صابر بن عامر

وسط تصاعد الجدل الشعبي والسياسي في ليبيا حول مخاوف توطين المهاجرين في ليبيا، تكشف معطيات رسمية وأممية أن القضية تتجاوز بكثير السجال الدائر حول وثائق التسجيل أو نشاط المنظمات الدولية. فبينما تنفي الجهات الأممية وجود أي برامج من أجل توطين المهاجرين في ليبيا، تبرز مؤشرات أكثر تعقيداً تتعلق بتحول ليبيا تدريجياً إلى مساحة احتواء طويلة الأمد لمئات الآلاف من المهاجرين.

يأتي هذا النقاش في وقت تشير فيه تقديرات المنظمة الدولية للهجرة إلى وجود ما يقارب مليون مهاجر داخل ليبيا، بالتزامن مع تشدد السياسات الأوروبية الرامية إلى الحد من وصول المهاجرين إلى أراضي الاتحاد الأوروبي، وتوسع برامج التمويل والتعاون الأمني المرتبطة بإدارة الحدود والاعتراض البحري.

وفي المقابل، لا تزال ليبيا تفتقر إلى سياسة وطنية موحدة للهجرة واللجوء، في ظل الانقسام المؤسسي وتعدد الجهات المتدخلة في إدارة الملف.

لا ينطلق هذا التقرير من فرضية وجود مشروع معلن لتوطين المهاجرين داخل ليبيا، بل يحاول الإجابة عن سؤال أكثر إلحاحاً: هل تتحول ليبيا، بفعل تداخل السياسات الأوروبية وغياب الرؤية الوطنية الموحدة، إلى منطقة انتظار واحتواء دائمة للمهاجرين واللاجئين؟ وما انعكاسات ذلك على السيادة الليبية والاستقرار الاجتماعي ومستقبل إدارة أحد أكثر الملفات حساسية في البلاد؟

المفوضية وتوطين المهاجرين في ليبيا

في خضم الجدل المتصاعد بشأن مستقبل المهاجرين واللاجئين داخل ليبيا، تنفي مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين بشكل قاطع وجود أي برامج أو ترتيبات تهدف إلى توطين المهاجرين في ليبيا، مؤكدة أن دورها يقتصر على الحماية الإنسانية المؤقتة والعمل على إيجاد حلول خارج الأراضي الليبية للأشخاص الذين يحتاجون إلى حماية دولية.

وفي تصريح خاص لـعربي بوست، قالت أمل البرغوثي، الناطقة الرسمية باسم مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ليبيا، إن المفوضية لا تنفذ أي برامج أو ترتيبات من أجل توطنين المهاجرين في ليبيا، مؤكدة أن ليبيا ليست بلد توطين، وأن عمل المفوضية يركز على الدعم الإنساني المؤقت وإيجاد حلول خارج ليبيا للأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية.

وأوضحت البرغوثي أن التسجيل لدى المفوضية هو إجراء إنساني يهدف إلى تحديد الأشخاص الذين قد يحتاجون إلى الحماية الدولية، وجمع المعلومات الأساسية عن أوضاعهم واحتياجاتهم، ولا يمنح أي حق في الإقامة أو التوطين داخل ليبيا.

وأضافت أن إعادة التوطين أو الإجلاء إلى دولة ثالثة يختلف تماماً عن مفهوم التوطين داخل ليبيا، موضحة أن إعادة التوطين أو الإجلاء من الحلول التي تعمل عليها المفوضية خارج ليبيا، بالتعاون مع السلطات الليبية والمجتمع الدولي، وفق المعايير والإجراءات المعمول بها.

وشددت البرغوثي على أن المفوضية لا تعمل على ملف المهاجرين عموماً، بل يتركز دورها على فئة محدودة من الأشخاص الذين اضطروا إلى مغادرة بلدانهم بسبب الحرب أو الاضطهاد، وهم فئة محدودة مقارنة بإجمالي أعداد المهاجرين في ليبيا.

وكشفت الناطقة الرسمية باسم المفوضية أنه حتى مايو/ أيار 2026، يوجد لدى المفوضية في ليبيا نحو 113 ألف شخص ممن فروا من الحرب والاضطهاد، مشيرة إلى أن الجنسية السودانية تشكل الغالبية العظمى من المسجلين، إذ يمثل السودانيون أكثر من 83% من إجمالي المسجلين لدى المفوضية، وقد فرّ معظمهم من النزاع الدائر في بلادهم.

وفي ما يتعلق بالوثائق التي تمنحها المفوضية، أوضحت البرغوثي أنها وثائق تسجيل وليست بطاقات، وتأتي ضمن إجراءات المفوضية لتحديد الأشخاص الذين قد يحتاجون إلى الحماية الدولية، وجمع المعلومات الأساسية المتعلقة بأوضاعهم واحتياجاتهم.

وأكدت أن هذه الوثائق لا تمنح حق الإقامة أو العمل أو توطين المهاجرين في ليبيا، ولا تغيّر من صلاحيات الدولة الليبية في إدارة الهجرة أو تنظيم الإقامة أو اتخاذ القرارات السيادية المتعلقة بالأجانب الموجودين على أراضيها. ولفتت إلى أن الغرض العملي من هذه الوثائق هو تمكين الأشخاص المسجلين من الوصول إلى المساعدات العينية ومساعدات الإجلاء خارج ليبيا التي تقدمها المفوضية.

وحول الحلول المتاحة خارج ليبيا، قالت البرغوثي إن المفوضية تعمل على إيجاد حلول للأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية، بما في ذلك الإجلاء إلى دول ثالثة، والمسارات القانونية الأخرى، والعودة الطوعية إلى بلد المنشأ عندما تسمح الظروف بذلك.

وأشارت إلى أن سرعة إيجاد هذه الحلول تعتمد على عوامل خارج قدرة المفوضية، منها توفر أماكن وفرص في دول ثالثة، والإجراءات المطلوبة من الدول المستقبلة، إضافة إلى التطورات في بلدان المنشأ أو بلدان الإجلاء. كما كشفت أن المفوضية أجلت منذ عام 2017 أكثر من 15 ألف شخص خارج ليبيا.

ورغم أن توضيحات المفوضية تنفي وجود أي برامج من أجل توطين المهاجرين في ليبيا، وتفصل بوضوح بين التسجيل الإنساني وإعادة التوطين في دول ثالثة، فإنها لا تنهي الجدل الدائر حول ملف الهجرة بأبعاده الأوسع. فالمفوضية نفسها تؤكد أن ولايتها لا تشمل المهاجرين عموماً، وإنما فئة محددة من الأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية.

ومن هنا ينتقل النقاش إلى مستويات أخرى تتجاوز عمل المفوضية، ليطرح أسئلة أكثر تعقيداً حول الجهات التي تدير ملف مئات الآلاف من المهاجرين الموجودين في ليبيا، وما إذا كانت البلاد مهددة بالتحول، بحكم الأمر الواقع، إلى مساحة انتظار واحتواء طويلة الأمد.

بين التوطين وإعادة التوطين

يكشف جانب مهم من الجدل الليبي حول الهجرة عن حالة من الخلط بين مفاهيم قانونية مختلفة. فكلمة التوطينتُستخدم في الخطاب العام للدلالة على بقاء المهاجرين أو اللاجئين داخل ليبيا وتحول وجودهم إلى واقع دائم، في حين أن مصطلح إعادة التوطينيحمل معنى مختلفاً تماماً في القانون الدولي، إذ يشير إلى نقل لاجئين يحتاجون إلى حماية دولية من بلد لجوء أو عبور إلى دولة ثالثة توافق على استقبالهم.

ويكتسب هذا التمييز أهمية خاصة لأن جزءاً من المخاوف الشعبية يستند إلى الربط بين تسجيل اللاجئين لدى المنظمات الدولية، وتقديم المساعدات الإنسانية، وبرامج إعادة التوطين في دول أخرى، وبين فكرة التوطين داخل ليبيا. فليست كل وثيقة حماية إقامة دائمة، وليس كل تسجيل مشروع توطين، كما أن عمليات الإجلاء وإعادة التوطين غالباً ما تكون موجهة إلى دول أخرى خارج بلد العبور.

ومع ذلك، فإن توضيح المصطلحات وحده لا يكفي لتبديد القلق. فالمخاوف الليبية لا تنبع فقط من سوء فهم قانوني، بل من شعور متزايد بأن البلاد قد تتحمل أعباء طويلة الأمد في ظل غياب سياسة واضحة، وقاعدة بيانات وطنية موحدة، وقدرة فعلية على إدارة ملفات الحدود والإقامة والعمل والعودة.

من يدير الملف الأكبر؟

يزداد الجدل تعقيداً بسبب الخلط بين أدوار مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين والمنظمة الدولية للهجرة، رغم اختلاف اختصاص كل منهما بشكل جوهري.

فالمفوضية تُعنى أساساً باللاجئين وطالبي اللجوء وعديمي الجنسية والأشخاص الذين يحتاجون إلى الحماية الدولية، بينما تتولى المنظمة الدولية للهجرة متابعة ملف الهجرة بمفهومه الأوسع، بما يشمل رصد أعداد المهاجرين، وتقديم المساعدات الإنسانية، وتنفيذ برامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج.

هذا التداخل في فهم الأدوار يجعل أي عملية تسجيل أو وثيقة حماية أو مساعدة إنسانية تُفسَّر شعبياً باعتبارها خطوة نحو التوطين، رغم أن لكل منظمة ولاية مختلفة وأدوات قانونية مختلفة. فالمهاجر غير النظامي ليس بالضرورة لاجئاً، وطالب اللجوء ليس مهاجر عمل، وإعادة التوطين في دولة ثالثة لا تعني التوطين داخل ليبيا.

وتبرز أهمية المنظمة الدولية للهجرة عند الحديث عن الحجم الحقيقي للوجود الأجنبي داخل ليبيا، فبحسب مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة، بلغ عدد المهاجرين الموجودين في ليبيا خلال يناير/ كانون الثاني وفبراير/ شباط 2026 نحو 936,134 مهاجراً، بانخفاض طفيف مقارنة بـ939,638 مهاجراً خلال نوفمبر/ تشرين الثاني وديسمبر/ كانون الأول 2025.

كما تشير البيانات إلى أن هؤلاء المهاجرين ينتمون إلى 47 جنسية مختلفة ويتوزعون على 100 بلدية ليبية. وتوضح بيانات المنظمة أن السودانيين يشكلون النسبة الأكبر من إجمالي المهاجرين بنسبة 36%، يليهم النيجريون بنسبة 20%، ثم المصريون بنسبة 19%، والتشاديون بنسبة 9%.

وتكشف هذه الأرقام حجم الفجوة بين عدد الأشخاص المسجلين لدى مفوضية اللاجئين وعدد المهاجرين الذين ترصدهم المنظمة الدولية للهجرة. فبينما تتعامل المفوضية مع فئة محددة تحتاج إلى حماية دولية، ترصد المنظمة واقعاً أوسع يقترب من مليون مهاجر داخل البلاد.

وتشير هذه المعطيات إلى أن ليبيا لم تعد مجرد محطة عبور نحو أوروبا، بل تحولت، بدرجات متفاوتة، إلى بلد إقامة مؤقتة أو طويلة الأمد بحكم الأمر الواقع، نتيجة تداخل مجموعة من العوامل، من بينها الطلب على العمالة، وصعوبة العودة إلى بلدان المنشأ، وتشديد سياسات العبور نحو أوروبا، وهشاشة الحدود، واستمرار ضعف قدرة الدولة الليبية على إدارة الملف من خلال رؤية وطنية موحدة.

أرقام غائبة واقتصاد يستوعب المهاجرين

لا يقتصر الجدل الليبي حول الهجرة على الأبعاد الأمنية والسياسية، بل يتأثر أيضاً بغياب قاعدة بيانات سكانية حديثة تسمح بقياس حجم التحولات الديموغرافية بصورة دقيقة. فمنذ آخر تعداد سكاني شامل أُجري في ليبيا عام 2006، لم تمتلك الدولة قاعدة ديموغرافية محدثة يمكن الاعتماد عليها لتقدير أثر الهجرة على البنية السكانية أو قياس حجم التغيرات التي شهدتها البلاد خلال العقدين الماضيين.

وتدرج الهيئة العامة للمعلومات في ليبيا تعداد عام 2006 ضمن التعدادات العامة الرسمية، كما تشير بيانات شعبة السكان التابعة للأمم المتحدة إلى تعداد ليبيا 2006″ باعتباره آخر تعداد سكاني وسكني شامل أُجري في البلاد.

وفي ظل هذا الفراغ الإحصائي، يصبح الحديث عن التغيير الديموغرافيأقرب إلى مساحة تتداخل فيها التقديرات والانطباعات والمخاوف الشعبية، أكثر من كونه نقاشاً يستند إلى بيانات رسمية حديثة. كما يساهم غياب الأرقام الدقيقة في توسيع دائرة الشائعات المرتبطة بالتوطين أو تغيير التركيبة السكانية، خاصة في بلد يعاني أصلاً من ضعف الثقة بالمؤسسات والانقسام السياسي وغياب الشفافية في إدارة الملفات السيادية.

لكن قراءة المشهد لا تكتمل من دون التوقف عند العامل الاقتصادي. فاستمرار وجود مئات الآلاف من المهاجرين داخل ليبيا لا يرتبط فقط بضعف الرقابة على الحدود أو بصعوبة العودة إلى بلدان المنشأ، بل يرتبط أيضاً بوجود طلب فعلي على العمالة الأجنبية في قطاعات مختلفة من الاقتصاد.

وتشير بيانات المنظمة الدولية للهجرة إلى أن 76% من المهاجرين أفادوا بأنهم يعملون، خصوصاً في قطاعات البناء والعمل المنزلي والزراعة، فيما أظهر تقرير آخر للمنظمة حول شرق ليبيا أن المهاجرين ينشطون بشكل أساسي في الاقتصاد غير الرسمي، ويعملون في قطاعات البناء والتجزئة والتنظيف والزراعة وغيرها من الأعمال اليدوية.

وتكشف هذه المعطيات أن ملف الهجرة لا يمكن التعامل معه عبر الشعارات أو الحملات الأمنية فقط. فتنظيم الهجرة يرتبط أيضاً بتنظيم سوق العمل، وتحديد احتياجاته الفعلية، وفرز الفئات الموجودة داخل البلاد، وإيجاد أطر قانونية واضحة تمنع الاستغلال وتحفظ حقوق الدولة والمجتمع في الوقت نفسه.

الخطر ليس التوطين بل الاحتواء

بينما يتركز جزء كبير من الجدل الليبي حول مخاوف التوطين، يرى الباحث في قضايا الهجرة واللجوء طارق لملوم أن جوهر المشكلة يكمن في مكان آخر أكثر تعقيداً وخطورة.

ويقول لملوم، في حديثه لـعربي بوست، إن الخطر الرئيسي الذي تواجهه البلاد اليوم لا يتمثل في التوطينبالمعنى القانوني أو السياسي المتداول في الخطاب العام، موضحاً أنه لا توجد حتى الآن مؤشرات على وجود سياسة رسمية أو اتفاق معلن يهدف إلى منح المهاجرين أو اللاجئين إقامة دائمة جماعية أو دمجهم مواطنين داخل المجتمع الليبي.

ويضيف أن الخطر الحقيقي يتمثل في تحول ليبيا إلى مساحة احتواء للمهاجرين وطالبي اللجوء العالقين؛ إذ يُمنع كثيرون منهم من الوصول إلى أوروبا، بينما لا تتوفر لهم في الوقت نفسه حلول مستدامة داخل ليبيا، سواء عبر الحماية القانونية أو فرص العمل المنظمة أو برامج العودة الآمنة. ويضيف أن هذا الوضع يخلق حالة طويلة الأمد من الهشاشة الإنسانية وعدم الاستقرار.

وبحسب لملوم، فإن المشكلة الأساسية تكمن في أن ليبيا لا تملك حتى الآن سياسة وطنية متكاملة للهجرة واللجوء. فلا يوجد نظام واضح لتسجيل المهاجرين وطالبي اللجوء، ولا آليات فعالة للفرز بين الفئات المختلفة، ولا إطار قانوني منظم للوصول إلى سوق العمل، ولا منظومة شفافة ومستقلة للرقابة على أماكن الاحتجاز.

كما أن برامج العودة الطوعية وإعادة الإدماج ما زالت محدودة مقارنة بحجم التدفقات والتحديات القائمة. ويشير لملوم إلى أن إدارة الملف، في ظل هذا الفراغ المؤسسي، باتت تعتمد بدرجة كبيرة على الإجراءات الأمنية وردود الفعل المؤقتة، وهو ما يساهم في إنتاج أزمات متكررة بدل معالجة الأسباب الجذرية.

أما في ما يتعلق بالتعاون الأوروبي مع ليبيا، فيرى لملوم أنه من الصعب إنكار أن الأولوية العملية خلال السنوات الماضية كانت تتركز على الحد من وصول المهاجرين إلى السواحل الأوروبية، من خلال دعم قدرات الاعتراض البحري، وتعزيز مراقبة الحدود، وتمويل بعض الأجهزة والبرامج المرتبطة بإدارة الهجرة. في المقابل، لم يشهد جانب بناء نظام ليبي متكامل للهجرة واللجوء وحماية الحقوق المستوى نفسه من الاستثمار والاهتمام.

ويخلص لملوم إلى أن النقاش الدائر اليوم حول التوطينقد يحجب أحياناً أسئلة أكثر أهمية، تتعلق بكيفية إدارة وجود مئات الآلاف من المهاجرين واللاجئين الموجودين بالفعل داخل ليبيا، وكيفية بناء سياسات تحافظ على السيادة الليبية من جهة، وتحترم الحقوق الإنسانية والالتزامات الدولية من جهة أخرى.

___________

 

مواد ذات علاقة