سارة النيادي
تشهد الأزمة الليبية المركبة، منذ سنوات، حالة من الجمود السياسي؛ نتيجة تعقيدات داخلية وإقليمية متداخلة، وانقسامات حادّة بين المؤسّسات السيادية، ووضع أمني هشّ تُغذّيه الميليشيات المسلحة والتدخلات الأجنبية المتباينة.
وفي خطوة نوعية تهدف إلى إحياء العملية السياسية المتعثّرة في ليبيا، كشفت الممثّلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، رئيسة البعثة الأممية، هانا تيتيه، أثناء إحاطتها الدورية لمجلس الأمن الدولي، في 25 يونيو 2025، عن عزم البعثة تقديم “خريطة طريق لليبيا” محدَّدة زمنيًّا، في منتصف أغسطس المقبل؛ تهدف إلى إنهاء المراحل الانتقالية، وإجراء الانتخابات بإشراف البعثة الأممية؛ انطلاقًا من التوصية الرابعة من توصيات لجنة العشرين الاستشارية في ليبيا؛ وهي التوصية التي تؤكّد ضرورة اتخاذ بعثة الأمم المتحدة خطوات عملية لمواجهة أيّ طرف يحاول عرقلة، أو تعطيل، مسار اللجنة.
تستعرض هذه الورقة أبرز ما جاء في الإحاطة الأممية في مجلس الأمن، ومساعي المبعوثة الأممية لكسر حالة الجمود السياسي في ليبيا، ثم تُحلّل التحديات التي تواجه الخريطة الأممية الجديدة على الصعيدَين السياسي والأمني، وتستكشف مواقف القوى السياسية الفاعلة في الشرق والغرب الليبي من الخريطة، بما في ذلك تداعيات الفوضى الأمنية في طرابلس، وتأثير الميليشيات المسلحة على مسار الخريطة الأممية الجديدة. وبناءً على هذا التحليل، تُقدِّم الورقة سيناريوهات محتملة لمستقبل المبادرة الأممية.
أولًا– الإحاطة الأممية بمجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا:
تُشكّل إحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا، هانا تيته، أمام مجلس الأمن، في 25 يونيو 2025، منعطفًا حاسمًا في الجهود الدولية لإحياء العملية السياسية المتعثرة في البلاد. وفي هذا الصدد، قدّمت المبعوثة الأممية رؤيتها للوضع الراهن، وفق الآتي:
فقدان الثقة بالمؤسّسات الحالية:
أكدت المبعوثة الأممية أن معظم الليبيين فقدوا الثقة بالمؤسّسات السياسية الليبية الحالية، وباتوا يشكِّكون في مدى استعدادها لوضع المصالح الوطنية فوق مصالحها الخاصة.
“خريطة طريق في ليبيا” محدّدة الزمن:
كشفت هانا تيته عن عزمها تقديم خريطة طريق محدّدة زمنيًّا لعملية سياسية تهدف إلى إنهاء المراحل الانتقالية في ليبيا، وإجراء الانتخابات الوطنية.
الأوضاع الأمنية في العاصمة طرابلس:
أشارت هانا تيته إلى أن الوضع الأمني في طرابلس لا يمكن التنبّؤ به؛ في إشارة إلى الفوضى الأمنية التي تفجّرت في العاصمة، في مايو المنصرم، وحذّرت من أن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي إلى تقسيم تدريجي للبلاد.
مسألة الميزانية:
حذّرت المبعوثة الأممية من مصادقة مجلس النواب على الميزانية الخاصة بصندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا، برئاسة بلقاسم حفتر، معتبرةً أنها ستقوّض قدرة مصرف ليبيا المركزي على السيطرة على التضخم، والحفاظ على قيمة الدينار الليبي.
ثانيًا– مساعي المبعوثة الأممية الأخيرة لكسر حالة الجمود السياسي في ليبيا:
في إطار تعزيز الجهود الأممية لكسر حالة الجمود السياسي في ليبيا، كثَّفت الممثّلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة، هانا تيته، من تحرّكاتها خلال الفترة الماضية، التي سبقت إحاطتها الأخيرة لمجلس الأمن، استهدفت فيها حشد كلٍّ من الدعم المحلّي والدولي للخريطة الأممية الجديدة. وتمثّلت أبرز هذه الجهود فيما يأتي:
تشكيل لجنة العشرين الاستشارية:
كجزء من مبادرتها السياسية المتعدّدة المسارات، التي قُدّمت إلى مجلس الأمن في ديسمبر 2024، أعلنت البعثة الأممية في ليبيا تشكيل اللجنة الاستشارية العشرين، في 4 فبراير 2025؛ وتهدف اللجنة إلى تقديم توصيات فنية وسياسية قابلة للتنفيذ لمعالجة القضايا الخلافية المتعلّقة بالانتخابات الوطنية المعطّلة منذ عام 2021.
وتتألف اللجنة من 20 شخصية ليبية ذات خبرة متخصّصة في القانون، والدستور، والمسائل الانتخابية، كما ضمّت 35% من العنصر النسائي، مع تمثيل جغرافي وثقافي متوازن، لضمان التنوع والمصداقية. وكان للّجنة مدة عمل محدّدة لا تتجاوز الأشهر، على أن تسهم مخرجاتها في تطوير خريطة طريق جديدة تعالج الانسداد السياسي في ليبيا. ولا شكّ في أن التحدي الأكبر يكمن في مدى قبول الأطراف الليبية وتعاطيها مع نتائج ومخرجات اللجنة، وتحويلها إلى سياسة واقعية تقود إلى الانتخابات الوطنية.
تفعيل اجتماعات لجنة المتابعة الدولية وعقد اجتماع “برلين 3”:
ترأّست الممثّلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، هانا تيته، بشكل مشترك، مع السفير الألماني كريستيان باك، الاجتماع الثالث لِلَجنة المتابعة الدولية المعنية بليبيا “عملية برلين”؛ ما عكس الدور المحوري للبعثة الأممية وألمانيا في قيادة الجهود الدولية لحل الأزمة الليبية.
وبشكل غير مسبوق، صعّد الاجتماع اللهجة ضدّ معرقلين العملية السياسية، واتخاذ موقف حازم ضدّهم، مع التأكيد على أن أولوية المجتمع الدولي يجب أن تركز على “توحيد المؤسّسات، وتجديد شرعيتها” لتحقيق السلام والاستقرار في ليبيا، بما يتماشى مع أهداف خريطة الطريق الأممية الجديدة.
وتبدو مشاركة المبعوثة الأممية في اجتماع “برلين 3” حاسمة لإعادة تفعيل الدور الدولي في الملف الليبي، وتعكس مساعي المبعوثة في حشد الدعم الدولي لخريطة الطريق الجديدة التي تنوي الكشف عنها في منتصف أغسطس المقبل.
عقد اجتماعات مع القوى السياسية الليبية والقوى الدولية الفاعلة:
كثّفت المبعوثة الأممية من اجتماعاتها ولقاءاتها مع مختلف القوى السياسية الليبية في الفترة الأخيرة، ففي يونيو 2025 اجتمعت برئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة،.
كما اجتمعت مع عدد من ممثّلين عن تجمّعات وائتلافات من الأحزاب السياسية الليبية؛ في مسعى لتوسيع قاعدة المشاورات لتشمل أطرافًا سياسية أوسع. من جانب آخر، اجتمعت “تيته” مع أطراف دولية فاعلة في الملف الليبي؛ على غرار الجانب التركي، ممثَّلًا بنائب وزير الخارجية التركي برهان الدين دوران، ومسؤولين مصريين في القاهرة؛ لمناقشة قضايا محورية؛ كخروج القوات الأجنبية والمرتزقة.
وتعكس هذه اللقاءات أهمية كلٍّ من الدعم الإقليمي والدولي لأي مبادرة أممية لليبيا، ومساعي المبعوثة الأممية في الحصول على مواقف موحدة من الدول المعنية والمؤثرة في الملف الليبي.
ثالثًا– مواقف القوى السياسية الفاعلة الليبية من الخريطة:
أعلن مجلس النواب الليبي والحكومة المنبثقة عنه (حكومة الاستقرار) برئاسة أسامة حماد، رفضهما المبادرة الأممية؛ ما يشكّل أكبر العوائق أمام تنفيذ نتائج لجنة العشرين، والخريطة الأممية الجديدة لليبيا.
فقد شدّد مجلس النواب الليبي، خلال مراحل عمل اللجنة الاستشارية، على ضرورة عدم تجاوز اللجنة الاستشارية بدعم من البعثة الأممية لمؤسّسات الدولة – كمجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة (الذي يعتبر الغرفة الثانية للبرلمان)، واعتبر أن أي مخرجات تتعلّق بتعديل القوانين الانتخابية أو إعادة تشكيل السلطة التنفيذية ستُعتبر باطلة؛ إذا لم تُعرَض عليه رسميًّا.
بل إنّ النائب الثاني لرئيس مجلس النواب، مصباح دومة، صرّح بأن إحاطة تيته “أسهمت في تعقيد المشهد السياسي”، واتهمها بمحاولة “إيقاف قطار التنمية الذي انطلق في شرق البلاد وجنوبها، وأجزاء من غربها”. وانتقد دومة اللجنة الاستشارية، واصفًا إيّاها بـ”مجموعة موظفين في البعثة ينفّذون ما تراه تيته فقط، دون تمثيل حقيقي للشعب الليبي، أو مؤسّساته الشرعية”.
وبُعيد إحاطة البعثة الأممية إلى مجلس الأمن، سارعت حكومة الاستقرار في الشرق المنبثقة من مجلس النواب، برئاسة أسامة حماد، بالتعبير عن الرفض الصريح لمضمون إحاطة المبعوثة الأممية، حيث قال حماد إن الإحاطة “مملوءة بالتجاوزات والمواقف المنحازة”، ودعا إلى “طرد البعثة الأممية من ليبيا فورًا”، بوصفها غير مرحّب بها؛ لتعاملها مع “أطراف فاقدة للشرعية”، في إشارة إلى حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبدالحميد الدبيبة. علاوة على ذلك، أكد حماد رفضه لما وصفه بتدخّل البعثة الأممية في مناقشات مجلس النواب بشأن ميزانية صندوق الإعمار، مؤكدًا أن ذلك يُعدّ “انتهاكًا للسيادة الوطنية”، وأن مجلس النواب هو المخوّل بإقرار الميزانيات.
ولا شكّ في أن موقف مجلس النواب وحكومة الاستقرار يُهدّد بإجهاض الخريطة الطريق الأممية المزمع إعلانها في منتصف أغسطس المقبل. إضافةً إلى ذلك، عكس توجّه مجلس النواب، منذ مطلع مايو 2025، في البدء بفتح باب الترشح لرئيس وزراء جديد، بدلًا من رئيس حكومة الوحدة الوطنية المنتهية ولايتها، الدلالات الآتية:
التجاهل المقصود للخطة الأممية ومساراتها، وإعادة تسلّم زمام المبادرة السياسية بشكل أحادي؛ حيث تفضّل البعثة الأممية تأجيل مسألة تشكيل حكومة جديدة، واختيار رئيس وزراء جديد، إلى ما بعد الانتخابات.
فرض مسار سياسي محلّي وحصري ينطلق من داخل المؤسّسات الليبية – مجلس النواب والغرفة الثانية له المجلس الأعلى للدولة، دون الرجوع إلى المجتمع الدولي، أو التوصيات الفنية للجنة الاستشارية العشرين، استنادًا إلى حجة السيادة الوطنية في اتخاذ القرارات السياسية.
أما بالنسبة للقوى السياسية في غرب البلاد، فلم يصدُر من المجلس الرئاسي أو حكومة الوحدة الوطنية، برئاسة الدبيبة، حتى تاريخه، موقف رسمي بشأن خريطة الطريق الأممية الجديدة. وقد يرجع ذلك إلى أسباب عدة، أبرزها أنه لم تُعلَن تفاصيل الخريطة بصورة كاملة بعد (متوقّع في أغسطس 2025). ومن ثم، فربما ينتظر الطرفان الكشف عن البنود الكاملة عن الخريطة قبل إصدار موقف رسمي منها.
ولكن يرجَّح أن يكون المواقف مبنيًّا على أساس تقييم رئيس المجلس الرئاسي ورئيس حكومة الوحدة الوطنية لمدى توافق خريطة الطريق مع مصالحهم، ومدى قدرة الخريطة على إنهاء حالة الجمود السياسي دون إقصائهم من المشهد السياسي. ومع ذلك، فإنّ الانقسامات الأخيرة بين أعضاء المجلس الرئاسي (محمد المنفي، وعبدالله اللافي، وموسى الكوني)، وتباين الرؤى بينهم، تُعزّز من احتمالات عدم توافقهم على خريطة الطريق الأممية المستقبلية.
…
يتبع
***
سارة النيادي ـ حصلت على شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية الإماراتية من أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، وشهادة البكالوريوس من جامعة زايد تخصص الشؤون الدولية، وحصلت على خبرة متراكمة خلال سنوات الدراسة بالعمل في مكتب القائد العام لشرطة أبوظبي لمدة خمس سنوات. وقبل التحاقها بفريق ”تريندز“ عملت في قطاع البحث العلمي بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية لما يقارب ثلاث سنوات كباحث مساعد، متخصصة في عدة ملفات أبرزها منطقة شمال إفريقيا، ومنطقة شرق آسيا.
______________