الحبيب الأسود
خمس سنوات مضت على تولي المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنية الحكم لكن الانقسام تعمق والأزمات تفاقمت، فيما بقي الشعب الليبي يدفع الثمن من أمنه ومعيشته.
قبل خمس سنوات، في الخامس عشر من آذار/مارس 2021، أدى المجلس الرئاسي الليبي الجديد برئاسة محمد المنفي اليمين أمام المحكمة الدستورية في طرابلس. شدد المنفي على ضرورة أن تكون السلطة التنفيذية نواة للمصالحة الوطنية، وقال بصوت واثق: “هذا اليوم هو نصر للشعب الليبي”.
في اليوم ذاته كان عبدالحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية المكلفة بإدارة المرحلة الانتقالية وصولاً إلى انتخابات مقررة نهاية العام، يؤدي اليمين القانونية أمام مجلس النواب في مدينة طبرق: “أقسم بالله العظيم أن أؤدي مهام عملي بكل أمانة وإخلاص، وأن أعمل على تحقيق أهداف ثورة 17 فبراير، وأن أحترم مبادئ الإعلان الدستوري، وأن أرعى مصالح الشعب رعاية كاملة، وأحافظ على استقلال ليبيا ووحدة أراضيها”.
رئيس مجلس النواب عقيلة صالح قال بكثير من التفاؤل: “بقسم اليمين الدستورية أنجزنا التزاماً دستورياً، وخطوة أساسية لتمكين حكومة الوحدة الوطنية من مهامها”. وأضاف: “حان الوقت لنتصافح ونتسامح… حيث ما تحقق اليوم جاء بعد سنوات طويلة من الانقسام وبعد شهور طويلة من التشاور والتحاور، لنشهد ميلاد حكومة واحدة تقوم على رعاية الليبيين”، مردفاً: “لنتجاوز الماضي ونتطلع إلى المستقبل، ونبني الدولة وفق عملية انتخابية، وإتاحة الفرص للجميع دون تهميش أو إقصاء”.
جاءت السلطات التنفيذية الجديدة على إثر انتخابات انتظمت في الخامس من شباط/فبراير 2021 وشارك فيها بالتصويت 73 عضواً بملتقى الحوار السياسي، وذلك في ظل ظروف سيطرت عليها شبهات الفساد وشراء الأصوات في مزاد علني تحدثت عنه التقارير الإعلامية وأثبتته تقارير الخبراء الأمميين.
مبدئياً كان الاتفاق على أن تتولى القائمة الفائزة بالتصويت إدارة شؤون البلاد مؤقتاً حتى إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في 24 كانون الأول/ديسمبر 2021.
المقربون من فريق الدبيبة كانوا يؤكدون أن مشروعه هو الاستمرار في الحكم لمدة لا تقل عن عشرين عاماً. هو لا يمثل نفسه في ذلك وإنما أسرته التي طالما ارتبطت مصالحها بمقاليد السلطة في خيمة القذافي، ومدينته التي كانت المستفيدة أكثر من غيرها خلال كل العهود، وطبقة رجال الأعمال وكبار التجار وممثلي الشركات العابرة للقارات الملتحمين مع لوبيات الفساد في تشابك مع مصالح أمراء الحرب وقادة الميليشيات.
كان أول رهان على الدبيبة أن يكسبه هو أن يطيح بالاتفاق السياسي، وأن يدفع نحو إفشال خطة الأمم المتحدة لتنظيم انتخابات بعد ثمانية أشهر من توليه الحكم، وأن يفلح في تأبيد الأزمة وتعميق حالة الانقسام بما يساعد على إبقاء الأوضاع على ما هي عليه. لا شيء كان يهدد استمراريته في منصبه أكثر من التوصل إلى حل سياسي يعيد الهيبة إلى الدولة والسيادة إلى الشعب.
عندما تولى الدبيبة الحكم كانت هناك جملة من الأهداف التي ينادي الليبيون بتحقيقها، ومن بينها حل الميليشيات، وجمع السلاح المنفلت، وإجلاء المرتزقة والقوات الأجنبية عن البلاد، وإعادة توحيد مؤسسات الدولة وفي مقدمتها المؤسسة العسكرية، وتحقيق المصالحة الوطنية.
وكان الهدف الأكبر هو تنظيم الانتخابات بشقيها الرئاسي والبرلماني التي من المفترض أن تعيد الأمانة إلى الشعب ليختار بنفسه من يراه صالحاً لقيادة المرحلة القادمة. لكن لا شيء من ذلك حصل. تبين أن الأمر كان يتعلق بشعارات مولودة من رحم الوهم المعبّر عن فشل وعجز الأمم المتحدة ومن ورائها المجتمع الدولي.
بدأ الدبيبة عهده على رأس الحكومة بوضع قائمة بالدول والجماعات والأفراد الأكثر تأثيراً في الملف الليبي، ثم بالاتصال بالجميع من أجل تأمين موقعه. يمكن القول إنه أفضل من يجيد اللعب على التناقضات، ومن يقدم عروضاً لعقد الصفقات، ومن يلعب بالوقت على نطاق واسع ضماناً للبقاء في منصبه.
خلال السنوات الخمس الماضية اضطر السلوفاكي يان كوبيتش والأمريكية ستيفاني ويليامز والسنغالي عبد الله باتيلي إلى الاستقالة من إدارة البعثة الأممية، واستمرت الأوضاع الأمنية والسياسية على حالها بينما تردى الوضع المالي والاقتصادي إلى منحدر غير مسبوق خلال العقود الستة الماضية على الأقل.
بالتزامن مع مرور الذكرى الخامسة لوصوله إلى السلطة، أقرّ الدبيبة تعديلاً وزارياً شمل ثلاث عشرة حقيبة، محاولاً قطع الطريق أمام المبادرة الأميركية بتشكيل حكومة موحدة. رئيس المجلس الرئاسي أكد أن الحكومة تعد حكومة تصريف أعمال، وأن أي تعديل وزاري يجب أن يستند إلى توافق وطني واسع وأطر قانونية، مع تشاور ملزم بشأن حقيبتي الدفاع والخارجية.
وخاطب الدبيبة بالتشديد على أن “تشكيل الحكومات أو إجراء أي تعديل على بنيتها يخضع حصراً لما تنص عليه المرجعيات الدستورية الحاكمة، وعلى رأسها الاتفاق السياسي الليبي وملاحقه المضمنة في الإعلان الدستوري وتعديلاته”، انطلاقاً من أن الحكومات، وفق المرجعيات الحاكمة والأعراف الدستورية الراسخة، تفقد شرعيتها وتتحول إلى حكومات تصريف أعمال في حالتين:
سحب الثقة وفق الاشتراطات الدستورية، أو حدوث شغور في التشكيلة الوزارية الأساسية بعدد يساوي الثلث وفق نصوص الاتفاق السياسي، أو النصف في أحسن التفسيرات من التشكيلة الوزارية المعتمدة.
استطاع الدبيبة إقناع المنفي بأن المصلحة التي تجمع بينهما أهم من الاتفاق السياسي ومخرجات الإعلان الدستوري، ووافق على شرطه بأن لا يتم إحداث تغيير على رأس وزارات الداخلية والخارجية والدفاع.
بالنسبة للداخلية كان الدبيبة يسعى إلى استبعاد عماد الطرابلسي منها لفائدة أحد المقربين منه من مدينة مصراتة. الموضوع لم يكن سهلاً فشقيق الوزير عبدالله فراولة يتزعم قوة ميدانية كبرى وهي جهاز الأمن العام، وانتماؤه إلى الزنتان يحفظ جانباً مهماً من التوازنات المناطقية والجهوية والقبلية.
بالنسبة للخارجية يبدو أن رغبة الدبيبة في تعيين وليد اللافي على رأسها كان خطاً أحمر بالنسبة للمنفي ولأطراف أخرى، رغم أن اللافي هو المشرف الحقيقي على الوزارة ولكن من وراء الستار بالتنسيق مع إبراهيم الدبيبة ابن أخت رئيس الوزراء ومستشار الأمن القومي ورئيس حكومة الظل.
الوزراء المعينون لن يكونوا في الأخير أكثر من وكلاء وزارات ينفذون ما يطلب منهم. بينما تعلن الأمم المتحدة من خلال بعثتها عن مواصلة أعضاء الحوار المُهيكل مهامهم في اجتماعات وفرق عمل عبر الإنترنت لتحديد توصياتهم التي ستُقدم في ختام الحوار المقرر في يونيو المقبل.
لكن مع وجود حقيقة جوهرية وهي استمرار تدهور الأوضاع المالية والاقتصادية وتغول لوبيات الجشع والفساد، واستمرار نفوذ الميليشيات، وتركيز أصحاب القرار على أن التحدي الأبرز والأهم الذي يستحق أن يناضلوا من أجله هو كيف يعرقلون أي مشروع للحل السياسي سواء جاء من الداخل أو من الخارج، من الأمم المتحدة أو من الولايات المتحدة أو من الاتحاد الإفريقي، لأنهم بذلك فقط يضمنون الإبقاء على مفاتيح خزينة الدولة في جيوبهم، وعلى مطرقة القضاء بعيدة عنهم.
بعد خمس سنوات من تولي المجلس الرئاسي وحكومة الوحدة الوطنيين الحاليين الحكم، تعمق الانقسام واشتد الصراع واتسع الخلاف وتفاقمت الأزمات، لم يتحقق شيء من مخرجات ملتقى الحوار ولا من توصيات مجلس الأمن ولا من مبادرات البعثة ولا من تعهدات السلطات المنصّبة.
الشعب المنهك الذي يفترض أن يكون صاحب السيادة على أرضه وثرواته، هو الذي يدفع الثمن غالياً من الأزمات المتلاحقة التي يتم تصنيعها عمداً على مقاس المتشبثين بالكراسي إلى ما لا نهاية.
___________
