محمد بدر الدين زايد
أعلن الرئيس ترامب عن أن بلاده ستطرح قريبا خطة لانتشال ليبيا من المأزق الذى تعيش فيه، وانتعشت مزيد من الآمال بعد تصريحات مبعوثه لإفريقيا مسعد بولس من أنه ستكون هناك انتخابات برلمانية ورئاسية شفافة قريبا فى ليبيا.
ومن يقرأ فى الصحافة العربية التقارير المنشورة حول هذه التوقعات سيجد أن كل كاتب يكتب ما يريده على لسان نفسه أو على لسان شخصيات ليبية– ليس من بينها حتى الآن إلا القليل من الشخصيات السياسية المؤثرة.
فهذا يقول إنه سيتم بناء كيانات سياسية جديدة بدلا من مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة وحكومتي طرابلس وبنغازي، وهذا يشكك فى هذا، وهذا يتحدث عن صعوبات وتعقيدات، وآخر يتحدث عن مبعوث رئاسي أمريكي نافذ.
وقد ذكرني هذا بجملة جاءت في قصيدة لأحمد فؤاد نجم وغناها الشيخ إمام تقول: وامتد حبل الدردشة والتعليقات.
المؤكد أن التطورات السلبية لم تتوقف في ليبيا، لسبب بسيط ومنطقي، وهو أن استمرار الأوضاع جامدة في بلد منقسم ويتنازعه نفوذ أجنبي متعدد لابد أن يقود لمزيد من التدهور والارتباك، فكل يوم يمر على انقسام الشرق والغرب يرتب مصالح وأوضاعا بالضرورة تعمق الانقسام.
ولهذا ما شهدته طرابلس مؤخرا من تصفيات لميليشيات وتدعيم لمراكز أخرى لا يمكن قراءته خارج هذا السياق، من صراع بين القوى التي تحمل السلاح ويعنى استمرار منطق الميليشيات وليس منطق الدولة.
والقيادات الليبية تواصل حركتها الداخلية والخارجية بشكل يكرس الانقسام بصرف النظر عن تباين الموقف والرؤية منها وأنه لا يمكن وضعها بشكل متساوٍ، فمواقفها متباينة في مدى التزامها بمصالح البلاد المستقبلية ومدى استقلالها الوطني.
وبطبيعة الحال وصلت المبعوثة الأممية الجديدة هانا تيتيه منذ عدة أسابيع، وتواصل حركتها في لقاء القيادات الليبية والسفراء المعتمدين في ليبيا في تحركات فارغة المعنى وبلا تأثير.
ومن يراقب الوضع في ليبيا سيجد أن ما يحدث هو نتاج كارثة اتفاق الصخيرات والتي وضعت بذور الالتباس والانقسام في ليبيا وكشفت كيف يمكن أن تؤدى تسوية غربية برداء الأمم المتحدة إلى خلق حالة فوضى وانقسام وتشويه خطير للحياة السياسية والتي قادها المبعوث الإسباني برناردينو ليون ليعطى فرصة لإضفاء الشرعية على تيار الإسلام السياسي وميليشياته، وليغرق ليبيا في منعطف خطير يحتاج لجهود خلاقة للخروج منه.
ولكن ما تلى هذا تعاقب للمبعوثين الأمميين ومحاولات محدودة وغير حاسمة لمحاولة تحريك الموقف وبشكل خاص خلال فترة المسؤولة الأمريكية ويليامز التي عينت مستشارة لسكرتير عام الأمم المتحدة بسبب الفيتو الروسي على تعيينها كمبعوثة، وحاولت أن تستخدم نفوذ بلادها ودورها الأممي لتحريك الموقف، ولكن بشكل أهوج وبدون رؤية متعمقة تحاول معالجة الأزمة من جذورها ومن ثم تدور المسألة الليبية في مسارات دائرية منذ الصخيرات دون أي جدية ولا رؤية حقيقية للخروج من هذه الأزمة.
المعروف أن كل حالة صراع لها خصوصيتها وتعقيداتها، والمشكلة التي يعرفها العالم اليوم أن الرئيس ترامب يفترض أنه الحاكم الأعلى للعالم ولا يخفى رغبته في الحصول على جائزة نوبل للسلام، وأسرف في إطلاق الوعود خلال الحملة الانتخابية أنه سينهى الحرب في غزة وأوكرانيا.
ووصلت مبالغته في حالة الحرب الأوكرانية أنه سينهى هذه الحرب في يوم واحد، وهو هدف كان يعكس سذاجة سياسية غير عادية وعدم إدراك دقيق بأبعاد هذا الصراع.
وسارع قبل تولى الحكم لإرسال مبعوثه للشرق الأوسط للمساعدة فى هدنة يناير الماضى ونسب لنفسه كل الفضل وحرم بشكل مهين وغير صحيح إدارة بايدن من أى دور فى هذا الصدد فى نموذج للاختطاف والقرصنة السياسية الفجة.
وبدلا من أن يبنى على الجهود التي بذلها معاونوه أطلق يد إسرائيل في التصعيد والإبادة الجماعية ولنرى المشهد الراهن المخجل للبشرية كلها في الأراضي الفلسطينية.
ويواصل ترامب سياسته المتذبذبة، بل والمتخبطة في الحالة الأوكرانية، ومؤخرا أعلن أنه أعطى بوتين ٥٠ يوما لإنهاء الحرب وإلا سيفرض عليه عقوبات شديدة وكأنه ببساطة يقول لموسكو أكملي بسرعة هجومك وتوسعك وعليك الانتهاء من خططك في هذه الفترة وبعدها لنجلس ونعقد اتفاق أمر واقع، وربما يسجل هذا كاتفاق سلام يستحق الإشادة الدولية.
ولأن ترامب يستخف ويتعجل الأمور ويظن أن قضايا العلاقات الدولية كصفقة بيع عقارات، ففي تقديري أنه ورجاله المنتمين لنفس الخلفية لا يدركون تعقيدات المسألة الليبية، وأنها تحتاج لإدارة صراع مع العديد من الأطراف الدولية والإقليمية والداخلية، وعليها كلها أن تتعاون.
ولأنه يقبل منطق أن تعاونها سيكون له مقابل فربما يغرق مبعوثه في هذا المستنقع الليبي، وسيكون عليه أن يكتشف أن عناصر التحرك الأساسية ستعتمد على استعداد الحليف التركي لتقديم تنازلات، والاستفادة مثلا من الانشغال الروسي والمقايضات التي يمكن أن تدفعها موسكو مقابل مكاسب أكبر في أوكرانيا.
وفى جميع الأحوال لم يثبت ترامب حتى الآن أنه ورجاله قادرون على فهم تعقيدات الأوضاع الدولية والصراعات الجارية.
_____________
