عبدالله فارس القزاز

تشهد ليبيا منذ سنوات تحوّلًا لافتًا في طبيعة إدارة الانقسام، حيث لم يعد الصراع يقتصر على التنافس السياسي بين سلطات متوازية، بل امتد ليشمل إعادة تشكيل أدوات الدولة الاقتصادية ذاتها، وعلى رأسها الإنفاق العام والسياسات التنموية.

ففي ظل تعثر مسارات التسوية السياسية، برز اتجاه متصاعد نحو توحيد الأطر المالية والتنموية كمدخل بديل لتحقيق قدر من الاستقرار، بما يعكس انتقالًا تدريجيًا من إدارة الصراع عبر السياسة إلى إدارته عبر الاقتصاد.

يطرح هذا التحول تساؤلًا مركزيًا حول طبيعة الدور الذي يمكن أن تلعبه الأدوات الاقتصادية في سياق منقسم مؤسسيًا: هل يمثل توحيد الإنفاق العام والبرامج التنموية خطوة نحو إعادة بناء الدولة، أم إنه يعكس نمطًا جديدًا لإدارة الانقسام دون تفكيكه؟

تنطلق هذه الدراسة من فرضية مفادها أن المسار الاقتصادي في ليبيا لا يعمل كبديل للتسوية السياسية، بل كآلية لإعادة تنظيم التوازنات القائمة داخل بنية الدولة المنقسمة.

وانطلاقًا من ذلك يسعى التقرير إلى تحليل تطور هذا المسار من خلال ثلاثة محاور رئيسية: توحيد الرؤية التنموية، وتوحيد الإنفاق العام، ثم استشراف ملامح التحول نحو مسار اقتصادي جديد، وذلك بهدف فهم حدود هذا النهج وإمكاناته في إعادة تشكيل الدولة الليبية.

أولاتوحيد الرؤية التنموية في ليبيا:

في سياق الانقسام السياسي الذي تعيشه ليبيا منذ عام 2014، برزت المسألة التنموية كأحد أكثر تجليات تفكك الدولة تعقيدًا، إذ لم يعد الخلاف مقتصرًا على مستوى الشرعية السياسية، بل امتد ليشمل إدارة الموارد العامة وتحديد أولويات التنمية بين شرق البلاد وغربها.

وفي هذا الإطار جاءت التفاهمات المتعلقة ببرنامج التنمية والتوزيع المالي الموحد المشروع التنموي الموحدخلال عام 2025، بين المؤسسات التشريعية المجلس الأعلى للدولة ، ومجلس النواب، وبدعم من مصرف ليبيا المركزي، كمحاولة لإعادة تنظيم مسار الإنفاق العام وتوحيد القنوات المالية الموجهة للمشروعات التنموية، بما يعكس إدراكًا متزايدًا لحجم التشظي المؤسسي الذي أصاب بنية الدولة خلال السنوات الماضية.

هذا التطور يعكس انتقال الأزمة من مستوى الصراع على السلطة إلى مستوى أكثر عمقًا يتعلق بآليات إدارة الدولة ذاتها. كما يوضح أن التنمية لم تعد مجرد نتيجة للاستقرار، بل أصبحت جزءًا من أدوات إدارة الانقسام.

هذا التحول يعكس انتقال الأزمة الليبية من مستوى التنافس على السلطة إلى مستوى أعمق يرتبط بكيفية إدارة الدولة وتوزيع مواردها، حيث تتحول السياسة التنموية إلى عنصر ضمن إعادة ضبط التوازن بين المؤسسات، لا إلى مخرَج للاستقرار السياسي.

غير أن هذا النمط يتكرر في الدول الهشة، حيث تلجأ الأطراف المتنازعة إلى توظيف الاقتصاد كأداة لإدارة الانقسام بدلًا من معالجته، وهو ما يجعل الاستدامة مرهونة بتطور التسوية السياسية وليس فقط بوجود اتفاقات مالية، مما يعني أن الاقتصاد في الحالة الليبية لم يعد منفصلًا عن السياسة، بل أصبح امتدادًا مباشرًا لها. كما يكشف ذلك أن أي إصلاح تنموي يظل محدود الأثر ما لم يتم التعامل مع جذور الانقسام المؤسسي.

ويقوم هذا الاتفاق على فكرة مركزية تتمثل في تقليص الازدواج المالي بين الإدارات المتنافسة في شرق وغرب ليبيا، من خلال توحيد آليات الإنفاق العام وتوجيه الموارد نحو أولويات تنموية أكثر تنسيقًا، خاصة في مجالات البنية التحتية والخدمات الأساسية.

وقد أكد مصرف ليبيا المركزي في بياناته أن توحيد مسارات الإنفاق يمثل شرطًا أساسيًا لتعزيز الاستقرار النقدي والحد من الضغوط على سعر الصرف. في ظل تداعيات الانقسام المالي وما نتج عنه من تعدد جهات الصرف العام خلال السنوات الأخيرة، إذ إن المشكلة لا تكمن في ندرة الموارد بقدر ما تكمن في تعدد مراكز القرار المالي. كما أن توحيد الإنفاق في هذا السياق يُستخدم كأداة لضبط الاستقرار الاقتصادي أكثر من كونه مشروعًا تنمويًا مستقلًا.

لكن الإشكال الحقيقي لا يرتبط بتصميم الآلية المالية بقدر ما يرتبط بقدرة المؤسسات على فرض الانضباط المالي في بيئة سياسية غير موحدة. فالتجارب المقارنة تشير إلى أن توحيد السياسات المالية في الدول المنقسمة يواجه غالبًا إشكاليات تنفيذية نتيجة استمرار تعدد مراكز القرار وغياب سلطة مركزية ملزمة، مما يؤدي إلى فجوة بين النصوص الاتفاقية والتطبيق الفعلي، وهو ما يكشف أن الإشكال بنيوي في جوهره وليس تقنيًا، إذ إن حتى أكثر التصاميم المالية كفاءة تفشل في غياب سلطة تنفيذية موحدة قادرة على فرض الالتزام.

غير أن أهمية هذا الاتفاق لا تقتصر على أبعاده الفنية، بل تتجاوز ذلك إلى كونه محاولة لإعادة صياغة مفهوم الدولة الموحدة عبر المدخل الاقتصادي في ظل تعثر مسارات التسوية السياسية المباشرة.

إذ يشير الدعم الأممي المعلن من بعثة الأمم المتحدة إلى أن توحيد الأدوات المالية يمكن أن يشكل خطوة تمهيدية نحو توحيد الموازنة العامة وتعزيز التنسيق بين المؤسسات السيادية، بما يعكس تصورًا دوليًا يرى في الاستقرار الاقتصادي مدخلًا لتقليص الانقسام السياسي وليس نتيجة له فقط، وهو ما يعكس تحولًا في التفكير الدولي نحو اعتبار الاقتصاد مسارًا بديلًا للسياسة، رغم أن هذا الافتراض يظل غير محسوم في البيئات المنقسمة بعمق.

إلا أن هذا التصور يظل محل جدل في الأدبيات السياسية، إذ إن افتراض قدرة الاقتصاد على قيادة التحول السياسي في سياق مؤسسي منقسم لا يمثل قاعدة مستقرة، بل حالة استثنائية محدودة، حيث تشير معظم تجارب بناء الدولة إلى أن الاستقرار السياسي والمؤسسي يسبق عادة نجاح الإصلاحات الاقتصادية وليس العكس، وهو ما يعني أن الترتيب السببي في الحالة الليبية يشهد نوعًا من الانعكاس الجزئي، الأمر الذي يفسر هشاشة نتائج الإصلاحات الاقتصادية حتى في ظل وجود اتفاقات رسمية.

ورغم الطابع التوافقي الظاهر لهذه التفاهمات، إلا أن فعاليتها تبقى مرهونة بقدرة الأطراف السياسية والمؤسسات المالية على الالتزام بآليات التنفيذ، خاصة مع استمرار تعدد مراكز القرار وغياب سلطة تنفيذية واحدة قادرة على فرض الانضباط المالي. وتشير تقارير إعلامية محلية ودولية إلى أن الإشكال لا يتعلق بمبدأ التوحيد ذاته، بل بآليات الإلزام والرقابة وتوزيع السلطة المالية بين الأطراف، وهو ما يكشف أن الأزمة لا تكمن في الاتفاقات بحد ذاتها، بل في غياب قوة تنفيذ ملزمة، مما يجعل أي إصلاح اقتصادي عرضة للتعطيل السياسي.

وهنا يتضح أن الإشكال لا يرتبط بالاتفاقات في حد ذاتها، بل بغياب إطار مؤسسي ملزم قادر على تحويلها إلى سياسات قابلة للتنفيذ، وهو ما يجعل أي تفاهم عرضة لإعادة التفسير أو التعطيل وفق موازين القوة على الأرض، بما يقلل من القيمة العملية لأي إطار تنموي موحد في غياب إصلاح مؤسسي موازٍ، وهو ما يوضح أن الإصلاح الاقتصادي في الحالة الليبية يتحرك ضمن سقف سياسي وليس خارجه، وبالتالي يظل أثره محدودًا ما لم يتغير ميزان القوة المؤسسية.

وعليه يمكن النظر إلى مسار التنمية الموحد لعام 2025، باعتباره خطوة ضمن مسار طويل لإعادة بناء الدولة من المدخل الاقتصادي، وليس كحل نهائي لأزمة الانقسام. إذ تظل التنمية في الحالة الليبية مرتبطة أولًا بإعادة بناء وحدة القرار السيادي قبل أن تكون مجرد عملية تخطيط اقتصادي أو توزيع للموارد.

ويكتسب هذا المسار معناه الكامل عند ربطه بتوحيد الإنفاق العام، باعتبار أن أي مشروع تنموي يظل غير قابل للتنفيذ الفعلي دون إطار مالي موحد يضمن تدفق الموارد تحت سلطة واحدة، بما يجعل المسارين المالي والتنموي جزءًا من معادلة واحدة لإدارة الانقسام بدل تجاوزه، وهو ما يوضح أن الإشكال ليس في تعدد المبادرات، بل في غياب وحدة الحوكمة القادرة على تحويلها إلى منظومة متكاملة، وبالتالي فإن الفصل بين الإصلاح المالي والإصلاح التنموي يظل فصلًا تحليليًا أكثر منه واقعيًا.

***

يتبع

___________

مواد ذات علاقة