، بل في اعتماد قوى ليبية على الدعم الخارجي، الأمر الذي يمنحها قدرة على مقاومة التسويات.
ولهذا؛ ركّزت المسارات الأممية والأفريقية على توحيد المؤسسة العسكرية، وقد رحب الاتحاد الأفريقي بالتمرين العسكري المشترك الذي جمع قوات من الشرق والغرب في سرت في مارس/ آذار 2026، ودعا إلى مواصلة عمل اللجنة العسكرية المشتركة 5+5 وتوحيد المؤسسات الدفاعية والأمنية تحت سلطة مدنية شرعية.
ومن ثم، لا يمكن أن يكون إخراج القوات الأجنبية خطوة منفصلة عن بناء مؤسّسة أمنية ليبية، فالانسحاب الخارجي من دون بديل مؤسّسي قد يخلق فراغاً تعود المجموعات المسلحة إلى ملئه.
تحتل دول الجوار موقعاً مركزياً في معادلة الأمن الليبي:
الجزائر: تركّز على الحل السياسي الليبي–الليبي، ووحدة الأراضي الليبية، ورفض التدخلات الخارجية، مع اهتمام خاص بأمن الحدود الجنوبية.
تونس: تتأثّر مباشرة بالأوضاع في غرب ليبيا من خلال التجارة وحركة الأشخاص والهجرة، ولذلك ترتبط مصلحتها الأساسية بعودة الاستقرار إلى المنطقة الغربية.
مصر: تتعامل مع ليبيا بوصفها قضية أمن قومي، بسبب الحدود المُشتركة وعلاقتها الوثيقة بالشرق الليبي، لكنها تشارك في الوقت نفسه في المسارات السياسية الداعمة لتوحيد المؤسسات.
وقد أشاد الاتحاد الأفريقي في يونيو/ حزيران 2026 بمساهمات الجزائر وتونس ومصر في دعم جهود الاستقرار والانتقال السياسي الليبي.
أما تشاد والنيجر، فتكتسبان أهمية من خلال الجنوب الليبي، فالحدود مع البلدين تمثّل جزءاً من المجال الأمني الصحراوي الذي تتحرّك فيه شبكات التهريب والجماعات المسلحة والهجرة غير النظامية.
وتزداد أهمية النيجر بعد التحوّلات التي عرفها الساحل وتراجع أنماط التعاون الأمني السابقة، فكلما ضعفت السيطرة الليبية على الجنوب، أصبحت الحدود مع النيجر وتشاد أكثر عرضة لتحوّلها إلى ممرات للتهريب والجريمة المنظمة، بما يربط أمن ليبيا مباشرة بأمن الساحل الأفريقي.
السودان: تنظر الحكومة السودانية أو الجيش السوداني إلى استمرار الأزمة الليبية باعتبارها تهديداً مباشراً للأمن القومي (382 كيلومتراً طول الحدود السودانية الليبية)، إذ تحوّلت مناطق الجنوب والشرق الليبي إلى امتداد لوجستي للحرب الأهلية السودانية وشبكات السلاح والمقاتلين عبر الحدود.
وتستفيد قوات الدعم السريع من هشاشة الدولة الليبية وتعدّد مراكز القوة عبر استخدام مسارات برية وجوية مرتبطة بليبيا لإسناد عملياتها في دارفور وغرب السودان، وقد وثّقت تقارير أممية وتحقيقات حديثة مرور أسلحة ومقاتلين أجانب عبر هذه الشبكات.
كما تتهم الخرطوم قوات خليفة حفتر بتوفير غطاء وتسهيلات للدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها قيادة حفتر، ما يجعل استمرار الانقسام الليبي عاملاً محورياً لقدرة الدعم السريع على الحفاظ على خطوط إمداد خارجية.
تنظر الحكومة السودانية أو الجيش السوداني إلى استمرار الأزمة الليبية باعتبارها تهديداً مباشراً للأمن القومي
وترى الخرطوم أنّ استقرار ليبيا وتوحيد مؤسساتها، خصوصاً الأمنية والعسكرية، بات مرتبطاً بمسار الحرب داخل السودان وبقدرتها على قطع العمق الإقليمي للدعم السريع.
المبادرة الأميركية وأسباب طرحها
تمثّل المبادرة الأميركية أبرز المُتغيّرات السياسية في 2026، وأهميتها في أنّها لا تركّز على تغيير الحكومة فحسب، وإنما على توحيد السلطة التنفيذية والمؤسّسات الاقتصادية والأمنية.
وأوضح مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، أنّ المبادرة الأميركية قصيرة الأجل ومكمّلة لخريطة الأمم المتحدة، وأنّ الهدف هو دعم توحيد ليبيا وتهيئة الظروف للانتخابات، كما ربط التقدّم المُحرز بالميزانية الموحّدة وبالتدريبات العسكرية المشتركة التي شاركت فيها قوات من مختلف مناطق البلاد بقيادة القيادة الأميركية في أفريقيا.
الأطراف التي يُفترض أن تنفذ التوحيد هي نفسها الأطراف التي استفادت من الانقسام
وتعكس هذه المقاربة انتقالاً نسبياً من إدارة الأزمة إلى محاولة إعادة تشكيل شروط التسوية، فالولايات المتحدة ترى أنّ توحيد المؤسسات الاقتصادية والأمنية يمكن أن ينتج أرضية سياسية تسمح بإجراء الانتخابات.
لكن المبادرة تواجه تحدياً جوهرياً: فالأطراف التي يُفترض أن تنفذ التوحيد نفسها الأطراف التي استفادت من الانقسام، ولذلك فإنّ نجاح المبادرة يتوقّف على قدرتها على توفير حوافز تجعل التوحيد أكثر فائدة للنخب من استمرار الوضع القائم.
الاتحاد الأفريقي والمتوسّط والساحل الأفريقي
لم يعد الملف الليبي شأناً متوسطيّاً فحسب، فالاتحاد الأفريقي أكّد في اجتماع مجلس السلم والأمن في 9 يونيو/ حزيران 2026 أنّ الحل يجب أن يكون ليبياً وشاملاً، ودعا إلى الانتخابات والمصالحة وتوحيد المؤسسات، كما رفض التدخل الخارجي وطالب بانسحاب القوات الأجنبية والمرتزقة.
وتكتسب المقاربة الأفريقية أهمية؛ لأنّها تربط الأزمة الليبية بالمصالحة الوطنية وبأمن القارة، وليس فقط بالمصالح الأوروبية، كما دعا الاتحاد الأفريقي إلى تعزيز مراقبة الحدود ومواجهة تهريب السلاح والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب هو تسوية تدريجية تقلّص الانقسام قبل إنهائه، شرط أن تترافق مع توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية والتهيئة لانتخابات وطنية
أما المتوسّط، فيمثل المجال الذي تتقاطع فيه ليبيا مع أوروبا، فالموقع الجغرافي والهجرة والطاقة يجعل استقرار الساحل الليبي جزءاً من الأمن الأوروبي.
وفي الجنوب، تتحوّل ليبيا إلى حلقة بين المغرب العربي والساحل الأفريقي، ولذلك فإنّ بناء الدولة في فزان لا يمثل قضية محلية، وإنّما شرطاً لتقليص نشاط شبكات التهريب والجماعات المسلحة العابرة للحدود.
الهجرة وأمن الطاقة
تعدّ الهجرة والطاقة من أكثر الملفات التي تجعل الأزمة الليبية ذات تأثير دولي مباشر، فليبيا تمثل نقطة عبور أساسية للمهاجرين نحو أوروبا عبر وسط المتوسط. ولذلك ارتبط التعاون الأوروبي معها بإدارة الحدود ومكافحة شبكات التهريب وإنقاذ المهاجرين في البحر.
وحسب أحدث بيانات المنظمة الدولية للهجرة، بلغ عدد المهاجرين الموجودين داخل ليبيا نحو 936 ألف مهاجر حتى نهاية عام 2025، وهو أعلى رقم ترصده المنظمة منذ بدء عمليات الرصد المنتظمة في البلاد.
لكن إدارة الهجرة من خلال الأجهزة الأمنية وحدها لا تعالج جذور المشكلة، فطالما بقيت الحدود والمؤسسات الأمنية منقسمة، تستطيع شبكات التهريب إعادة بناء نفسها.
أما الطاقة، فتمنح ليبيا أهمية أكبر، فالنفط والغاز لا يمثّلان مصدراً للإيرادات فحسب، بل جزءاً من الأمن الأوروبي، وقد أظهرت هجمات الزاوية في أغسطس/آب 2026 أنّ البنية التحتية للطاقة يمكن أن تصبح هدفاً مباشراً للصراع الداخلي.
ومن ثم، فإنّ أمن الطاقة والهجرة مرتبطان ببناء الدولة، وكلّما توحّدت المؤسّسات الأمنية والاقتصادية، تراجعت قدرة الجماعات المسلحة على تحويل الموارد والهجرة إلى أدوات تفاوض.
لماذا تفشل التسويات السياسية في ليبيا؟
يمكن تفسير فشل التسويات السابقة بأربعة عوامل مترابطة:
أولاً، غياب قاعدة دستورية وسياسية مُتفق عليها تحدّد كيفية الوصول إلى انتخابات شرعية وتوزيع السلطة بعدها.
ثانياً، الاقتصاد السياسي للانقسام، إذ تستفيد شبكات سياسية ومسلّحة من استمرار الإنفاق العام وتعدّد المؤسسات والسيطرة على الموارد.
ثالثاً، غياب المؤسّسة الأمنية الموحّدة، فالاتفاق السياسي يصبح هشاً عندما لا توجد قوة وطنية واحدة قادرة على ضمان تنفيذه.
رابعاً، تعدّد الرعاة الخارجيين، فقد استطاعت القوى الليبية استخدام التنافس بين تركيا ومصر والإمارات وروسيا وقطر وغيرها لتعزيز مواقعها التفاوضية.
ولهذا؛ لم تكن المشكلة دائماً نقصاً في المبادرات، فقد توالت اتفاقات الصخيرات 2015 وبرلين 2020 و2021 والحوارات الأممية والمبادرات الإقليمية، لكن معظمها ركّز على تقاسم السلطة قبل معالجة البنية التي تنتج الصراع.
وتؤكد توصيات الاتحاد الأفريقي في يونيو/ حزيران 2026 هذا التشخيص عندما ربطت بين المصالحة وبناء المؤسسات والحوكمة والاقتصاد وتنمية الشباب ومكافحة الفساد والجريمة المنظمة.
السيناريوهات المستقبلية للدولة الليبية 2026–2030
السيناريو الأول: التسوية التدريجية وبناء الدولة
يقوم على تنفيذ الميزانية الموحّدة، وتوحيد المؤسّسات الاقتصادية، وإحراز تقدم في المسار الأمني، ثم الانتقال إلى انتخابات وطنية. ويمثل هذا السيناريو الخيار الأكثر إيجابية، وقد ازدادت فرصه مع الميزانية الموحّدة والحوار الأممي والتحرك الأميركي والتقارب التركي مع الشرق.
السيناريو الثاني: إدارة الانقسام.
قد تنجح الأطراف في منع الحرب من دون إنهاء الانقسام. وفي هذه الحالة تستمر المؤسّسات الموازية، لكن مع تفاهمات محدودة حول النفط والميزانية. وهذا السيناريو يبدو قابلاً للتحقّق إذا فشل التوافق السياسي في مواكبة التقدم الاقتصادي.
تكشف الأزمة الليبية أنّ جوهر المشكلة لا يتمثّل في غياب المبادرات، وإنما في صعوبة تحويل التفاهمات إلى مؤسّسات دولة موحدة
السيناريو الثالث: عودة الصراع منخفض الشدّة
يمكن أن يؤدّي الصراع على المؤسّسات المالية أو النفط أو الترتيبات الأمنية إلى مواجهات محدودة وهجمات على المنشآت الحيوية، من دون العودة بالضرورة إلى حرب شاملة، وتقدّم أحداث الزاوية في أغسطس/ آب 2026 مثالاً على استمرار هشاشة الوضع الأمني.
السيناريو الرابع: صفقة دولية إقليمية لإدارة الانتقال.
يقوم على تفاهم بين الولايات المتحدة وتركيا ومصر والدول الأوروبية ودول الخليج العربي، بدعم الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي، حول ترتيبات انتقالية تضمن توحيد المؤسّسات وتوفير شروط الانتخابات.
وقد يصبح هذا السيناريو أكثر احتمالاً إذا اتفقت القوى الخارجية على أنّ استمرار الانقسام أصبح أكثر تكلفة من التوصل إلى تسوية.
خاتمة
تكشف الأزمة الليبية أنّ جوهر المشكلة لا يتمثّل في غياب المبادرات، وإنما في صعوبة تحويل التفاهمات إلى مؤسّسات دولة موحدة، فقد تحوّل انقسام الشرق والغرب إلى بنية سياسية وأمنية واقتصادية، وأصبح النفط والميزانية والمصرف المركزي والمؤسّسة العسكرية عناصر في الصراع على الشرعية.
ومع ذلك، تُقدّم تطورات 2026 فرصة مختلفة نسبياً: ميزانية موحدة، وحوار أممي انتهى بأكثر من 525 توصية، وتحرّك أميركي أكثر وضوحاً، وانفتاح تركي مُتزايد على الشرق، إلى جانب دعم مصري وجزائري وتونسي، ومشاركة خليجية وأوروبية وأفريقية في مسار توحيد الدولة.
لكن هذه الفرصة تظل محدودة ما لم تتحوّل التفاهمات الاقتصادية إلى توحيد سياسي وأمني فعلي، فاستمرار الانقسام سيبقي ليبيا ساحة للتنافس الخارجي، وسيجعل النفط والهجرة والحدود أدوات للصراع بدلاً من أن تكون أدوات لبناء الدولة.
وعليه؛ السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب تسوية تدريجية تقلّص الانقسام قبل إنهائه، شرط أن تترافق مع توحيد المؤسسات الأمنية والاقتصادية والتهيئة لانتخابات وطنية.
فالتحدّي الحقيقي ليس تشكيل حكومة جديدة، وإنما بناء دولة واحدة تمتلك مؤسّسات سياسية ومالية وعسكرية موحدة وقادرة على إدارة ثرواتها وحدودها وعلاقاتها الخارجية.
***
مصطفى بودومي ـ صحفي وباحث جزائري في العلاقات الدولي
______________
