صلاح الهوني
الربط بين الاقتصاد والسياسة يمنح واشنطن أداة ضغط قوية لدفع الأطراف الليبية نحو التوافق فالشركات الأميركية لن تستثمر في بيئة غير مستقرة.
خمسة عشر عاماً مرت على سقوط نظام معمر القذافي، وليبيا لا تزال تعيش حالة من الانقسام السياسي والمؤسسي العميق، حيث يتقاسم السلطة فيها كيانان متنافسان: حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دولياً في طرابلس غرباً، والسلطة الموازية المدعومة من المشير خليفة حفتر في الشرق. في هذا السياق المتأزم، تبرز مبادرة أميركية جديدة تحمل في طياتها وعوداً بإعادة التوحيد، لكنها تطرح في الوقت نفسه أسئلة جوهرية حول طبيعة الدور الأميركي ومدى قدرته على تجاوز الإخفاقات الدولية السابقة.
ما تقدمه واشنطن اليوم ليس مجرد مسعى دبلوماسي آخر، بل مقاربة براغماتية تربط بشكل وثيق بين المصالحة السياسية والفرص الاقتصادية، وتحديداً في قطاع النفط والغاز، في محاولة لإعادة رسم التوازنات الداخلية والخارجية للدولة الليبية.
تشير التطورات الأخيرة إلى تحول نوعي في السياسة الأميركية تجاه ليبيا، حيث لم تعد واشنطن تكتفي بدور المراقب أو الداعم للجهود الأممية، بل انتقلت إلى محاولة صياغة حل شامل وطموح.
يتجلى هذا التحول في التحركات المكثفة التي يقودها مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي دونالد ترامب لشؤون الشرق الأوسط وأفريقيا، الذي كشف عن خطة أميركية لتوحيد ليبيا تقوم على جمع المؤسسات الليبية المتشظية تحت سلطة واحدة.
هذه المبادرة تأتي في وقت تعاني فيه الجهود الأممية من الجمود، حيث فشلت محاولات الأمم المتحدة المتكررة لإجراء انتخابات وطنية، مما دفع واشنطن إلى تبني نهج أكثر مباشرة، وإن كان يوصف بأنه “مكمل” لجهود الأمم المتحدة.
ويتجلى هذا التحول أيضاً في المشاركة العسكرية الأميركية المتنامية، حيث استضافت ليبيا للمرة الأولى تدريبات “فلينتلوك” العسكرية التي تقودها القيادة الأميركية في أفريقيا (أفريكوم)، بمشاركة من الشرق والغرب الليبيين، في رسالة واضحة عن نية واشنطن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية.
هل تنجح واشنطن في تحويل النفط إلى جسر للتوافق الوطني أم يظل الانقسام الليبي الذي تغذيه فصائل مسلحة ومتنافسون إقليميون أقوى من أي مبادرة خارجية
يكمن جوهر البراغماتية الأميركية في المبادرة الجديدة في الربط الوثيق بين الاستقرار السياسي وفرص الاستثمار في قطاع الطاقة. لم تخف واشنطن طموحاتها في تحويل ليبيا إلى قوة نفطية كبرى، حيث أعلن مسعد بولس دعم الولايات المتحدة لهدف ليبيا الطموح في إنتاج 3 ملايين برميل من النفط يومياً، مع استقدام تقنيات متطورة وخبرات فريدة لتحقيق هذا الهدف.
في هذا السياق، تعمل واشنطن على تشجيع كبرى شركات النفط الأميركية للعودة إلى ليبيا وتوسيع استثماراتها. فبعد غياب دام 15 عاماً، أجرت شركة “شيفرون” تفاهماً مبدئياً للعودة، بينما تسعى شركات أخرى مثل “كونوكو فيليبس” و”هاليبرتون” و”إس إل بي” إلى زيادة استثماراتها في البلاد.
وتأتي هذه التحركات بالتزامن مع إعلان ليبيا عن استثمارات بمليارات الدولارات لزيادة الإنتاج في حقل الواحة النفطي بالشراكة مع “كونوكو فيليبس” و”توتال إنرجي” الفرنسية.
ومع ذلك، تضع الإدارة الأميركية هذه الاستثمارات في سياقها السياسي، إذ يشترط مسعد بولس أن تتطلب عملية إنعاش قطاع الطاقة استقراراً سياسياً، وهو ما عبّر عنه قائلًا: “بالنسبة لليبيا، هذا يعني توحيد البلاد لضمان الاستقرار الذي يحتاجه المستثمرون”.
هذا الربط بين الاقتصاد والسياسة يمنح واشنطن أداة ضغط قوية لدفع الأطراف الليبية نحو التوافق، فالشركات الأميركية لن تستثمر في بيئة غير مستقرة، والمؤسسات الليبية لن تتمكن من جذب الاستثمارات دون تقديم تنازلات سياسية.
رغم الطموحات الأميركية، تظل التحديات البنيوية القائمة في ليبيا عقبة كأداء أمام أي مبادرة خارجية. فليبيا اليوم ليست مجرد دولة منقسمة بين حكومتين، بل هي واقع أكثر تعقيداً من ذلك، حيث تمارس الميليشيات المحلية والفصائل المسلحة سلطة فعلية على الأرض، وتتقاسم عائدات النفط بطرق غير رسمية.
يكشف تقرير صادر عن فريق خبراء الأمم المتحدة عن ظاهرة خطيرة تتمثل في ظهور شركات نفطية خاصة مرتبطة بالفصائل المسلحة، في سابقة تمثل كسراً لاحتكار المؤسسة الوطنية للنفط، وتحويل جزء من عائدات النفط بعيداً عن المصرف المركزي في طرابلس .
هذا التطور يعكس تنامي نفوذ الفاعلين المسلحين على قطاع النفط ويعقّد أي جهود لإعادة توحيد الموارد الاقتصادية تحت سلطة مركزية واحدة.
كما أن مشهد العنف السياسي والمسلح لم يهدأ، حيث شهدت طرابلس في أيار/مايو 2025 اشتباكات عنيفة بعد اغتيال قائد ميليشيا بارز، وفي أيلول/سبتمبر 2025 تجددت الاشتباكات بسبب محاولة رئيس الحكومة الحد من نفوذ ميليشيا موالية له .
هذه الحوادث تكشف عن هشاشة التوازن القائم، حيث أن أي محاولة لفرض السلطة أو إعادة هيكلة المؤسسات الأمنية تخاطر بإشعال الصراعات بين التحالفات الهشة التي تدعم الاستقرار الهش.
لا يمكن فهم المبادرة الأميركية بمعزل عن التنافس الجيوسياسي المحتدم على النفوذ في ليبيا، التي تحولت إلى ساحة لصراع إقليمي ودولي معقد، وإلى ما يشبه سوريا شمال أفريقيا، حيث تقوم قوى خارجية بتسليح وكلاء محليين لخدمة أجنداتها الخاصة.
وفي هذا المشهد المتشابك، تبرز روسيا كمنافس رئيسي للولايات المتحدة، حيث عززت وجودها في شرق ليبيا عبر انتقالها من استخدام مجموعة “فاغنر” شبه العسكرية إلى وجود رسمي بغطاء وزارة الدفاع الروسية.
تسيطر روسيا الآن على قواعد جوية ومراكز لوجستية وطرق صحراوية رئيسية، وتتمركز قواتها بالقرب من حقول النفط والموانئ الحيوية. هذا التواجد يمنح موسكو نفوذاً كبيراً على مستقبل الطاقة الليبية، ويجعل من الصعب على الشركات الغربية العمل دون ضمانات أمنية.
المبادرة تأتي في وقت تعاني فيه الجهود الأممية من الجمود، حيث فشلت محاولات الأمم المتحدة المتكررة لإجراء انتخابات وطنية، مما دفع واشنطن إلى تبني نهج أكثر مباشرة، وإن كان يوصف بأنه “مكمل” لجهود الأمم المتحدة
أما تركيا، فقد حصلت على حق نقض فعلي على قطاع الأمن الغربي والمناطق البحرية الليبية بعد توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة طرابلس في 2019.
في هذا السياق، تسعى المبادرة الأميركية إلى إعادة تأكيد حضور واشنطن في ليبيا كبديل عن النفوذ الروسي والتركي، وذلك عبر نهج متعدد الأدوات يجمع بين الأمن والدبلوماسية والاقتصاد.
ومع ذلك، يرى محللون أن المقاربة الأميركية تتسم بطابع “الصفقات” الذي يميز سياسة إدارة ترامب، حيث تتعامل الولايات المتحدة مع الفاعلين الليبيين كما هم، وتفترض أنهم منفتحون على عقد صفقات، وتسعى لخلق بيئة سياسية مواتية لمزيد من الاستثمارات دون تعقيدات أيديولوجية عميقة.
هذا النهج البراغماتي قد ينجح في تحقيق تقدم ملموس على المدى القصير، لكنه يثير تساؤلات حول قدرته على بناء دولة مستقرة ومؤسسات وطنية فاعلة على المدى الطويل.
المبادرة الأميركية في ليبيا ليست مجرد مشروع لإعادة بناء الدولة، بل هي محاولة لإعادة رسم التوازنات الداخلية والخارجية عبر مقاربة مزدوجة: السياسة والاقتصاد. تقدم الولايات المتحدة نفسها كشريك قادر على تحقيق اختراق في الملف الليبي المستعصي، مستفيدة من رغبة الأطراف الليبية في جذب الاستثمارات، ومن حاجتها الملحة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.
لكن السؤال الجوهري يبقى: هل ستنجح واشنطن في تحويل النفط إلى جسر للتوافق الوطني، أم سيظل الانقسام الليبي، الذي تغذيه الفصائل المسلحة والمتنافسون الإقليميون، أقوى من أي مبادرة خارجية، مهما كانت براغماتية؟
الإجابة على هذا السؤال تتوقف على عدة عوامل: مدى قدرة الولايات المتحدة على تقديم ضمانات أمنية حقيقية للمستثمرين، ونجاحها في إقناع الأطراف الليبية بتقديم تنازلات حقيقية، وقدرتها على التنسيق مع الشركاء الدوليين والإقليميين لتجنب تحويل ليبيا إلى ساحة صراع جديدة.
الأكيد أن المبادرة الأميركية تفتح نافذة فرص، لكن التاريخ القريب لليبيا يحمل دروساً قاسية حول صعوبة تحقيق الاستقرار في دولة مزقتها الحروب والانقسامات، وحول محدودية ما يمكن أن تقدمه القوى الخارجية في مواجهة تعقيدات داخلية متجذرة.
_________
