ديميتري بريجع

الفيلق الإفريقي (وريث فاغنر) والمشهد الليبي

في منتصف عام 2023، تحول دور قوات فاغنر في إفريقيا نحو الشكل التنظيمي الرسمي لما يُعرف اليوم بالفيلق الإفريقي.

وفي ليبيا تحديدًا، دُمِجَت عناصر فاغنر تحت إشراف مباشر من الاستخبارات العسكرية الروسية.

واليوم، يضم هذا التنظيم مئات الجنود الروس الذين خضعوا لتصفية داخلية، إضافة إلى آلاف المقاتلين السوريين الذين نُقلوا لتدعيم خط حفتر في الشرق، وتفيد التحليلات بأن نحو 800 إلى 3000 مقاتل روسي (أي ما يعادل لواءً ميكانيكيًّا) يعملون حاليًا في شرق ليبيا، متنقّلين بين قواعد مثل البريقة والخادم والجفرة وجبل سيدي، ويقدمون لخليفة حفتر الدعم على الأرض، ومن خلال التوجيه الاستخباراتي.

عسكريًّا، ينشط الفيلق الإفريقي في حماية الحقول النفطية، ومرافقة التحركات البرية، وهو مزود بعتاد ثقيل، ومسيرات ودروع روسية.

ولوجستيًّا، غدت قواعده الجوية في الشرق (كالخادم والجفرة وبراك الشاطئ) محطات إمداد جديدة للسلاح، فقد ربطته تقارير بمجموعة قواعد جوية داخل ليبيا تشكل حلقة وصل بالإمدادات القادمة من سوريا إلى الساحل الإفريقي.

وتشير معلومات مراقبة إلى إقامة جسور جوية روسية عبر ليبيا (إطلاق 10 طائرات من قاعدة حميميم إلى مطار بنغازي خلال ديسمبر/ كانون الأول 2024 مثلًا) وهكذا باتت ليبيا مسرحًا لوجستيًّا مركزيًّا يربط وجود روسيا بين البحر المتوسط وإفريقيا جنوب الصحراء.

سياسيًّا، عزّز الفيلق الإفريقي قيمة حفتر بوصفه شريكًا روسيًّا على الأرض، فإلى جانب التدريب والتسليح الذي يقدمه، يُعد الفيلق “رديفًا روسيًّا” لقوات حفتر، يشرف على وجوده، ويسهّل تقديم المساعدات العسكرية إليه.

أما شركات النفط الروسية، كـ”روس نفط”، فاقتحمت السوق النفطية الليبية بنقل تقنيات واستكشافات، عوضًا عن اتهامات شركات غربية بفقدان عقود.

من هذا المنظور، صار الفيلق الإفريقي امتدادًا متماسكًا للسياسات الروسية في ليبيا: يضطلع بمهام حماية المصالح، وتنظيم الإمدادات، ويعمل في الوقت نفسه كبيدق للتأثير الغربي، من دون أن يلمس مؤسسات الدولة الموحدة.

أبعاد الوجود الروسي في ليبيا عسكريًّا ولوجستيًّا ونفسيًّا

حضور روسيا في ليبيا متعدد الأبعاد: عسكريًّا، وضعت موسكو بيدها وحدات قتالية مدربة حديثًا، فقد شاركت عناصر “الفيلق الإفريقي” إلى جانب ميليشيات مرتبطة بحفترفي معارك محلية، مستخدمة طائرات مسيرة وصواريخ مضادة للطائرات لتثبيت مواقعها.

كما حُدِّثَت دفاعات معينة في الشرق بواسطة أنظمة روسية، ووصلت شحنات أسلحة خفيفة ومتوسطة عبر الجو والبحر. على هذا النحو، استطاعت روسيا أن تسيطر عمليًّا على مواقع مهمة دون نشر قواتها النظامية الواسعة، مع ضمان نفوذ عسكري دائم.

لوجستيًّا، أنشأت روسيا خطوط إمداد معقّدة، فتبيّن أن قواعدها الجوية في ليبيا (كالجفرة والخادم وبراك الشاطئ) أصبحت نقاط تموين رئيسة، تسمح بنقل الأسلحة والعتاد من سوريا، وإمداد ميليشياتها هناك، ووُظِّفَت بعض المطارات الليبية كوصلات جوية مع إفريقيا الوسطى وجنوب الصحراء، ودلّت الصور العالية الدقة على ترميم مدرجات مطاري الجفرة وماتن الرّأس الليبيين، وبناء مخازن جديدة لدعم العمليات في ليبيا وجوارها.

وتكاملت هذه الشبكة اللوجستية مع مصايد بحرية يُشار إليها أحيانًا برغبة موسكو في استئجار قاعدة بحرية في طرابلس، لتكون نقطة انطلاق للسفن الحربية الروسية في المتوسط. بهيكل كامل من قواعد هوائية وبحرية وقواعد إمداد، تمتلك روسيا في ليبيا بنية تحتية تضمن استمرار انتشارها على المدى الطويل.

نفسيًّا ومعنويًّا، تستخدم موسكو وجودها لكي ترسل رسالة قوية؛ فهي تهدف إلى بثّ شعور بالقوة لدى حلفائها، وبالخوف لدى خصومها؛

فمن جهة، يبعث استمرار ارتكازها العسكري رسائل إلى المجتمع المحلي بكون “الدعم الروسي” شرطًا للاستقرار؛ مما يزيد ولاء حلفائها، ومن جهة أخرى، تُعدّ حالة موسكو في ليبيا ورقة ترهيب للغرب؛ فقد أكّد مختصون أن مجرد قدرة روسيا على تحريك الحشود المثقلة بالمهاجرين، وجعلها تتدفق نحو أوروبا، يمنح الكرملين قدرات نفسية كبيرة، دون خوض معركة مباشرة.

بالإضافة إلى ذلك، تلجأ الأذرع الإعلامية الروسية إلى نشر دعاية تخدم روايتها:

ظهرت شبكة مواقع وصفحات اجتماعية تروّج لمصالح حفتر، وتشيطن منافسيه، في حين يسعى الإعلام الروسي إلى بث فكرة التهديد بافتراس أوراق ليبيا في حالة تغير المعادلة، بل إن تجارب من نوع “عودة غواصات نووية روسية إلى المتوسط” أُعلنت لتخويف الغرب.

كل ذلك يصب في تقوية الأثر النفسي لموسكو: هي لا تقاتل بالأسلحة فقط؛ بل برهاب الخصوم، وإيهامهم بأنها ليست غريبة، ولن تنسحب بسهولة.

استنتاجات

تبيّن من التحليل أن الأزمة الليبية تشكل اليوم محورًا حيويًّا للمصالح الروسية في المتوسط، إذ حققت موسكو من خضم فوضى ليبيا أكثر مما ضمنت من مواجهة عسكرية مباشرة؛

فقد وسعت نفوذها الاقتصادي (عقود الطاقة) والسياسي (موقف على طاولة المفاوضات)، وأصبحت قاعدتها هناك جسرًا يصلها بإفريقيا الوسطى والشرقية.

وفي الوقت الذي راهنت فيه الدول الغربية على استقرار ليبيا الموحدة، استطاعت روسيا تحويل الانقسام إلى ورقة رابحة: فامتلاك حليف قوي شرقًا، وكفة ضاغطة على الغرب من خلال الموارد والهجرة، جعلاها شريكًا إستراتيجيًّا لا يمكن تجاهله.

تعزيز الردع المشترك: 

يجب أن ينسّق الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة سياساتهما أكثر في ليبيا لمنع الاستغلال الروسي، من خلال مراقبة الحدود، وتقاسم المعلومات الاستخبارية، والضغط على داعمي الشرق لمنع تدفق المقاتلين والأسلحة.

دعم إجراءات الوحدة الوطنية: 

يتعيّن دعم حكومة وحدة وطنية قوية بمقاييس ملموسة (دعم تنمية وإعادة إعمار) تجعل فرص روسيا في “الفوضى المربحة” أقل جدوى.

تقليص مساحة الانقسام: 

على أوروبا الضغط على مصر والإمارات لإلغاء دعمهم اللا محدود لحفتر، وتقديم بدائل سياسية للحلول المستدامة، بعيدًا عن القوة العسكرية.

مواجهة الحرب الناعمة: 

يجب تكثيف جهود الإعلام والمصالحة في ليبيا، وتكثيف الدعاية المضادة للاستغلال الروسي، وتوسيع الحوارات المحلية، فكلما نجح المجتمع الليبي في الحوار البسيط والشفاف، انخفضت قيمة ورقة الضغط الروسية (لا سيما في موضوع الهجرة والطاقة).

في النهاية، أثبتت ليبيا بما تكتنز من فوضى وجغرافياأنها منصة مثالية لتحقيق الطموحات الروسية في هذه المرحلة.

ولكي تخرج ليبيا من فخ النفوذ الخارجي القوي، يحتاج أمراؤها وشركاؤها الغربيون إلى خطوات نوعية تضع حدًّا لاستغلال الفوضى؛ ومن ثمّ استعادة البلاد نحو توافق ليبي بأقل دخائل أجنبية.

***

ديميتري بريجع ـ باحث ومدير وحدة الدراسات الروسية في مركز الدراسات العربية الأوراسية، محلل سياسي وباحث في الشأن السياسي الروسي، حاصل على بكالوريوس العلوم السياسية من الجامعة الروسية لصداقة الشعوب، ودرجة الماجستير من الأكاديمية الرئاسية الروسية للاقتصاد الوطني والإدارة العامة، عضو شبكة محرري الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وخبير في مجلس الشؤون الدولية الروسي.

______________

مواد ذات علاقة