رضوى الشريف

دخلت الأزمةُ الليبيةُ منذ تعثُّر انتخابات ديسمبر 2021 في حالةٍ مُمْتَدَّةٍ من الانسداد السياسي، استقرَّتْ خلالها ازدواجية السلطة التنفيذية، واستمرَّتْ المؤسسات القائمة دون تجديد شرعيتها انتخابيًّا، فيما احتفظت القوى السياسية والعسكرية بقدرتها على التأثير في أيِّ ترتيبات تستهدف إعادة تشكيل السلطة.
ولكن شهد عام 2026 تصاعُدًا في التحرُّكات الرامية إلى كسْر هذا الجمود، بالتزامُن مع ارتفاع كُلْفَة استمرار الانقسام سياسيًّا واقتصاديًّا وأمنيًّا، وتزايُد اهتمام القوى الدولية بإعادة توحيد مؤسسات الدولة.
أَنْتَجَ هذا الحراك ثلاث مسارات رئيسية تلتقي عند أهداف توحيد المؤسسات وإنهاء المرحلة الانتقالية والوصول إلى الانتخابات، وتختلف في الطريق المؤدي إليها؛ حيث تقود بعثة الأمم المتحدة خريطة طريق تتفرع منها آليات عدة، من بينها الحوار المُهَيْكل والاجتماع المُصَغَّر «4+4»، الذي انتهى إلى توقيع اتفاق نهائي في 30 أغسطس 2026.
وتدفع الولايات المتحدة بمبادرة يقودها مسعد بولس تُركِّزُ على توحيد السلطة من خلال التفاهُم مع مراكز القوة في الشرق والغرب، بينما طرحت رئاسات مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة والمجلس الرئاسي مبادرة تستند إلى المؤسسات القائمة وتحدد فبراير 2027 سقْفًا لإجراء الانتخابات.
وتنْبُعُ أهمية هذه الورقة من أن كثافة المبادرات الراهنة تعكس تحوُّلًا في طريقة إدارة التسوية الليبية؛ فالتقارب في الأهداف يقابله اختلاف في ترتيب الأولويات، وطبيعة الفاعلين، ومصادر الشرعية، وأدوات التنفيذ، إضافةً إلى تفاوت المواقف الدولية تِجَاه كل مقاربة.
وعليه، تبحث الورقة خريطة المبادرات القائمة، وأوْجُه التبايُن بينها، وخصوصية اتفاق «4+4» وما أثاره من تحفُّظات مؤسسية، ثُمَّ تناقش مآلات استمرار هذه المسارات وحدود تكامُلها خلال المرحلة المقبلة.
أولًا: خريطة مبادرات ومسارات التسوية الراهنة
تعكس المبادرات المطروحة حاليًا محاولات مختلفة لتحريك عملية سياسية ظلَّتْ لسنوات تدور حول القضايا نفسها دون الوصول إلى الانتخابات، ويمكن عرْضُهَا كالآتي:
1- المسار الأممي وخريطة الطريق
أعلنت الممثلة الخاصَّة للأمين العام للأمم المتحدة هانا تيتيه خريطة الطريق في أغسطس 2025، وربطت فيها بين تهيئة إطار قابل للتنفيذ للانتخابات، وتوحيد المؤسسات، وإطلاق حوار أوسع لمعالجة قضايا الحوْكَمَة، والأمن، والاقتصاد، والمصالحة، وانطلق الحوار المُهَيْكل في ديسمبر 2025 بمشاركة طيْفٍ واسعٍ من الشخصيات والقوى الليبية، واختتم أعماله في يونيو 2026 بمجموعةٍ من التوصيات المتعلقة بالملفات السياسية، والمؤسسية، والأمنية، والاقتصادية.
وضمن الخريطة نفسها، أنشأت البعثة الاجتماع المصغر «4+4» بعد تعثُّر مجلسيْ النواب والدولة في إنجاز أول خطوتيْن من المسار، والمتعلقتيْن بإعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات ومعالجة القضايا الخلافية في الإطار القانوني للانتخابات، وضمَّتْ المجموعة ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة، إلى جانب أعضاء من مجلسيْ النواب والدولة.
وبدأت اجتماعاتها في أبريل 2026، ثُمَّ وقَّعَ المشاركون الاتفاق بالأحرف الأولى في تونس في 20 أغسطس، قبْل توقيعه النهائي في طرابلس في 30 أغسطس، وعلى هذا الأساس، يُمثِّلُ «4+4» آلية داخل خريطة تيتيه لمعالجة جزءٍ مُحدَّدٍ منها، وليس مسارًا منفصلًا عن المبادرة الأممية.
2- المبادرة الأمريكية بقيادة مسعد بولس
تصاعد الحضور الأمريكي في الملف الليبي خلال عام 2026 عبر تحرُّكٍ يقوده مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، ويُركِّزُ هذا المسار على إنهاء ازدواجية السلطة وتوحيد المؤسسات، من خلال تفاهُمٍ مباشرٍ بين القُوَى الأكثر تأثيرًا في الشرق والغرب.
وارتبطت التصوُّرات المتداولة للمبادرة بصيغةٍ تُعِيدُ ترتيب السلطة التنفيذية على أساس تفاهُمٍ بين معسكريْ رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبد الحميد الدبيبة (طرابلس)، والقائد العام للجيش الوطني الليبي، المشير خليفة حفتر (بنغازي)، مع طرْح اسم نائب القائد العام للجيش الوطني، صدام حفتر، في موقعٍ قياديٍّ داخل المجلس الرئاسي والإبقاء على الدبيبة في رئاسة حكومة مُوَحَّدَة.
وتزامنت هذه الاتصالات مع انخراط أمريكي في ملفات أخرى، شملت دعْم التوافُق على ميزانيةٍ مُوَحَّدَةٍ وتشجيع التعاون العسكري بين قوات من الشرق والغرب، وقدم بولس تحرُّكه باعتباره جهْدًا داعمًا للمسار الأممي، مع تركيزه على توحيد المؤسسات وتهيئة بيئة سياسية تسمح بإجراء الانتخابات.
3- مبادرة الرئاسات الثلاث
في 18 يونيو 2026، أعلن رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي خريطة طريق تستهدف إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة في موعد أقصاه 17 فبراير 2027، وربطت المبادرة الاستحقاق الانتخابي بتوحيد المؤسسات واستكمال ترتيبات سياسية واقتصادية ودستورية للمرحلة المقبلة.
وتستند المبادرة إلى دور المؤسسات القائمة في إدارة عملية الانتقال، وتتمسَّكُ بمرجعيات الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي والتفاهُمات السابقة بين مجلسيْ النواب والدولة، واستمرَّ العمل عليها بالتزامُن مع تقدُّم «4+4»؛ إذ ناقش المنفي وعبد الله اللافي وتكالة في 24 أغسطس آليات تفعيلها وتحويلها إلى برنامج عمل، بما أكَّدَ استمرارها كمسارٍ قائمٍ رغْم التقدُّم الذي تحقَّقَ داخل الخريطة الأممية.
ثانيًا: أوْجُه التبايُن بين مقاربات التسوية
يتركَّزُ الاختلاف بين المبادرات في طريقة بناء التسوية أكثر من الغاية النهائية منها، ويمكن تحديد أوْجُه التبايُن في أربعة مستويات رئيسية، وهي كالآتي:
ترتيب عناصر التسوية: يعطي كل مسار أولويةً مختلفةً لنقطة البداية؛ حيث تُركِّزُ الخريطةُ الأمميةُ على إزالة العقبات التي تحُولُ دون الانتخابات وربْط ذلك بتوحيد المؤسسات، مع معالجة الملفات الأوسع من خلال الحوار المُهَيْكَل، وتبدأ المبادرةُ الأمريكيةُ من السلطة التنفيذية، انطلاقًا من أن استمرار حكومتيْن ومركزيْ قرارٍ يحُدُّ من إمكانية تنفيذ أيِّ مسارٍ انتخابيٍّ، في حين تعطي مبادرة الرئاسات الثلاث الأولوية لإعادة تفعيل المؤسسات القائمة وتمكينها من إدارة الانتقال وفْق المرجعيات القانونية النافذة.
ويعكس هذا الاختلافُ خِلَافًا حول تسلْسُل العملية؛ فالتوافُق على الانتخابات لا يحسم ما إذا كان إصلاح الإطار الانتخابي يسبق توحيد السلطة، أو ما إذا كانت الحكومة الموحدة شرطًا لإنجاز الاستحقاق، أو ما إذا كان ينبغي إبقاء إدارة المرحلة في يد المؤسسات القائمة، ويترتب على اختيار أيِّ تسلْسُل تحديد وزْن القوى المختلفة وموقعها في ترتيبات ما قبْل الانتخابات.
دوائر الفاعلين وصناعة التوافُق: تختلف المبادرات كذلك في تحديد الأطراف التي ينبغي أن تصنع التسوية؛ حيث تعتمد الأمم المتحدة على مستويات متعددة من المشاركة؛ توسع الدائرة في الحوار المُهَيْكَل وتضيقها عند معالجة العُقَد المحددة كما حدث في «4+4»، وتعطي المقاربةُ الأمريكيةُ أولويةً للقوى التي تمتلك موارد سياسية وأمنية تجعلها قادرةً على تنفيذ الاتفاق أو تعطيله، أمَّا مبادرة الرئاسات الثلاث فتتمسَّكُ بالمؤسسات المنبثقة عن الترتيبات الدستورية والسياسية القائمة.
ويكشف هذا التفاوت عن أحد أوْجُه الأزمة الليبية؛ فالشرعية المؤسسية والقدرة الفِعْلِيَّة على الأرض لا تجتمعان دائمًا لدى الأطراف نفسها.
مصادر الشرعية وأدوات التنفيذ: يستمد المسار الأممي ثقله من المظلَّة الدولية وقدرة البعثة على جمْع الأطراف وصياغة ترتيبات تحْظَى بدعم خارجي واسع، بينما تظلُّ قدرتها على فرْض التنفيذ محدودة وتعتمد على تعاون الفاعلين الليبيين، وتملك الولايات المتحدة نِطَاقًا أوسعَ من أدوات الضغط والحوافز السياسية والاقتصادية والعسكرية؛ ما يُعزِّزُ قدرتها على التعامُل مع مراكز القوة، لكنه يجعل نجاح مبادرتها مرتبطًا بتحويل التفاهُم على توزيع السلطة إلى مسارٍ ينتهي بتجديد الشرعية عبْر الانتخابات.
أمَّا مبادرة الرئاسات الثلاث فتستمد قوتها الأساسية من الصفة المؤسسية للجهات التي أطلقتها والمرجعيات القانونية التي تستند إليها، غير أن نفوذ المؤسسات القائمة لا يمتدُّ بالدرجة نفسها إلى كامل موازين القوة السياسية والعسكرية.
الظهير الدولي: تجمع الولايات المتحدة بين دعْم خريطة تيتيه وتحريك مبادرتها الخاصَّة؛ ما يعكس رغبةً في استخدام المسار الأممي والتواصُل المباشر مع القوى المؤثرة في الوقت نفسه.
ويميل الموقف الأوروبي إلى دعم المظلَّة الأممية، وقد ظهر ذلك في الترحيب بمخرجات «4+4» والدعوة إلى تحويلها إلى خطوات تنفيذية.
أمَّا روسيا فتمنح وزْنًا أكبرَ لدور المؤسسات والمرجعيات القائمة، وقد دعمت استمرار جهود البعثة والمجموعة المُصَغَّرة، مع التأكيد على ضرورة اعتماد أيِّ مخرجات داخل الإطار القانوني الليبي، كما أبدت موسكو موقفًا أكثر وضوحًا في دعم مبادرة الرئاسات الثلاث.
ثالثًا: خصوصية اتفاق «4+4» ومعضلة التوافُق المؤسسي
يكتسب اتفاق «4+4» خصوصيته من طبيعة الأطراف التي شاركت في إنتاجه ومن القضايا التي انتقل بها من دائرة الخلاف إلى صيغة توافقية؛ فقد وسَّعت البعثة الأممية دائرة التفاوض لتشمل ممثلين عن حكومة الوحدة الوطنية والقيادة العامة إلى جانب أعضاء من مجلسي النواب والدولة، بما جمع داخل آلية واحدة بين المؤسسات صاحبة الاختصاص والقوى التي تمتلك قدرة مباشرة على تنفيذ الترتيبات السياسية أو تعطيلها.
وتناول الاتفاق عددًا من القضايا التي ارتبط بها تعثُّر المسار الانتخابي منذ عام 2021، وشملت أبرز مخرجاته: إعادة تشكيل مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، ومعالجة المسائل الخلافية في القوانين الانتخابية، بما في ذلك شروط ترشُّح العسكريين ومزدوجي الجنسية، والفصل بين نتائج الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وإجراء الانتخابات خلال مدة لا تتجاوز 24 شهرًا في ظل سلطة تنفيذية واحدة ومؤسسات وطنية موحَّدة، فضلًا عن وضع آلية بديلة لاعتماد المخرجات إذا تعذَّر إقرارها من مجلسي النواب والدولة خلال المدة المحددة.
وتكشف هذه البنود أن «4+4» تجاوز معالجة تفاصيل فنية تتعلق بالانتخابات إلى قضايا تمسُّ توزيع الاختصاص بين المؤسسات وشكل المرحلة التي تسبق الاستحقاق؛ لذلك انتقل الخلاف بعد التوقيع من القدرة على التوصُّل إلى اتفاق إلى سؤال آخر يتعلق بمن يملك اعتماده وتحويله إلى قواعد نافذة.
وأظهر التوقيع النهائي في 30 أغسطس اتساع القبول بالاتفاق لدى عدد من مراكز القوة في الشرق والغرب؛ فقد رحَّب عبد الحميد الدبيبة بالمخرجات وربطها بإنهاء المراحل الانتقالية والوصول إلى الانتخابات، كما أعلن خليفة حفتر، إلى جانب أسامة حماد، دعمهم للاتفاق باعتباره خطوة لمعالجة العراقيل التي حالت دون إجراء الانتخابات.
غير أن هذا القبول لم يمتد بالدرجة نفسها إلى المؤسسات التي يرتبط بها اعتماد بعض المخرجات؛ فقد أكَّد المجلس الأعلى للدولة أنه لم يكن ممثلًا رسميًّا في المجموعة، وأن مشاركة أعضاء منه لا تمنحهم تفويضًا للتصرف في ملفات تدخل ضمن اختصاص المجلس، كما رفض محمد تكالة حضور مراسم التوقيع، مع تمسُّكه بالمسار الانتخابي وبالمرجعيات القانونية التي تنظّم العلاقة بين مجلسي النواب والدولة.
وبرز الإشكال نفسه داخل المجلس الرئاسي؛ فقد شارك موسى الكوني في مراسم التوقيع وأيد الانتقال إلى خطوات تقود إلى الانتخابات، بينما اتخذ محمد المنفي موقفًا أكثر تحفظًا تجاه آلية عمل المجموعة، وتمسَّك بضرورة احترام الإطار الدستوري والقانوني، وظهر الخلاف عمليًّا في ملف المفوضية.
أما عقيلة صالح، رئيس مجلس النواب، فاتخذ موقفًا أكثر مرونة؛ إذ لم يرفض الاتفاق، لكنه ربط التعامل مع مخرجاته بانسجامها مع الإعلان الدستوري والاتفاق السياسي والتشريعات النافذة، مع احتفاظ مجلس النواب بحق النظر فيها عند عرضها عليه.
ويتقاطع هذا التحفُّظ المؤسسي مع الموقف الروسي؛ فموسكو دعمت استمرار جهود بعثة الأمم المتحدة ولم ترفض عمل المجموعة المصغرة، لكنها شددت على ضرورة اعتماد مخرجاتها داخل الإطار القانوني الليبي، وأظهرت في الوقت نفسه ارتياحًا أكبر لمبادرة الرئاسات الثلاث.
وتأتي هذه المواقف في بيئة داخلية تشهد ضغطًا متزايدًا لإنهاء استمرار الأجسام الانتقالية؛ فقد شهدت طرابلس خلال أغسطس احتجاجات انطلقت على خلفية الأوضاع المعيشية والخدمية، واتسعت مطالبها لتشمل إجراء الانتخابات وإنهاء استمرار المؤسسات السياسية الحالية.
وبذلك تكشف مواقف الأطراف من «4+4» عن انقسام لا يتطابق مع ثنائية الشرق والغرب؛ فقد حظي الاتفاق بقبول قوى تنفيذية وعسكرية رئيسية في الجانبين، بينما تركزت أبرز التحفظات حول الاختصاص المؤسسي وطريقة اعتماد المخرجات.
رابعًا: مآلات تعدُّد المبادرات وحدود التكامل بينها
من المبكر اعتبار توقيع اتفاق «4+4» حاسمًا لاتجاه التسوية الليبية أو بديلًا عن المبادرات الأخرى التي ما تزال تتحرك في ملفات لم يعالجها الاتفاق، ويتوقف مسار المرحلة المقبلة على قدرة المؤسسات على استيعاب مخرجاته، والتوافق على سلطة تنفيذية موحدة، وموقف القوى المسلحة من ترتيبات السلطة، إلى جانب استمرار التوافق الدولي وتأثير عامل الزمن في حسابات الأطراف المحلية والخارجية.
وبناءً على تفاعل هذه المتغيرات، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
1- تسوية مركبة تقود إلى توحيد المؤسسات والانتخابات
يتحقق هذا المسار إذا نجحت الأطراف في تحويل مخرجات «4+4» إلى ترتيبات مقبولة مؤسسيًّا، وانتقلت المفاوضات إلى معالجة ملف السلطة التنفيذية دون إعادة فتح القضايا الانتخابية التي جرى التوافق عليها.
وفي هذه الحالة، يمكن أن تتقاطع وظائف المسارات القائمة بدل تنافسها؛ بحيث يوفر الاتفاق أساسًا انتخابيًّا، وتنتقل الخريطة الأممية إلى ملف توحيد المؤسسات، بينما تسهم القنوات الأمريكية في تقريب مواقف مراكز القوة حول شكل السلطة التنفيذية، وتشارك المؤسسات القائمة في منح الترتيبات سندها القانوني. غير أن نجاح هذه الصيغة يرتبط بالمسار الأمني بالدرجة نفسها التي يرتبط بها التوافق السياسي.
2- تقدُّم جزئي مع إطالة المرحلة الانتقالية
قد تتقدم بعض مكونات التسوية دون أن يقود ذلك إلى حسم شامل؛ فتُنفذ ترتيبات مرتبطة بالمفوضية أو القواعد الانتخابية، بينما يستمر الخلاف بشأن الحكومة الموحدة واختصاصاتها وطريقة تشكيلها. ويؤدي استمرار هذا النمط إلى الحفاظ على العملية السياسية دون إنهاء المرحلة الانتقالية، خاصة إذا تحول الخلاف حول السلطة إلى نقطة تعطيل جديدة.
3- مسار عودة التنافس بين المرجعيات وتفكك التفاهمات
يرتفع احتمال هذا المسار إذا فشل احتواء الخلاف حول شرعية مخرجات «4+4»، وتعثر تشكيل سلطة تنفيذية موحدة، بالتزامن مع احتمالية عودة الاشتباكات المسلحة أو حصول تحول في مواقف القوى الخارجية. وقد يظهر ذلك في صورة عودة تدريجية إلى تعدد الاتفاقات والقرارات المتعارضة، مع استمرار الحوار دون وجود مركز واحد لإنتاج التسوية.
وفي ضوء المعطيات الراهنة، يبدو مسار التقدم الجزئي المصحوب بمحاولات لبناء تسوية مركبة الأقرب في المدى المنظور؛ فقد أوجدت التحركات الحالية مساحة للتقاطع بين المسارات، لكن الانتقال إلى السلطة التنفيذية الموحدة واعتماد المخرجات مؤسسيًّا يظل الاختبار الأكثر حساسية.
ومن ثم، ستتحدد قيمة الزخم الراهن بقدرته على تحويل هذا التقاطع إلى ترتيب سياسي متسلسل ينتهي بالانتخابات، لا إلى مرحلة جديدة من إدارة الانقسام.
خاتمة
يشير تعدُّد المبادرات الراهنة إلى أن الأزمة الليبية لم تعد تعاني غياب مسارات التسوية بقدر ما تواجه صعوبة في جمعها داخل ترتيب سياسي قابل للتنفيذ. ورغم التقاء المسارات الأممية والأمريكية والمؤسسية عند الانتخابات وتوحيد الدولة، فإن اختلافها في ترتيب الأولويات ومصادر الشرعية والفاعلين المشاركين يجعل الانتقال من التوافق العام إلى التنفيذ هو الاختبار الأكثر صعوبة، وقد أبرز اتفاق «4+4» هذه المعضلة بوضوح؛ إذ نجح في تجاوز جانب من الانسداد، لكنه كشف في الوقت نفسه استمرار الخلاف حول الجهة التي تملك اعتماد التوافق وتحويله إلى قواعد نافذة.
وعليه؛ لن يتحدد مسار الأزمة بقدرة مبادرة بعينها على إقصاء المبادرات الأخرى، وإنما بإمكان بناء تسوية تستوعب ما أنجزته المسارات المختلفة وتربط التقدم السياسي بترتيبات مؤسسية وأمنية قابلة للاستمرار، ويظل عامل الزمن حاسمًا؛
فكلما تأخر الانتقال إلى السلطة الموحدة والانتخابات، زادت قدرة القوى المستفيدة من الوضع القائم على إعادة تنظيم مواقعها، وارتفعت احتمالات تغير البيئة الدولية التي دعمت التحركات الحالية.
ومن ثم، تمثل المرحلة التالية اختبارًا لقدرة تعدد المبادرات على التحول من وسيلة لكسر الجمود إلى مسار منظم لإنهاء المرحلة الانتقالية.
***
رضوى الشريف ـ منسق وحدة شؤون الشرق الأوسط
__________
مركز شاف لتحليل الأزمات والدراسات المستقبلية