كريمة ناجي
تتعرض مواقع ليبيا الأثرية النادرة للنهب والتخريب وقسوة المناخ وإهمال الدولة واليونيسكو وحدها لن تفعل كل شيء.
في ليبيا لم تأت ألسنة الحرب على المنشآت الأمنية والسياسية فحسب، بل امتدت نحو المواقع الأثرية التي لا تزال تصارع البقاء شاهدة على ذاكرة بلد يحاول ألا ينسى ذاته، بخاصة أن الحرب لم تكن وحدها تتربص بالمواقع الأثرية الليبية، بل أيضاً النهب وأعمال التخريب والتهريب والتغيرات المناخية وإهمال الدولة التي كان لها نصيب في تخريب مواقع أثرية عدة على غرار مدينة لبدة الكبرى ومدينة صبراتة الأثرية.
أعمال تدمير
ولم تنج مواقع “تادرارت أكاكوس” الصخرية جنوب البلد، التي تعود لآلاف السنين، هي الأخرى من التخريب والعبث، كذا تعرضت فسيفساء موقع “طلميثة” بدورها للتشويه بسبب إشعال النيران في المسرح الأثري التابع لها، وشهدت مجموعة من الأضرحة الصوفية والمواقع التاريخية أعمالاً تدميرية في مدن ليبية عدة على غرار زليتن ودرنة وزويلة وصرمان وصبراتة والعاصمة طرابلس التي تضرر بها مجسم الغزالة.
وتقول تقارير دولية، إن ليبيا تتوفر على 69 موقعاً أثرياً، غير أن عديد الدراسات تتحدث عن مواقع أثرية أخرى لم تكشف بعد، إذ يؤكد فريق تنقيب تابع لجامعة “لستر” البريطانية، أن 70 في المئة من الآثار الليبية لا يزال مطموراً” تحت مياه البحر المتوسط ورمال الصحراء.
ويذكر أن ليبيا تضم خمسة مواقع مدرجة بصفة نهائية على قائمة التراث العالمي، وهي لبدة الكبرى، وصبراتة (غرب)، وشحات (شرق)، وتادرارت أكاكوس ومدينة غدامس القديمة (جنوب غرب).
وأدرجت ليبيا خلال الشهر الجاري، موقعين جديدين على القائمة التمهيدية لـ“اليونيسكو“، وهما:
- الجامع العتيق بأوجلة (مسجد تاريخي في واحة أوجلة يعرف بقبابه المخروطية التي تعود لقرون قديمة)،
- وقصر الحاج (عبارة عن حصن تاريخي في الجبل الغربي لليبيا على شكل عمارة دفاعية وتخزينية تقليدية)،
لتضم القائمة بذلك سبعة مواقع مرشحة كتراث عالمي، إذ سبق وأدرجت مواقع أخرى على القائمة التمهيدية خلال الأعوام الماضية، وهي:
- السرايا الحمراء،
- وقلعة مرزق،
- وجامع مراد آغا،
- وواو الناموس،
- وكهف عمر المختار.
فهل تنجح “اليونيسكو” في حماية ذاكرة الليبيين من الحرب؟
صحوة السلطات
يقول المؤرخ الليبي فرج نجم، إن ليبيا تزخر بمواقع أثرية متنوعة، بخاصة أن البلد يقع في نقطة تقاطع بين حضارات عدة كالإغريق الذين أسسوا طرابلس، والفينيقين الذين شيدوا قورينا وبنغازي، وغيرها من الحضارات.
ويضيف لـ“اندبندت عربية“، أن الآثار الليبية تذكرنا بهذه الحضارات التي مرت على البلاد، ما بين القرطاجية في تونس والفرعونية في مصر. منوهاً إلى أن ليبيا فيها كثير من الآثار التي تستحق الإنقاذ، ورعاية “اليونيسكو” لمواقع أثرية ليبية أمر مهم، لأن هذا العمل سيعين الليبيين على حفظ ذاكرتهم من أن تدمرها الحرب والانقسام السياسي، إضافة إلى عدم الاهتمام بهذا المجال على مدى ستة عقود من عمر الدولة الليبية الحديثة.
ويقول المؤرخ الليبي، إن إدراج “اليونيسكو” لمواقع أثرية ليبية جديدة ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي يعطي حافزاً للسلطات الليبية من أجل الاهتمام ببقية المواقع، مشيراً إلى أن هناك حالة من الصحوة في بنغازي شرق البلاد للاهتمام بهذه المناطق الأثرية.
حيث أعيد ترميم وبناء ضريح عمر المختار، وأوليت أهمية لمنارة سيدي خربيش التي تتربع تحتها مدينة برنيق ذات الـ2500 سنة، إضافة إلى آثار الاستعمار الإيطالي على غرار قصر المنار، والبرلمان البرقاوي الذي افتتح عام 1920، وكلها شواهد على التقلبات الحضارية التي مرت بها المنطقة.
صون المواقع
“تستطيع (اليونيسكو) أن تسهم بشكل كبير في حماية وإنقاذ ما تبقى من ذاكرة ليبيا الثقافية والتراثية، لكن دورها وحده لا يكفي ما لم يكن هناك تعاون حقيقي من الدولة الليبية وجهة الاختصاص ومنظمات المجتمع المدني“.
هذا ما يقوله رئيس قسم خبرة الآثار – فرع بنغازي عبد الحفيظ المسلاتي، مشدداً على أنه خلال الحرب تعرضت مواقع كثيرة للإهمال والسرقة والتخريب، وبعضها مهدد بالاندثار ما لم تكثف “اليونيسكو” من دورها في جوانب عدة، كتسجيل المواقع ضمن قائمة التراث العالمي لحمايتها دولياً، وتقديم الدعم الفني والخبراء في الترميم والحفظ، إضافة إلى تدريب الكوادر الليبية في مجال الآثار والمتاحف، والمساعدة في توثيق القطع والمواقع المهددة.
ويطالب المسلاتي “اليونيسكو” بالضغط دولياً لمنع تهريب الآثار الليبية واستعادتها ودعم مشاريع التوعية بأهمية التراث. وحول كيفية إنقاذ ذاكرة ليبيا من الحرب يؤكد أن الأمر لا يحتاج فقط إلى حماية دولية.
بل إلى استقرار سياسي وأمني وقوانين صارمة ضد تهريب الآثار، داعياً إلى دعم المتاحف والمراكز الثقافية، وإشراك المدارس والجامعات في التوعية حتى يشعر المواطن بأن التراث جزء من هويته وليس مجرد حجارة قديمة.
وأعادت منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة “اليونيسكو” فتح مكتبها بالعاصمة الليبية طرابلس في آخر أبريل (نيسان) الماضي، بعد إغلاق استمر 10 أعوام.
وتؤكد المنظمة أن هدف العودة لليبيا يأتي في إطار الاستجابة لأولوياتها في مجالات الآثار والتراث والصناعات الإبداعية، إذ ستركز المنظمة في عملها على صون المواقع الأثرية، ومتابعة ملفات تسجيل وصيانة مواقع التراث العالمي، إضافة إلى مجال التعليم والبحث العلمي عبر إعادة تأهيل المؤسسات التعليمية المتضررة وتطوير المناهج التعليمية.
إضافة إلى دعم حرية الصحافة وتعزيز الوصول إلى المعلومات. واعتبر رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبدالحميد الدبيبة، عودة “اليونيسكو” لليبيا بمثابة “استعادة لمكانة البلاد وجاهزيتها للشراكة الدولية“.
تكرر الاعتداءات
في المقابل، يقول المتخصص في التاريخ القديم شوقي معمر، إن ليبيا لديها أربع مناطق لا تزال ضمن القائمة الحمراء في “اليونيسكو” (لبدة وصبراتة وشحات وأكاكوس)، إذ لم تنجح الدولة في إزالة أو إلغاء هذه القائمة منذ أكثر من 10 أعوام لحد الآن، واصفاً الأمر بالفشل الذريع في إدارة الأزمة.
ويؤكد لـ“اندبندت عربية“، خطورة الوضع في ليبيا بسبب تكرر الاعتداءات على المواقع الأثرية، مما دفع إلى تدخل دولي تمثل في إعادة فتح منظمة “اليونيسكو” مكتبها في ليبيا، وذلك بسبب التضارب بين التقارير الدولية والمحلية الصادرة عن مصلحة الآثار الليبية، وفق قوله.
ويتساءل “هل يعقل أن ليبيا لديها خمس مواقع فقط مدرجة بصفة نهائية على قائمة التراث العالمي منذ عام 1986؟ الحال أن جزيرة جربة التونسية لوحدها لديها 31 موقعاً مسجلاً على اللائحة، ولا تزال ثمانية مواقع أخرى قيد الإدراج على القائمة التمهيدية“.
ويقول معمر، إن “اليونيسكو” لا يمكنها إدراج أي موقع أثري أو تاريخي أو ديني إلا وفق معايير تلتزم الدولة الليبية بتطبيقها، منوهاً بأن المنظمة بفتحها مكتباً في ليبيا فإنها بذلك تحاول ترشيد الجهات المختصة حول كيفية حماية الآثار الليبية بالتعاون مع لجان التحقيق الدولية. ومطالباً بتغيير قانون الآثار في ليبيا، وألا يعطي الحق لمصلحة الآثار بالحفر بل لحماية الآثار فقط، فالحفريات والدراسات للجهات الأكاديمية فحسب.
وعن إمكانية حماية “اليونيسكو” تراث وآثار الدولة الليبية من الحرب، يقول إن الأمر صعب في ظل الانقسام السياسي والفوضى الأمنية، بخاصة أن ليبيا فشلت في إدراج مزيد من المواقع الأثرية الجديدة ضمن القائمة التمهيدية للتراث العالمي عندما كانت مستقرة قبل أحداث 2011. وطالب باحترام المواقع الأثرية، فـ“من غير المقبول أن تدق مسامير في حجارة قوس ماركوس الروماني وسط العاصمة طرابلس لتثبيت أحد مكبرات الصوت“.
__________
