
في العام الماضي، فشلت إيطاليا في تسليم ليبي يُشتبه بارتكابه جرائم حرب، وهو مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية.
فما هي العواقب؟
في عام 2025، وللمرة الأولى، دُعيت الدول إلى مناقشة مسألة عدم التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية خلال اجتماع جمعية الدول الأطراف. وإلى جانب الإشارة إلى فشل دول أعضاء في المحكمة في اعتقال كلٍّ من الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وكلاهما صدرت بحقهما مذكرات توقيف، تكرر ذكر اسم دولة واحدة بشكل لافت في كلمات منظمات المجتمع المدني خلال الجلسة العامة المنعقدة في 3 ديسمبر في لاهاي: إيطاليا.
وقالت كريستينا أورسيني، مستشارة البرامج الأولى في منظمة محامون من أجل العدالة في ليبيا، مخاطبة وفود الدول والمنظمات غير الحكومية:
«في سياق تتعرض فيه المحكمة ومسؤولوها والمجتمع المدني العامل من أجل العدالة الدولية لهجمات متزايدة، بما في ذلك عبر العقوبات الأمريكية، فإن كل حالة عدم تعاون تمثل ضربة إضافية لمنظومة نظام روما الأساسي، لا سيما عندما تصدر عن دولة طرف».
في 21 يناير 2025، وبعد يومين من توقيفه في فندق بمدينة تورينو بناءً على مذكرة صادرة عن المحكمة الجنائية الدولية، أفرجت السلطات الإيطالية عن أسامة المصري نجم، الرئيس السابق للشرطة القضائية الليبية، وأعادته جواً إلى طرابلس على متن طائرة حكومية إيطالية. ويُعتقد أن المواطن الليبي البالغ من العمر 46 عاماً كان مسؤولاً عن سجن معيتيقة سيئ السمعة في طرابلس. ويُشتبه بتورطه في جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، تشمل القتل والتعذيب والاستعباد والعنف الجنسي.
وبعد أشهر من التجاذبات الإجرائية بين المحكمة وإيطاليا، خلصت المحكمة الجنائية الدولية في 17 أكتوبر إلى أن إيطاليا أخلّت بالتزاماتها الدولية، لكنها لم تُحِلّ القضية بعد إلى المستوى الأعلى.
وقال السفير الإيطالي لدى هولندا، أوغوستو ماساري، خلال النقاش العام لجمعية الدول الأطراف:
«لا يمكن الخوض في أي نقاش يتعلق بعدم امتثال مزعوم من جانب بلدي في غياب إحالة رسمية» بسبب عدم التعاون، سواء إلى جمعية الدول الأطراف أو إلى مجلس الأمن الدولي. وأضاف أن إيطاليا، على العكس، قدمت «ردوداً في الوقت المناسب وشفافة وشاملة»، وستواصل «التعامل بحسن نية مع المحكمة».
«الرسالة الموجهة إشكالية للغاية»
في افتتاح الجلسة، شددت رئيسة جمعية الدول الأطراف، بايفي كوكورانتا، على التزام الدول «بالتشاور في الوقت المناسب مع المحكمة» في حال وجود صعوبات تتعلق باعتقال أو تسليم المشتبه بهم.
وأضافت أورسيني: «إيطاليا استندت إلى اعتبارات قانونية وإجرائية داخلية لتبرير قرارها. لكن يبدو أن مزيجاً من المخاوف السياسية والضغوط الدبلوماسية أدى إلى إخضاع الالتزامات الدولية واعتبارات العدالة لمنطق المصلحة السياسية». وذكّرت لاحقاً بأن «إيطاليا ليست فقط دولة طرفاً، بل أيضاً من الدول المؤسسة للمحكمة، ولذلك فإن الرسالة الموجهة إشكالية للغاية».
ومن جانب المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان، تحدث ديفيد يامبيو، الشريك المؤسس لمنظمة لاجئون في ليبيا الإيطالية، قائلاً إنه يتحدث بصفته «ضحية لعنف لا يُحصى مارسه المصري في العديد من معسكرات التعذيب في أنحاء ليبيا».
وأوضح أن فشل الدولة المضيفة له في تسليم المشتبه به إلى المحكمة الجنائية الدولية جعله «يواجه تهديدات كثيرة، وحتى اليوم لم تعد حياتنا كما كانت». وختم قائلاً إن الدول الأعضاء، بما فيها إيطاليا، تحدثت في «خطاباتها المصاغة بعناية» عن المساءلة ومعاناة الضحايا، «لكن ما لم تعترفوا به هو أن حياتنا تعتمد على القرارات التي تتخذونها».
رد فعل خجول من المحكمة الجنائية الدولية
في قرارها الصادر في أكتوبر، خلصت المحكمة إلى أن «إيطاليا أخفقت في الامتثال لالتزاماتها الدولية بموجب النظام الأساسي، مما حال دون ممارسة المحكمة لوظائفها وصلاحياتها». وخلال الأشهر الماضية، قدمت إيطاليا عدة مبررات لإعادة نجم إلى ليبيا بدلاً من تسليمه إلى لاهاي، من بينها صياغة مذكرة التوقيف الصادرة عن المحكمة ووجود مذكرة أخرى منافسة من السلطات الليبية.
غير أن المحكمة رأت أن هذه الأسباب لا «تفسر فشل إيطاليا في التواصل والتعاون» لحل الإشكالات المزعومة، ولا تقدم «أي سبب قانوني صحيح أو مبرر معقول» لإعادة نجم فوراً إلى ليبيا بدلاً من التشاور أولاً مع المحكمة.
وبشأن طلب التسليم المزعوم من ليبيا، أوضح القضاة أن «نجم لم يُسلَّم إلى السلطات الليبية، بل أُعيد بصفته رجلاً حراً». ووفقاً لأدلة إضافية قدمها الادعاء في 11 نوفمبر، فإن الطلب الليبي أُبلغ إلى وزارة العدل الإيطالية في 22 يناير 2025، أي بعد أن أُعيد نجم إلى طرابلس مساء 21 يناير، ودون إرفاق «أي تدابير أو وثائق أو إشارة إلى سند إجرائي قابل للتنفيذ أو مذكرة توقيف».
ومع ذلك، قرر قضاة المحكمة الانتظار قبل إحالة إيطاليا إلى جمعية الدول الأطراف أو إلى مجلس الأمن الدولي، الذي كان قد أحال الوضع في ليبيا إلى المحكمة عام 2011، ما أطلق التحقيق.
وقالت أليسون ويست، المستشارة القانونية ، إن إحالة إيطاليا إلى جمعية الدول الأطراف أو إلى مجلس الأمن «ضرورية من حيث المبدأ». ورغم أن هذه الإجراءات «لا تترتب عليها عواقب ملموسة كبيرة سوى التشهير السياسي»، بحسب أورسيني، فإنها ترى أن رفع المسألة إلى مستوى أعلى يبقى مهماً.
إسكات رد فعل الادعاء في روما
كان المدعي العام في روما قد فتح تحقيقاً بحق ألفريدو مانتوفانو، وكيل رئاسة مجلس الوزراء، إضافة إلى وزيري العدل والداخلية كارلو نورديو وماتيو بيانتيـدوزي، بتهم تتعلق بالإخلال بالواجبات الوظيفية والمساعدة والتحريض والاختلاس. غير أن مجلس النواب رفض، في تصويت جرى في 9 أكتوبر، طلب الإذن بالملاحقة. وبعد عشرين يوماً، قررت محكمة الوزراء حفظ التحقيق.
ومع ذلك، وفي رد إيطاليا على طلبات المحكمة الجنائية الدولية لمزيد من المعلومات بشأن الإجراءات الداخلية، قال السفير الإيطالي لدى هولندا إن «السلطة القضائية تملك، رغم قرار البرلمان، صلاحية إثارة نزاع حول اختصاصات سلطات الدولة أمام المحكمة الدستورية». وأضاف ماساري أن التغطية الإعلامية الواسعة لتطورات قضية نجم «رفعت بوضوح مستوى الوعي، على جميع المستويات، بأهمية وتعقيد التعاون مع هذه المحكمة»، معتبراً أن لذلك «أثراً إيجابياً» على طلبات التعاون المستقبلية.
وفي 30 أكتوبر، أحالت محكمة الاستئناف في روما مسألة دستورية قوانين التعاون مع محكمة لاهاي إلى المحكمة الدستورية. كما قرر المركز الأوروبي للحقوق الدستورية وحقوق الإنسان دعم دعوى أمام المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان رفعها أحد الناجين من التعذيب، قال إنه احتُجز بصورة غير قانونية على يد نجم، ضد إيطاليا بسبب فشلها في التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية. وقالت ويست: «ستكون هذه المرة الأولى التي تنظر فيها محكمة ستراسبورغ فعلياً في قضية عدم تسليم إلى المحكمة الجنائية الدولية».
هل اعتُقل نجم في ليبيا؟
في أواخر صباح 5 نوفمبر، أعلنت وسائل إعلام ليبية ودولية توقيف نجم. وبعد شهر، أكد النائب العام في طرابلس، الصديق أحمد الصور، في بيان خاص لليبيا نيوز 24، أنه لا يزال محتجزاً.
غير أن ويست أوضحت أنه «رغم كل التصريحات العلنية، لا توجد حتى الآن أدلة موثوقة على أن نجم قد اعتُقل فعلاً. ووفقاً لمنظمات المجتمع المدني الليبية التي نتواصل معها، لا يزال طليقاً». وترى أن ذلك قد يكون محاولة من النائب العام لإظهار جدية ليبيا في التعاون مع المحكمة، مع التأكيد على رغبتها في محاكمة الجرائم محلياً. لكنها شددت على أن النظام القضائي الليبي لا يزال منقسماً وخاضعاً لضغوط سياسية ومليشياوية تحول دون ضمان محاكمات عادلة.
وأضافت أن «إحدى القضايا الجوهرية هي أن التهم المقترحة من النائب العام تتعلق بجرائم عادية وفق القانون الجنائي الليبي، وليس بجرائم دولية». وبرأيها، فإن «الهجوم الواسع والمنهجي على الليبيين والمهاجرين واللاجئين في أنحاء ليبيا يتجذر في اقتصاد الاحتجاز، ومن الضروري جداً وضعه في سياق الجرائم ضد الإنسانية».
في 15 مايو، نشرت المحكمة الجنائية الدولية إعلاناً أرسلته الحكومة الليبية تقبل فيه اختصاص المحكمة عن الفترة من 2011 إلى 2027. وفي بيانها نصف السنوي أمام مجلس الأمن في 26 نوفمبر، قالت نائبة المدعي العام، نزهت شميم خان، إن مكتبها لا يزال «مركّزاً على تأمين اعتقال وتسليم أسامة المصري نجم لمحاكمته أمام المحكمة الجنائية الدولية»، مرحبة بتعميق التعاون مع النائب العام الليبي في «هذه القضية المشتركة».
وسبق لليبيا أن اعتقلت مشتبهين مطلوبين للمحكمة، مثل سيف القذافي عام 2011 الذي أُفرج عنه لاحقاً، ومؤخراً محمد الصالحين المطلوب في إطار التحقيق في مقابر ترهونة الجماعية، دون أن يتم تسليم أي منهم إلى المحكمة.
ليبي أمام المحكمة الجنائية الدولية
قبيل اجتماع الدول الأطراف لمناقشة عدم التعاون، وفي 1 ديسمبر 2025، مثل ليبي أمام المحكمة الجنائية الدولية للمحاكمة. خالد محمد علي الهيشري، وهو مسؤول كبير سابق في مليشيا تُعرف باسم الردع، يُشتبه في ارتكابه أو الإشراف على جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في سجن معيتيقة بين عامي 2015 وبداية 2020. وقد اعتُقل في ألمانيا في 16 يوليو 2025.
وقالت أليسون ويست: «هذه هي أول قضية خلال 15 عاماً من الوضع الليبي تتجه فعلياً إلى المحاكمة». وأوضحت أن الهيشري كان في قيادة السجن والمليشيا نفسيهما اللذين كان يعمل فيهما أسامة المصري نجم، وأن «ما سيحدث في هذه القضية قد يؤثر على قضايا أخرى ضمن المسار التحقيقي نفسه، ولهذا من الأهمية بمكان إنجازها على النحو الصحيح».
____________
