الهادي بوحمرة
منذ صدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم (289) لسنة 1949، وليبيا ما تزال في رحلة البحث عن دستور يُقرّه الشعب الليبي باستفتاء عام، حيث إن الدستور المقر من الشعب في التجربة الليبية لم يكن مجرد نص قانوني غائب، بل أصبح علامة رمزية تختزن مسارا طويلا من استبعاد الإرادة الشعبية وفرض الإرادة السلطوية؛ أيا كان الشكل الذي تتمظهر من خلاله، وسواء كانت هذه الإرادة تتمثل في إرادة الأعيان، أو إرادة القائد، أو إرادة المتنفذين عسكريا، أو جهويا.
ولو حاولنا قراءة المسار الليبي من قبيل الاستقلال إلى اليوم، فإننا من الممكن أن نتوصل إلى دلالات عميقة لهذا الغياب تتعلق بحقيقة وطبيعة السلطة التي تعاقبت على أمر البلاد.
فقبل الاستقلال تألفت الجمعية التأسيسية باختيار من الزعماء، لا عن طريق الانتخاب، وهي الجمعية التي أقرت دستورا دون استفتاء شعبي قائم على الملكية، والفيدرالية، وثنائية السلطة التشريعية (مجلس النواب ومجلس الشيوخ)، وثنائية العاصمة (طرابلس وبنغازي).
وقد كانت ظروف دولية وداخلية آنذاك، وأولوية الاستقلال التي تقدمت على أولوية المشاركة الشعبية من أهم مبررات استبعاد اللجوء إلى الشعب بالانتخاب أو بالاستفتاء.
وبعد ما يزيد على عقد من الزمن، قامت السلطة التي نشأت بموجب النص بتعديل النص، وسحب إحدى أهم ركائزه وهو النظام الفيدرالي، فلم تعد ليبيا ثلاث ولايات بل عشر مقاطعات ثم عشر محافظات، وأصبحت الدولة هي المملكة الليبية بدل المملكة الليبية المتحدة، وذلك بموجب القانون رقم (1) لسنة 1963م. وهو ما تكرر فيه غياب الشعب الليبي.
توالت بعد ذلك الإعلانات التي حُكمت بها البلاد، فكانت البداية بالإعلان الدستوري لسنة 1969، الذي قطع وعدا غير محدد الميعاد بإصدار دستور دائم للبلاد، وذلك بنصه في ديباجته على أن يكون هذا الإعلان (أساسا لنظام الحكم في مرحلة استكمال الثورة الوطنية الديمقراطية. وحتى يتم إعداد دستور دائم يعبر عن الإنجازات التي تحققها الثورة ويحدد معالم الطريق أمامها).
ومضت السنون، وبدل إصدار الدستور الدائم، كان استبدال قول السلطة بقول السلطة، لا بقول الشعب، وكان التحول من الإعلان الدستوري إلى إعلان سلطة الشعب سنة 1977م، وليقترن فيما بعد بوثائق أخرى حاكمة منها إعلان الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان، ووثيقة الشرعية الثورية، وبعدد من القوانين الأساسية، وبدل إصدار الدستور اختفى مصطلح الدستور، وصُنف في فترة من الزمن بأن وجوده لا يتفق مع فلسفة النظام السياسي.
ومن نتائج ذلك أن أعيد تنظيم المحكمة العليا بالقانون6/ 1982م والذي نزع منها اختصاصها بالنظر في دستورية القوانين، وكان من الواجب الانتظار حتى صدور القانون رقم 17/ 1423 «1994م»، ليظهر مصطلح الدستور في منظومة التشريعات الليبية من جديد، ويعاد للمحكمة العليا بدوائرها مجتمعة الاختصاص في نظر الطعون بعد الدستورية، دون أن يكون للبلاد دستور بالمعنى التقليدي.
ثم حدث التغيير المهم في التفكير السائد في تلك الفترة بتأليف لجنة لإنجاز مشروع للدستور في أواخر العشرية الأولى من الألفية الثالثة، إلا أن المسودات تعددت، والتردد كان واضحا، ولم تصل البلاد إلى نقطة الحسم ولم يطرح لا على الشعب لا في صورة المؤتمرات الشعبية ولا عن طريق الاستفتاء، واستمر النص الدستوري رافضا أن يُكتب، إلى أن قطع هذا المسار نهائيا بالتحول الجذري في حكم البلاد.
عادت البلاد من جديد للحكم بالإعلان الدستوري لسنة 2011م وتعديلاته المتكررة والتي مثلت قول السلطة الجديدة، وقد تضمن هذا الإعلان الأخير خارطة واضحة للتحول من حكم الإعلانات إلى حكم الدستور الدائم، وتنفيذا لهذه الخارطة المحددة والواضحة والمعقدة تم الاحتكام إلى الشعب سنة 2014 بانتخاب الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور، وهو انتخاب بدا معه وكأن ليبيا تقترب من لحظة التأسيس الحقيقي، فقد باشرت الهيئة عملها وأنجزت المشروع، وصدر بعده قانون الاستفتاء عليه رغم العقبات الممنهجة.
فمن اشتراط التوزيع المتساوي للأقاليم الثلاثة، إلى اشتراط أن تتخذ الهيئة قرارها بأغلبية معززة تزيد على ثلثي أعضائها، إلى شرط التوافق مع المكونات اللغوية والثقافية، إلى وجوب إقرار المشروع بأغلبية ثلثي المقترعين، إلى اشتراط الأغلبية المنفصلة في كل إقليم الوارد في قانون الاستفتاء.
فمع أن الشعب استُدعي انتخابيا لكنه حُوصِر إجرائيا، وهو ما شكل مفارقة بين الصورة والمضمون، حيث إن كل التقسيمات والاشتراطات لم تكن سوى رموز لممانعة لولادة الإرادة الشعبية الجديدة.
ومع تجاوز كل العقبات وتوافر الاشتراطات بإقرار الدستور من الهيئة التأسيسية بأغلبية مزدوجة، أغلبية موصوفة على مستوى أعضاء الهيئة، وأغلبية على مستوى أعضاء كل منطقة انتخابية على حدة، وصدور قانون الاستفتاء وإحالته على المفوضية للتنفيذ.
إلا أن صناديق الاستفتاء لم تفتح أمام الليبيين بفعل القوى المتنفذة داخليا، ونكوص السلطات القائمة عن تنفيذ التزامها بموجب النص الذي أنشأها، وبدعم من البعثة الأممية التي يقوم ميثاقها الحاكم على حق الشعوب في تقرير مصيرها.
ولما لم يجر الاستفتاء، لُجئ مجددًا إلى الحلول السياسية عبر البعثة الأممية، فتم إنتاج شرعية جديدة قوامها الإعلانات والاتفاقات المؤقتة والحوارات المصطنعة، واستُبعدت شرعية الشعب مرة أخرى، وهو الأمر الذي نقل مركز إنتاج الدلالة من الإرادة الوطنية إلى الإرادة المفروضة.
وتحول بذلك النص الذي حل محل الدستوري إلى نص عابر للسيادة، يُكتب بيد محلية تحت توجيه رمزي خارجي، وبذلك تكرس غياب الشعب وغياب النص المؤسس مرة أخرى، وحل الحديث عن القاعدة الدستورية المؤقتة محل الاستفتاء على نص أنتجته هيئة منتخبة.
ومن غرابة هذا المسار الشائك والذي قام على تكرار قول السلطة بموجب الإعلانات المتتالية وتعديلها أنه لم يكن من صنع وتبرير القوى السياسية والنفوذ الدولي فقط، بل بدعم عميق من نخب سياسية وقانونية ركنت إلى قول السلطة بدل قول الشعب.
فمنهم من رأى أن الوقت غير مناسب، وأن قول السلطة يجب أن يمتد إلى أجل أبعد، ومنهم من كان يقيس الديمقراطية على مقاسه، فإن وافقته كانت صالحة، وإن خالفته فلتذهب إلى الجحيم، ومنهم من تذرع بالبحث عن المثال، وزرع الشك في طريق الممكن، وحول بذلك المثال إلى ذريعة لتعطيل الواقع، والمثالية إلى رمز للاستعلاء على الإرادة الشعبية،
فالأمر في مجمله لم يكن مجرد اختلافات فكرية، بل كان عبارة عن تجليات لاحتكار المعنى، حيث وضعت نخبة نفسها مفسرا للنص وباحثا عن الشياطين في تفاصيله قبل أن يُولد، وكررت بذلك سلوك السلطة التي تنتقدها، وأعادت إنتاج الغياب ذاته الذي كانت تزعم أنها كانت تقاومه.
وبهذا تداخلت مواقف القوى النافذة داخليا والقوى الخارجية ومواقف النخبة تداخلا غريبا ساهم في استمرار غياب المسطرة التي يضعها الشعب لتحديد خطوط المجتمع وحدوده والتي تقاس بها الشرعية ويضبط بها المعنى.
وبررت منع إقرار النص الأسمى الذي تتكلم به الدولة عن نفسها، وتخاطب به المجتمع الدولي ومواطنيها من الشعب في استفتاء عام والذي من دونه تتعدد الألسن السياسية والاجتماعية والاقتصادية وتتضارب الرموز، وكانت النتيجة غياب قانون القوانين الذي يمنح للنظام معناه ويضع للسلطة ضوابطها، وللحقوق مكانها في البنية الرمزية للدولة.
وهكذا استمر المجتمع والدولة في انتظار ميلاد علامة السيادة العليا والرمز الأكبر المتمثل في الدستور الدائم.
_____________
