صلاح الهوني

الهاتف الذكي بالنسبة إلى كثير من الشباب الليبي أصبح اليوم أكثر من وسيلة اتصال؛ تحول إلى مكتب وجامعة وسوق ومختبر للأفكار.
منذ أكثر من عقد، ارتبط اسم ليبيا في الوعي العالمي بمفردات الحرب والانقسام والسلاح والفراغ السياسي. فكلما ذُكر اسمها حضرت صور الحكومات المتنافسة، والمؤسسات المنقسمة، والاتفاقات المؤجلة، والوساطات الدولية التي تبدأ بحماس وتنتهي غالبًا إلى طريق مسدود.
حتى بدا وكأن ليبيا أصبحت رهينة لصورة واحدة تختزل شعبًا بأكمله في أزمة سياسية مستمرة، ووطنًا يمتلك واحدة من أكبر الثروات الطبيعية في إفريقيا في نشرات الأخبار العاجلة.
لكن بعيدًا عن عدسات الكاميرات التي لا ترى إلا السياسة، كانت ليبيا الأخرى تنمو بصمت. ليبيا التي لا تتصدر نشرات الأخبار، بل تصنع مستقبلها في الجامعات، ومساحات العمل الناشئة، وورش الفنون، ومنصات التعليم الرقمي.
هناك جيل كامل لم يربط مستقبله بموعد الانتخابات أو بنتائج جولات الحوار، بل قرر أن يبني ما يستطيع بناءه بما يملك من معرفة وإبداع وإرادة.
ولعل السؤال الذي يستحق أن يُطرح اليوم لم يعد: متى تنتهي الأزمة الليبية؟ بل أصبح سؤالًا أكثر عمقًا: هل بدأ المجتمع الليبي يصنع مستقبله قبل أن تنهي السياسة خلافاتها؟
سنوات الأزمة، رغم خسائرها الكبيرة، دفعت قطاعًا واسعًا من الشباب إلى البحث عن أدوات جديدة للعمل خارج الأطر التقليدية. ومع تعثر المؤسسات وصعوبة الاقتصاد وتقلب الخدمات الأساسية، لم يكن أمام كثير منهم سوى الابتكار بوصفه وسيلة للبقاء، ثم وسيلة لصناعة المستقبل.
وهكذا بدأت تظهر شركات ناشئة، ومنصات للتعليم الإلكتروني، وخدمات رقمية، ومشروعات للتجارة الإلكترونية، وحلول تعتمد على التكنولوجيا لمعالجة مشكلات يومية كان يُعتقد سابقًا أنها لا تُحل إلا عبر مؤسسات الدولة.
ولم تكن هذه المبادرات مجرد أنشطة اقتصادية، بل حملت رسالة أعمق مفادها أن المجتمع قادر على إنتاج البدائل عندما تعجز السياسة.
لقد أصبح الهاتف الذكي بالنسبة إلى كثير من الشباب الليبي أكثر من وسيلة اتصال؛ تحول إلى مكتب، وجامعة، وسوق، ومختبر للأفكار. ومن خلاله انطلقت مشاريع تقدم خدمات تعليمية، وأخرى تربط المنتجين بالمستهلكين، وثالثة تتيح العمل عن بُعد مع شركات إقليمية ودولية.
هذه التحولات تكشف أن التكنولوجيا لم تعد رفاهية في ليبيا، بل أصبحت أداة لإعادة بناء المجتمع. فهي تمنح الشباب فرصة للتواصل مع العالم دون أن يغادروا مدنهم. وفي زمن الاقتصاد الرقمي، تصبح المعرفة والاتصال العالمي موردًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن النفط أو الموانئ.
ومن هنا، فإن مستقبل ليبيا الاقتصادي لن يتحدد فقط بحجم إنتاجها النفطي، وإنما أيضًا بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير الاقتصاد الرقمي، والاستثمار في الابتكار.
غير أن بناء المستقبل لا يقتصر على التكنولوجيا، فالمجتمعات الخارجة من الحروب تحتاج إلى إعادة بناء الإنسان بقدر حاجتها إلى إعادة بناء الاقتصاد. وهنا يأتي الدور العميق للفنون والثقافة، بوصفهما لغة مشتركة تستطيع أن تجمع ما فرقته السياسة.
فالحروب لا تهدم المباني فقط، بل تترك جروحًا في الذاكرة الجماعية، وخطابات الكراهية قد تستمر سنوات إذا لم تجد خطابًا ثقافيًا جديدًا يعيد تعريف العلاقة بين المواطنين.
لقد أصبحت الأعمال الفنية التي ينتجها الشباب الليبي تتحدث عن الحياة أكثر مما تتحدث عن الحرب، وعن المستقبل أكثر مما تتحدث عن الماضي. وهي بذلك تؤدي وظيفة وطنية لا تقل أهمية عن أي مشروع سياسي، لأنها تعيد بناء الثقة بين الليبيين، وتقدم للعالم صورة أخرى عن ليبيا، صورة لا تختزلها البنادق، بل يصنعها الإبداع.
وليس من قبيل المصادفة أن يصل عدد من الفنانين والمخرجين والمصورين الليبيين إلى مهرجانات ومحافل دولية، حاملين أعمالًا تعكس قدرة المجتمع على إنتاج الجمال رغم قسوة الواقع. فالقوة الناعمة تبدأ دائمًا من الثقافة، لأنها اللغة التي تعبر الحدود دون تأشيرة.
وإذا كانت التكنولوجيا تعيد بناء الاقتصاد، فإن التعليم يبقى الاستثمار الوحيد القادر على ضمان استدامة هذا البناء. فالنفط يستطيع أن يمول التنمية، لكنه لا يستطيع أن يصنع العقول التي تديرها، أما التعليم فهو الذي يخلق الإنسان القادر على تحويل الثروة إلى حضارة.
ومن حسن الحظ أن السنوات الأخيرة شهدت تنامي مبادرات شبابية لتطوير التعليم عبر المنصات الرقمية، والدورات التدريبية، وبرامج البرمجة واللغات والمهارات الرقمية، إضافة إلى مبادرات تطوعية تستهدف الأطفال والطلاب في مختلف المدن الليبية.
ورغم أن هذه المبادرات تبدو متواضعة مقارنة بمشروعات الدول الكبرى، فإن قيمتها الإستراتيجية كبيرة، لأنها تؤسس لثقافة جديدة تقوم على التعلم المستمر واكتساب المهارات والاعتماد على المعرفة باعتبارها الطريق الأكثر أمانًا نحو المستقبل.
ولعل أكثر ما يبعث على التفاؤل أن هذا الجيل لا يتحرك بمنطق الانقسام الذي حكم الحياة الليبية طوال السنوات الماضية، بل بمنطق الشبكات والتعاون والعمل المشترك.
ففي فضاءات التكنولوجيا والفنون والتعليم تتراجع الهويات الضيقة لصالح هوية أوسع عنوانها الكفاءة والإنجاز، وهناك يبدأ الليبيون في اكتشاف أن ما يجمعهم أكثر بكثير مما يفرقهم.
ومن هذه النقطة تحديدًا تبدأ صورة ليبيا الجديدة في التشكل. فالعالم لا ينظر إلى الدول من خلال بيانات حكوماتها فقط، بل أيضًا من خلال ما ينتجه مجتمعها من معرفة وثقافة وابتكار.
وكل شركة ناشئة تنجح، وكل فيلم يحصد جائزة، وكل منصة تعليمية تصل إلى آلاف الطلاب، وكل مشروع تقني يخلق فرص عمل، يضيف لبنة جديدة في الصورة الدولية لليبيا.
ولا يقتصر أثر هذا التحول على تحسين السمعة، بل يمتد إلى الاقتصاد أيضًا. فالدول التي تُعرف بالإبداع والاستقرار تجذب المستثمرين والشراكات، وتصبح أكثر قدرة على الاندماج في الاقتصاد العالمي، بينما تدفع الدول التي تبقى أسيرة صورة الحرب ثمنًا مضاعفًا حتى عندما تبدأ أوضاعها بالتحسن.
ولهذا فإن المبادرات الشبابية ليست مجرد قصص نجاح فردية، بل استثمار استراتيجي في القوة الناعمة الليبية وإعادة بناء الثقة بين الداخل والخارج.
فكل شاب يؤسس مشروعًا، أو يطور تطبيقًا، أو ينتج عملًا فنيًا، أو يطلق منصة تعليمية، لا يبني مستقبله الشخصي فقط، بل يشارك في إعادة تعريف بلاده أمام العالم.
وبينما تستمر السياسة في البحث عن تسوياتها، بدأ المجتمع ينسج بهدوء خيوط مستقبل مختلف. وربما يكون هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه التجربة الليبية:
أن الدولة لا تُبنى بالاتفاقات والمؤتمرات وحدها، بل أيضًا بالأفكار، والعلم، والثقافة، والإنسان الذي يرفض الاستسلام للأزمة.
لقد اعتاد الليبيون انتظار الحلول من الخارج أو من قاعات التفاوض، لكن ما يحدث اليوم يقول إن الحل قد يكون أقرب مما نظن؛ في جامعة، أو شركة ناشئة، أو مسرح، أو مختبر، أو منصة تعليمية أسسها شباب قرروا أن يبدأوا قبل أن تأتي اللحظة المثالية.
إن جيل ما بعد الأزمة ليس امتدادًا للأزمة، بل قطيعة معها. إنه الجيل الذي لا يرى في ليبيا ساحة صراع، بل مساحة للإمكانات، ويؤمن بأن المستقبل لا يُورث، بل يُصنع.
وحين ينجح هذا الجيل في ترسيخ مشروعه، فلن يكون قد أنقذ نفسه وحده، بل سيكون قد أنقذ ليبيا كلها، وحولها من بلد ارتبط طويلًا بأخبار الانقسام، إلى وطن يُعرف بالأمل والإبداع، وبشباب اختاروا أن يبنوا الدولة… حتى قبل أن تنجح السياسة في بنائها.
___________
