فرحات بولات
إن الطريق إلى السلام في ليبيا واضح، لكنه محفوف بالصعوبات؛ وسيتطلب شجاعة أكبر بكثير، وتوافقًا أوسع، والتزامًا أعمق مما أُظهر حتى الآن.
قد يسهم تجديد حظر السلاح المفروض على ليبيا في زيادة الضغط على الفصائل المتنافسة وداعميها الخارجيين، لكنه بمفرده لا يستطيع معالجة التحديات الجوهرية التي تواجهها البلاد، وأبرزها الهشاشة المستمرة والانقسامات العميقة داخل مؤسسات الدولة.
صوّت مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة مؤخرًا على تمديد تفويضه بتفتيش السفن المشتبه في انتهاكها حظر السلاح الدولي قبالة السواحل الليبية لمدة ستة أشهر. ويبرز هذا التمديد استمرار قلق المجتمع الدولي إزاء البيئة الأمنية الهشّة في الدولة الواقعة في شمال إفريقيا، وغياب التقدم نحو السلام والاستقرار.
وقد يعكس تجديد تفويض تفتيش السفن التزامًا دوليًا مستمرًا – ولو شكليًا – بالحد من تدفق الأسلحة غير المشروعة التي تغذي الصراع في ليبيا. ومن الناحية النظرية، ينبغي لتعزيز المراقبة البحرية أن يدعم مصداقية حظر السلاح، ويقيد الجهات الخارجية عن تزويد الفصائل المتنافسة بالسلاح، ويسهم في دفع ليبيا نحو استقرار مستدام.
غير أن الواقع يروي قصة مختلفة؛ إذ ظل الحظر طوال سنوات غير فعّال إلى حد كبير، حيث قامت جهات خارجية عديدة بتهريب الأسلحة والمعدات، بل وحتى المقاتلين الأجانب، إلى ليبيا عبر البحر والبر والجو من دون عواقب تُذكر.
وفي هذا السياق، يكتسب التمديد وزنًا ملتبسًا: فهو مهم رمزيًا، لكنه محدود الأثر عمليًا.
رمزية بلا تنفيذ
من الناحية السياسية، يسهم هذا الإجراء في الإبقاء على الضغط على الجهات المسلحة ورعاتها الأجانب، ويؤكد أن استقرار ليبيا لا يزال مدرجًا على جدول الاهتمام العالمي.
غير أن غياب آلية دولية صارمة للتنفيذ، وافتقار مجلس الأمن إلى وحدة حقيقية، يجعل من هذه التمديدات الدورية مجرّد إجراءات شكلية لا تحقق الكثير على أرض الواقع.
كما أن الانقسام الحاد في المشهدين الليبي والدولي يعني عدم وجود جهة واحدة “منفِّذة” راغبة أو قادرة على مساءلة منتهكي الحظر، ما يقوّض الجهود الرامية إلى تحقيق إصلاح مستدام في القطاع الأمني وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ولا سيما المؤسسات الأمنية.
ويتوقف الأثر العملي للتمديد في نهاية المطاف على كيفية تنفيذه. فعلى الرغم من أن عملية “إيريني” التابعة للاتحاد الأوروبي نفذت عمليات تفتيش بحرية، فإن فعاليتها ظلت محدودة، وغالبًا ما وُجهت إليها انتقادات بسبب نهجها غير المتوازن، إذ تركز على بعض الأطراف وتتغاضى عن أطراف أخرى تنتهك الحظر أيضًا.
ونتيجة لذلك، كان لاعتراض الشحنات في البحر تأثير هامشي فقط في الحد من تدفق الأسلحة غير المشروعة. وإلى جانب ذلك، فإن المراقبة البحرية لا تعالج سوى بُعد واحد من المشكلة؛ إذ لا تزال الحدود البرية لليبيا، ولا سيما الحدود الشاسعة مع مصر، إضافة إلى طرق الإمداد الجوية، توفر فرصًا كبيرة للتهريب. وتؤكد هذه المعطيات أن حظر السلاح لا يزال شديد الاختراق، وبعيدًا عن التطبيق الشامل.
الميليشيات، موازين القوة، وتسوية متعثرة
على الأرض، تسهم فجوات التنفيذ هذه في الحفاظ على توازن القوى القائم بين الفصائل المتناحرة في ليبيا. فالميليشيات المدججة بالسلاح، التي لا تزال قادرة على الحصول عليه عبر قنوات متعددة والمحميّة بالتطبيق الانتقائي للعقوبات، لا تملك حافزًا حقيقيًا لنزع سلاحها أو الاندماج في إطار وطني موحد.
ونتيجة لذلك، أخفق الحظر في دفع الجماعات المسلحة نحو تسوية سياسية جادة. وما تحتاجه ليبيا على وجه السرعة هو مؤسسة أمنية موحّدة وذات مصداقية، قادرة على فرض سلطتها، وتسريع عملية نزع السلاح، ووضع الميليشيات تحت مظلة عسكرية وطنية مهنية واحدة.
ومن دون وجود مثل هذه القوة، ستظل القيود الدولية سهلة الالتفاف، وسيبقى الانتقال السياسي الأوسع هشًا.
كما يسلط هذا التمديد الضوء على حدود قدرة النظام الدولي على إدارة الأزمات. فآليات العمل المتعددة الأطراف لا تزال قائمة، لكنها تعمل بالكاد، مدعومة بتوافق هش ومقيّدة بنقص الموارد، وضعف التنسيق، وغياب الوحدة السياسية الفعلية. والرسالة الموجهة إلى الفاعلين السياسيين والمسلحين في ليبيا تأتي بالتالي متناقضة: فالعالم يراقب، لكنه محدود الصبر والقدرة على التحرك الحاسم.
ومع ذلك، فإن إحراز تقدم حقيقي يتطلب أكثر من مجرد المراقبة. فتعزيز تنفيذ حظر السلاح، إلى جانب جهود نزع السلاح وتوحيد القوات الأمنية الليبية، قد يسهم في توفير الحد الأدنى من الشروط الأمنية اللازمة لإجراء انتخابات ذات مصداقية وحوار سياسي فعّال.
أما إذا استمرت هذه الثغرات، فستتشجع الميليشيات، وتتآكل الثقة العامة، ويصبح تحقيق مصالحة حقيقية أكثر صعوبة.
إن تمديد مجلس الأمن لتفويض تفتيش السفن قبالة السواحل الليبية خطوة ضرورية – تعبّر عن قلق دولي ونية معلنة. غير أن قيمتها الحقيقية تكمن في الفعل لا في التفويض. ولـكسر حلقة الجمود وانعدام الأمن، يتعين على المجتمع الدولي أن يتجاوز مجرد تجديد التفويضات، وأن يعالج الجذور الحقيقية لأزمة ليبيا: تشتت السلطة، والتدخلات الخارجية، وتمكين الميليشيات على حساب المؤسسات.
خطأ استراتيجي
قد يسهم تجديد حظر السلاح على ليبيا في زيادة الضغط على الفصائل المتنافسة وداعميها الخارجيين، لكنه وحده لا يمكنه معالجة التحديات الأساسية التي تواجهها البلاد، والمتمثلة في الهشاشة المستمرة والانقسامات العميقة داخل مؤسسات الدولة.
وكان التركيز الدولي المبكر على إجراء الانتخابات، من دون إرساء الأسس الصلبة اللازمة لحوكمة فعّالة، خطأً استراتيجيًا جوهريًا.
وفي المرحلة المقبلة، ستعتمد آفاق ليبيا لتحقيق سلام وأمن دائمين على مسار شامل للمصالحة وبناء مؤسسات قوية. وما لم تتجه ليبيا بحزم نحو الوحدة، وبناء المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، بدعم دولي متواصل ومنسق، فإن التمديدات المتكررة لحظر السلاح كل ستة أشهر، رغم أهميتها، ستظل مجرد إجراءات مؤقتة لا حلولًا عملية.
إن طريق السلام في ليبيا واضح لكنه محفوف بالتحديات؛ إذ يتطلب شجاعة وتوافقًا والتزامًا أكبر بكثير مما شهده المشهد حتى الآن. وفي غياب نهج شامل يعالج القضايا السياسية والاقتصادية والاجتماعية الكامنة، من المرجح أن تستمر حلقة الصراع والجمود، ما يقوض الآمال في قيام دولة ليبية مستقرة وموحّدة.
***
فرحات بولات هو باحث أول في مركز أبحاث (تي أر تي) ومتخصص في الجيوسياسة والأمن في شمال إفريقيا، مع تركيز خاص على ليبيا.
______________
