بلال عبدالله
الاتجاهات المتوقعة في 2025
تشهد بداية العام الجديد نشاطاً محتدماً على مستوى الإدارة الدولية للملف الليبي، فيما يُنبئ بإمكانية أن يشهد العام 2025 ترتيبات جديدة في ليبيا، أو على الأقل إعادة ضبط للأوضاع هناك. وتتمثل أبرز الاتجاهات في خلال العام الحالي، في التطورات الآتية:
1. الصراع المالي:
من المرتقب أن يشهد عام 2025 تطورات جديدة على صعيد الصراع على الثروة؛ وشهدت الأسابيع الأولى من العام الجديد تطورين لافتين:
الأول، استقالة رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، فرحات بن قدارة (الموالي لحفتر)، مع اتجاه الرئيس الجديد المكلف من الدبيبة، مسعود سليمان، بوقف العمل بنظام مقايضة الوقود بالنفط بدءاً من مارس المقبل.
وتمثَّل التطور الثاني في قرار مجلس الأمن السماح للمؤسسة الليبية للاستثمار بإدارة أصولها في الخارج مع بقائها مجمدة؛ وبالتوازي مع ذلك، تمكنت مؤسسة الاستثمار باستصدار حكم قضائي في بلجيكا، برفع جميع الحجوزات القضائية على أصول المؤسسة لدى بنك “يورو كلير بروكسل” في بلجيكا.
وفي شكل عام، من المرجح أن يأخذ الصراع المالي بين طرفيّ الانقسام منحى تصاعدياً، سواء حول إدارة الأموال الليبية التابعة لمؤسسة الاستثمار، أو حول تقاسم عائدات النفط بعد التغيير في رأس مؤسسة النفط، مما قد يدفع باتجاه العودة إلى استخدام الإغلاقات النفطية ورقة ضغط من قبل سلطات غرب ليبيا، لاسيما مع تبني سياسات وقف مبادلة الوقود بالنفط، والرفع المحتمل للدعم.
2. توحيد الحكومة:
إن الحدث الأهم الذي سيشكل التفاعلات السياسية الليبية في عام 2025 هو تشكيل حكومة موحدة، إذ من المتوقع أن تدفع إدارة ترمب باتجاه إنهاء الانقسام، في إطار توجهها المُعلَن لإنهاء الصراعات المفتوحة في عدة أقاليم حول العالم، بغض النظر عن شروط حدوث ذلك.
وبالتوازي مع هذا، قد يصبح استكمال انتخابات المجالس البلدية في نهاية يناير، لاسيما أن تلك الجولة ستشمل كلاً من طرابلس وبنغازي، ورقة ضغط ضد الطبقة السياسية، عبر التلويح بإسناد أدوار أكبر في حلحلة الأزمة لممثلي البلديات المنتخبة، استناداً إلى الشرعية التمثيلية والقانونية للمجالس البلدية؛ وقد يمثل هذا الخيار، في حال اللجوء إليه فرصةً جيدة لإجبار أطراف الصراع على إبداء مزيد من المرونة للتوصل إلى تسوية للملفات المستعصية.
كأن يكون لهم تمثيل موسع في منتدى يؤسس على غرار “ملتقى الحوار“، يكون له صلاحيات حسم الملفات العالقة.
يُرجَّح أن يستخدم مجلس الأمن المحكمة الجنائية الدولية أداةً للضغط على أطراف الانقسام الليبي، لاسيما في حالة وجود مطلوبين ضمن الدائرة الضيقة لدوائر السلطة شرقاً وغرباً
3. دور الجنائية الدولية:
من المزمع أن تتسارع وتيرة تحركات المحكمة الجنائية الدولية في ليبيا خلال العام الجديد، فوفق خارطة الطريق المعلنة من المحكمة، سوف تنهي المحكمة تحقيقاتها بنهاية عام 2025. ومع بداية العام زعمت تقارير صحفية ليبية وجود قائمة سرية من المطلوبين الليبيين تداولتها المحكمة مع الدول الأعضاء في نظام روما؛
وبالفعل شهد الأسبوع الثالث من يناير توقيف أسامة نجيم، آمر جهاز الشرطة القضائية ومدير سجن معيتيقة، في مدينة تورينو الإيطالية، بوصفه مطلوباً من قبل المحكمة، قبل أن يُفرَج عنه بتدخل من حكومة الدبيبة.
وبغض النظر عن الشق القانوني، يُرجَّح أن توظَّف تلك الأداة من قبل مجلس الأمن للضغط على أطراف الانقسام الليبي، لاسيما في حالة وجود مطلوبين ضمن الدائرة الضيقة لدوائر السلطة شرقاً وغرباً.
وفي الحد الأدنى، سيكون القضاء الجنائي الدولي أحد الأدوات المهمة في حصار نفوذ قادة الميليشيات المسلحة، لاسيما في العاصمة طرابلس.
4. الأدوار الدولية:
شهد شهر يناير قيام مجلس الأمن برفع حظر تصدير السلاح إلى ليبيا جزئياً، في حدود المساعدات الفنية والتدريبية المقدمة لقوات الأمن الليبية، لتعزيز توحيد المؤسستين العسكرية والأمنية.
ويستهدف القرار تحفيز معسكريّ الصراع على مزيد من التعاون في إنهاء الانقسام العسكري، وفي نفس الوقت الحدّ من نفوذ الأطراف التي تستثمر في بناء نفوذ عسكري منفرد على أحد جانبيّ الصراع، وتحديداً موسكو وأنقرة.
وعلى صعيد آخر، من المرجح أن تنعكس تأثيرات أي صفقة يعقدها ترمب مع بوتين، بشأن الصراع الأوكراني وحدود النفوذ الروسي في الشرق الأوسط، على الأوضاع في ليبيا؛ وهو ما لن تمتد آثاره فقط لبقية عام 2025، لكنه على الأرجح سيكون محدداً رئيساً لشكل خريطة النفوذ الدولي والإقليمي في ليبيا خلال السنوات الأربع المقبلة.
استنتاجات
اتسم التعاملُ مع أبرز محطات الصراع الليبي في عام 2024 بغلبة الطابع التكتيكي، الذي يستهدف شراء وقت أطول للاستقرار الهش القائم منذ سنوات، من دون تقديم إجابات حقيقية للأسئلة والإشكاليات التي يعانيها الصراع، في حين كانت بعض التطورات ذات صلة بأمور هيكلية من شأنها التأثير في بيئة الصراع وطبيعة التوازنات القائمة.
وبسبب هذا التباين بين الطابع الهيكلي للتطورات والطابع التكتيكي للتعاطي معها، واجه المشهد الليبي بعض الأزمات التي جرى احتواءها بصعوبة، ومع بقاء إمكانية تكرارها وإعادة إنتاج نفسها على نطاق أوسع أو بدرجة أعلى من الحدة، ما قد يهدد بانهيار العملية السياسية في لحظة ما.
ومع دخول عام 2025، أصبح المشهد الليبي على موعد مع بعض التغيرات الضاغطة، من قبيل تلك الجارية في البيئتين الإقليمية والدولية للصراع، والتي قد تتجاوز آثارها الحسابات الضيقة للأطراف المحلية الليبية ورغبتهم اللانهائية في المناورة خلال تعاملهم مع الأزمات التي تواجه بقاءهم في مواقعهم.
وفيما يبدو أن إشكاليات العام المنقضي ستظل قائمة خلال العام الحالي، لكن ثمة عامل مؤثر جديد دخل المشهد، يتمثَّل في عودة الرئيس ترمب للسلطة في الولايات المتحدة. ومع أنه لم يُكشَف بعد عن رؤية إدارته للتعاطي مع الصراع الليبي، إلا أنها في كل الأحوال ستُلقي بظلالها على استجابات مختلف الأطراف الفاعلة في الصراع، بكل تأكيد.
***
بلال عبد الله، باحث غير مُقيم في مركز الإمارات للسياسات، متخصص في الشأن الليبي.
_____________
