صلاح الهوني

اختيار سرت لم يكن تفصيلًا تنظيميًا، بل رسالة سياسية بأن عوامل التفرقة يمكن أن تصبح جسرا يعيد وصل ما انقطع بين الليبيين.

الاجتماع العسكري الذي احتضنته مدينة سرت، الأحد 12 تموز/يوليو، بين قيادات عسكرية من شرق ليبيا وغربها يكتسب أهمية تتجاوز تفاصيل جدول أعماله.

فحتى لو لم يُعلن عن قرارات استثنائية أو اختراقات كبرى، فإن الرسالة التي حملها كانت أكثر عمقًا من أي بيان ختامي: قنوات الحوار ما زالت مفتوحة، وفكرة المؤسسة العسكرية الموحدة لم تغادر الوعي الوطني.

ليست سرت مدينة عادية. فهي تتوسط البلاد كما تتوسط، رمزيًا، الحكاية الليبية نفسها. عرفت الحرب كما عرفت السلام، وتحولت في مراحل مختلفة إلى عنوان للصراع، لكنها تحاول اليوم أن تستعيد دورًا مختلفًا؛ أن تكون مساحة يلتقي فيها الليبيون بدل أن يتواجهوا.

ولهذا لم يكن اختيارها لاستضافة الاجتماع تفصيلًا تنظيميًا، بل رسالة سياسية تقول إن العوامل التي فرقت الليبيين في سنوات مضت يمكن أن تصبح اليوم الجسر الذي يعيد وصل ما انقطع.

فالمدن، مثل البشر، تحمل ذاكرة. وبعض المدن تستطيع أن تتحول من رموز للانقسام إلى منصات للمصالحة عندما تتغير الإرادة السياسية. وسرت تبدو اليوم مرشحة للعب هذا الدور، لأنها تقع في نقطة وسطية لا جغرافيًا فقط، بل نفسيًا أيضًا، بين شرق يسعى إلى تثبيت الاستقرار الذي حققه، وغرب يبحث عن مؤسسات قادرة على تجاوز الانقسام، وبين شعب تعب من الانتظار ويريد أن يرى دولته تستعيد وحدتها تدريجيًا.

قد يرى البعض أن الاجتماع لا يستحق كل هذا الاهتمام لأنه لم يخرج بقرارات دراماتيكية أو بخريطة طريق جديدة، لكن هذا التقييم يتجاهل طبيعة النزاعات الممتدة.

فالدول الخارجة من الانقسامات العميقة لا تُبنى بالخطوات الكبيرة وحدها، بل بسلسلة طويلة من الخطوات الصغيرة التي تعيد بناء الثقة المفقودة. وما يبدو اليوم مجرد لقاء قد يصبح غدًا حلقة أساسية في مسار أطول يعيد تشكيل المؤسسة العسكرية على أسس وطنية.

وهنا تكمن أهمية النظر إلى اجتماع سرت باعتباره جزءًا من عملية تراكمية بدأت منذ تشكيل اللجنة العسكرية المشتركة (5+5) عقب اتفاق وقف إطلاق النار في جنيف عام 2020.

فمنذ ذلك الحين، لم يكن الهدف تحقيق وحدة كاملة بين ليلة وضحاها، بل ترسيخ ثقافة جديدة قوامها الحوار والتنسيق بدل الاحتكام إلى السلاح. وعلى الرغم من العقبات السياسية والأمنية التي واجهت هذا المسار، فإن اللجنة نجحت في الحفاظ على واحدة من أهم مكتسباتها: استمرار التواصل بين القيادات العسكرية، حتى في أصعب الظروف.

لقد أثبتت التجربة الليبية أن الانقسامات السياسية يمكن أن تتسع أو تضيق، لكن وجود قنوات اتصال مهنية بين العسكريين يقلل من احتمالات الانزلاق إلى مواجهات واسعة، ويمنح الدولة فرصة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار.

ولهذا فإن كل اجتماع جديد ليس مجرد مناسبة بروتوكولية، بل تأكيد على أن لغة التنسيق ما زالت ممكنة، وأن البديل عن الحوار لم يعد مقبولًا كما كان في السابق.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن الدور الذي تؤديه بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، التي واصلت خلال السنوات الماضية رعاية اجتماعات اللجنة العسكرية وتشجيع خطوات بناء الثقة بين الأطراف.

فالمجتمع الدولي يدرك أن أي تسوية سياسية ستظل هشة إذا بقيت المؤسسة العسكرية منقسمة، وأن الانتخابات، مهما كانت نزيهة، لن تحقق الاستقرار المنشود إذا لم تستند إلى مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة تحمي نتائجها وتحافظ على هيبة الدولة.

وفي السياق نفسه، يأتي اهتمام شركاء دوليين، ومنهم القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، بدعم جهود التنسيق العسكري الليبي. فهذه الأطراف تنطلق من قناعة باتت راسخة لدى كثير من الفاعلين الدوليين: استقرار ليبيا لا يبدأ من صناديق الاقتراع وحدها، بل من بناء مؤسسة عسكرية مهنية تعمل تحت سلطة الدولة، وتحظى بثقة جميع الليبيين، وتبتعد عن الاستقطابات السياسية.

غير أن القيمة الحقيقية لهذا الدعم تكمن في أنه يواكب مسارًا ليبيًا، ولا يمكن أن يحل محله. فالوحدة العسكرية لا تُفرض من الخارج، بل تُبنى بإرادة وطنية تدرك أن الجيش ليس ملكًا لمدينة أو إقليم أو تيار سياسي، وإنما هو مؤسسة جامعة يفترض أن تعكس وحدة البلاد نفسها. وكلما تعزز هذا الإدراك، أصبحت فرص النجاح أكبر، لأن المشروع سيتحول من تسوية ظرفية إلى قناعة وطنية راسخة.

ومن هنا، فإن الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية لا ينبغي أن يُختزل في إعادة هيكلة القيادات أو دمج الوحدات فحسب. إنه مشروع لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، وبين المواطن ومؤسساته.

فالجيش الموحد ليس هدفًا في ذاته، بل هو الضمانة التي تسمح بعودة المؤسسات المدنية إلى أداء أدوارها الطبيعية، وتمنح الاقتصاد بيئة أكثر استقرارًا، وتشجع الاستثمار، وتعيد للمواطن الشعور بأن القانون يحظى بحماية مؤسسة وطنية واحدة لا مؤسسات متنافسة.

كما أن نجاح هذا المسار ستكون له انعكاسات مباشرة على الاستحقاقات السياسية المقبلة. فالانتخابات التي ينتظرها الليبيون منذ سنوات تحتاج إلى بيئة آمنة ومستقرة، وإلى مؤسسات قادرة على تأمين العملية الانتخابية وحماية نتائجها بعيدًا عن أي ضغوط أو انقسامات. ولهذا فإن الحوار العسكري لا يسير في مسار موازٍ للحوار السياسي، بل يهيئ له الأرضية التي يحتاجها كي ينجح.

ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل أن الخطاب السائد حول هذه الاجتماعات تغير تدريجيًا. ففي السابق، كان مجرد لقاء قيادات من الشرق والغرب حدثًا استثنائيًا. أما اليوم، فقد أصبح استمرار الاجتماعات هو القاعدة، وهو تحول مهم في حد ذاته. فالاعتياد على الحوار يصنع ثقافة جديدة، والثقافة هي التي تمنح الاتفاقات فرصة للاستمرار، حتى عندما تواجه ضغوطًا أو انتكاسات.

صحيح أن الطريق ما زال طويلًا، وأن الملفات العالقة أكثر من أن تُحل في اجتماع واحد، لكن التاريخ يعلمنا أن بناء الدول لا يتم بالقفز فوق المراحل، بل بالصبر على تراكم الإنجازات الصغيرة. وكل خطوة تمنع عودة السلاح إلى الواجهة هي خطوة في اتجاه الدولة، وكل اجتماع يحافظ على التواصل هو استثمار في مستقبل أكثر استقرارًا.

لهذا، فإن اجتماع سرت يستحق أن يُقرأ بوصفه محطة إيجابية في مسار طويل، لا لأنه قد ينهي الانقسام، بل لأنه أكد أن الليبيين ما زالوا قادرين على الجلوس معًا والبحث عن حلول مشتركة. في منطقة اعتادت أن تتصدرها أخبار الحروب والانقسامات، تبدو هذه الرسالة في حد ذاتها إنجازًا يستحق البناء عليه.

_______________

مواد ذات علاقة