د. عاصم عبد الرحمن
لم يأتِ سقوط الطائرة التي أودت بحياة الفريق أول محمد علي الحداد، رئيس أركان الجيش الليبي، كخبر عادي يمكن طيه ببيان نعي أو تحميله سريعاً على شماعة “الخلل الفني”..
فالحادث وقع في لحظة سياسية دقيقة، وعلى رأس مسار عسكري كان يشكّل أحد الأعمدة القليلة المتبقية لمحاولة إعادة بناء الدولة الليبية من داخل مؤسساتها. لذلك، فإن السؤال لم يعد: كيف سقطت الطائرة؟ بل ماذا يعني غياب الحداد ومن يستفيد؟
من هو محمد علي الحداد؟
يُعدّ الفريق أول محمد علي الحداد أحد أبرز الضباط الليبيين في مرحلة ما بعد 2011. تولّى رئاسة الأركان العامة عام 2020 في سياق تفاهمات معقّدة هدفت إلى تقليص الانقسام بين الشرق والغرب.
تميّز الحداد بخطاب مؤسساتي، وابتعد – نسبياً – عن الاستقطاب الحاد، وسعى إلى تثبيت فكرة الجيش ككيان وطني لا كأداة سياسية. كان الرجل يُنظر إليه باعتباره “صمام توازن” أكثر منه قائداً صدامياً، وهو ما جعله مقبولاً – أو محتمَلاً – لدى أطراف متناقضة، ومزعجاً في الوقت نفسه لكل من يتغذّى على الفوضى.
الرواية الرسمية للحادث وحدودها
بحسب المعطيات المعلنة، تحطّمت الطائرة التي كانت تقلّ الحداد وعدداً من كبار الضباط أثناء عودتهم من زيارة رسمية إلى تركيا، بعد فقدان الاتصال بها.
التحقيقات الأولية تحدثت عن خلل فني، مع فتح تحقيق تركي واسع شمل فحص الصندوق الأسود. غير أن السياسة لا تُدار فقط بالوقائع التقنية، بل أيضاً بالسياق.
وسياق الحادث – مكاناً وتوقيتاً وهويةً – جعل الرواية التقنية غير كافية لإغلاق باب الأسئلة.
الصدمة الداخلية: إجماع ظاهري وقلق عميق
داخلياً، توحّدت البيانات وتفرّقت النوايا. نعي رسمي، حداد معلن، وتعازٍ متبادلة بين خصوم الأمس. لكن خلف هذا الإجماع الشكلي، يطفو قلق حقيقي من فراغ قيادي في مؤسسة لم تُستكمل بنيتها بعد.
غياب الحداد يفتح الباب أمام:
ـ صراع ناعم على رئاسة الأركان.
ـ إعادة إحياء خطوط الانقسام داخل الجيش.
ـ تمدّد قوى مسلحة خارج الإطار المؤسسي.
وهو ما يجعل السؤال المركزي: هل تستطيع المؤسسة العسكرية احتواء الصدمة أم ستتحول الصدمة إلى مدخل لتفكك جديد؟
ردود الفعل الخارجية: تضامن محسوب وانتظار ثقيل
إقليمياً ودولياً، حضرت لغة التعزية والدعوة إلى التهدئة وانتظار نتائج التحقيق. تركيا شددت على الشفافية، فيما عبّرت أطراف دولية عن قلقها على استقرار ليبيا. لكن خلف اللغة الدبلوماسية، ثمّة إدراك واضح بأن غياب الحداد قد يعيد خلط أوراق:
ـ التنسيق العسكري الليبي – التركي.
ـ مسار توحيد المؤسسة العسكرية.
ـ توازن النفوذ الإقليمي داخل ليبيا.
بمعنى آخر، لم يكن الحداد مجرد مسؤول ليبي، بل عقدة تقاطع في شبكة مصالح إقليمية.
من يستفيد؟ سؤال السياسة المحرِج
من دون توجيه اتهام مباشر، يمكن رصد دوائر استفادة واضحة:
ـ مراكز قوى داخلية رأت في الحداد عائقاً أمام صعودها.
ـ الميليشيات التي يتعارض وجودها مع أي جيش موحد.
ـ قوى سياسية تعيش على إطالة المرحلة الانتقالية.
ـ أطراف إقليمية لا يريحها قيام جيش ليبي موحد بقرار سيادي.
ـ لاعبون دوليون يفضّلون إدارة الأزمة على حلّها.
الاستفادة هنا لا تعني بالضرورة التورط، لكنها كافية لجعل الحادث حدثاً سياسياً بامتياز، لا مجرد مأساة جوية.
السيناريوهات المفتوحة
ـ الاحتواء السريع: تعيين قيادة توافقية، وحماية مسار توحيد الجيش.
ـ التآكل البطيء: صراع نفوذ غير معلن يشلّ المؤسسة.
ـ الانتكاسة الكاملة: عودة الانقسام العسكري وما يرافقه من فوضى أمنية وسياسية.
السيناريو الأول يتطلب قراراً سياسياً شجاعاً. الثاني هو الأسهل. أما الثالث فهو الأخطر والمطلوب كما يبدو أكثر.
سواء كان سقوط الطائرة حادثاً تقنياً خالصاً أم مدبرا، فإن مقتل محمد علي الحداد كشف هشاشة اللحظة الليبية. لقد سقط رجل كان يمثّل فكرة الدولة داخل مؤسسة لم تُحسم هويتها بعد.
الاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل تتحول الصدمة إلى فرصة لتحصين ما تبقّى من الدولة، أم إلى ذريعة جديدة لدفن مشروع الجيش الوطني؟.
في ليبيا، ليست المآسي هي الخطر… بل في كيفية توظيفها.
_____________