د. عيسى بغني
إعلان بلدية مصراته والبلديات المجاورة لها عن تشكيل إقليم المنطة الوسطى، هو فتح لفصل جديد من التاريخ الليبي، لإدامة التشظي وخلط الأوراق بعد عجز كل المحاولات للجم فيدرالية الرجمة الخارجة عن القانون.
فبالرغم من أن إعلان تشكيل إقليم الوسطى لا أساس قانوني له، ولا طبيعة جغرافية تسانده، ولا مبرر ثقافي أو إثني يشد من ازره، إلا انه يشكل بادرة يمكن النسج على منوالها في دولة شاسعة المساحة، لم يستقر نظامها السياسي منذ استقلالها، وتتعرض لتغيرات بنيوية وديموغرافية لا احد يستشف نتائجها.
وبذلك فان القرار يحفّز ظهور الكثير من المشاريع المكبوتة إلى العلن، والتي صيغت على مر العقود للخروج من دوامة التهميش والغلبة من إخوة تتقاسم النفط بطريقة ضيزى.
أول ما يتبادر إلى الذهن هو الاستغلال السيء لنشطاء المنطقة الشرقية لمفهوم الإقليم والمطالبة بالفدرالية، بالنكوص إلى مرحله الاستقلال وما قبله، رغم انتهاء نظام الفيدرالية منذ سنه 1964 ميلادي.
فالاختيارات السيئة للمنطقة الشرقية واكتسابها مزايا لا تستحقها، مثل:
توزيع أعضاء لجنه الستين على أساس الأقاليم،
والقيام بتأسيس ثلاثة حكومات موازيه في برقه،
والإستيلاء على معظم مداخيل الدولة عن طريق تزوير العملة وتهريب النفط
والركون إلى القوات الإقليمية والدولية باسم برقه،
واشتراط توزيع المناصب السيادية وغير السيادية على أسس محاصصة الأقاليم،
كل ذلك وضع ليبيا في جحيم مقيم، والكل يتحسس في دوامة الإجحاف أين المخرج ولو خارج الأنظمة المتعارف عليها، وفتح الباب على مصرعيه لمقاومة ذلك التصرف بتأسيس أقاليم مناظرة أكثر شفافية ووطنية وبحكم رشيد.
علما بان برقة لا يزيد عدد سكانها عن خُمس الشعب الليبي.
منذ أربعة سنوات تم اقتراح وجود خمسة أقاليم ليبية منها إقليم طرابلس وإقليم نفوسة وإقليم الوسطى وإقليم برقة وإقليم فزان، وهنا لا اعتبار للتاريخ لان المفاهيم تغيرت والوجود الاستعماري انتهى والاستحقاقات تعالت نحو العدالة والشفافية والحكم الرشيد.
إقليم الوسطى المعلن عنه منذ أيام، يتميز بثقل سكاني كبير، حيث يتضمن مصراته وزليتن والخمس وترهونة وبن وليد، وله إمكانيات صناعيه كبيره مثل صناعة الحديد والصلب والإسمنت والصناعات التحويلية، وله ثلاث مواني ومطار جوي، وقد تنظم اليه سرت ليتمدد شرقا إلى حوض سرت النفطي.
إلا أن ما يواجه هذا الإقليم هو مشكلة التجانس السكاني، فالمشاكل البينية لعقود طويله والتنافس المستمر على الموارد الريعية والسلطة، بين مدن الإقليم يجعل تماسكه في غاية الصعوبة، والجميع شهد رد فعل اهالي بن وليد برفض هذا الاتفاق بعد ساعات من توقيعه.
إقليم جبل نفوسة الذي طالب به سكان أقصى الغرب الليبي وسكان الجبل، وكان تسميته بالإقليم الرابع قبل ذلك، يشتمل غرب صبراته حتى الحدود التونسية ثم جنوبا الى غدامس وغات وشمال ادري في بلديه الشاطئ (وهي حدود شعبية نالوت سابقا) وشرقا حتى الشويرف وغريان، وبذلك يحتوي كل مدن جبل نفوسة ومعظم مدن سهل الجفارة والحمادة .
هذا الإقليم له ميناء بحري في مليته وزوارة وابوكماش والكثير من المعابر البرية مثل راس جدير ووازن مع تونس والدبداب (بغدامس) وايسين (في غات) مع الجزائر ومعبر السلفادور مع النيجر، إضافة الى الطرق الداخلية التي تقطع الإقليم من الغرب الى الشرق مثل طريق نالوت زوارة ونالوت غريان ودرج الشويرف، وبذلك فان الإقليم يتجاوز مساحته عدة دول أوروبية مثل فرنسا وأسبانيا والبرتغال مجتمعة.
كما أن للإقليم إمكانيات نفطية هائلة، فيوجد به ستة حقول عاملة وهي من الجنوب الى الشمال حقل الشرارة وحقل الوفاء وحقل سيناون وحقل نفوسة ومنصتي صبراته والجرف إضافة إلى مجمع مليته النفطي، وهناك حقل غاز واعد وهو (NC7) ، وخط الغاز النيجيري الذي يمر من جنوب إلى شمال الإقليم ثم إلى القارة الأوروبية.
الأكثر أهمية في هذا الإقليم وجود التوافق الاجتماعي والثقافي للمكونات الى حد كبير، بين العدد القليل من السكان في مساحة شاسعة.
نظام ألأقاليم أن لم يتطور إلى النظام الفيدرالي ( وهذا مستبعد على المدى المنظور) يساعد كثيرا على تنظيم التنمية المكانية لإنشاء مشاريع متكاملة وخدمات محليه متقاربة وخصوصية ثقافيه مستحقة.
ففي تونس أعتمد نظام ألأقاليم غير فيدرالي منذ 2023 م ، ويوجد بها خمسة أقاليم مختلفة المساحة وعدد السكان، أكبرها مساحة إقليم الجنوب: قابس ومدنين و تطاوين واكثرها في عدد السكان إقليم بنزرت في الشمال.
حتى يتم هكذا مسار تنظيمي يمنع تغول منطقة على أخرى ويمنع قرارات الامر الواقع المهينة والمفلسة للدولة الليبية ويمنع العبث بمقدرات الدولة بطرق جهوية مناطقية، تحتاج الدولة الليبية الى دستور دائم ينظم هكذا أقاليم.
ففي النظام الحالي لا يوجد اساس قانوني للمطالبة او تشكيل أي إقليم، فمثلا قانون الإدارة المحلية رقم 59 لسنه 2013 يتحدث عن المحافظات كطريقة اللامركزية، ولا توجد به أي إشارة للأقاليم، بالمثل ألإعلان الدستوري وتعديلاته.
زوبعة الأقاليم منذ 2013 كانت من صناعه البرلمان الحالي الذي قام بتبني اراء نشطاء الفيدرالية في برقه خلال السنوات 2012 إلى 2014 والذين سُحقوا كأفراد من القيادة العامة في المنطقة الشرقية وتبنت آرائهم حكومات الرجمة للحصول على مكاسب أصبحت ترتب لحكم عسكري عائلي، وللأسف ساند رجالات برقة باختيارهم السيئ هذا النهج الفوضوي.
لا شك ان الجميع يتذكر إغلاق الطريق الساحلي عند الوادي الحمر من نشطاء الفيدرالية وإصرارهم على تبني لجنة الستين للدستور بالتساوي بين الأقاليم وليس حسب عدد السكان، ورضخ المجلس الانتقالي لذلك، وبذلك كانت الكارثة والسنة السيئة والدخول في النفق المظلم الذي لم ينتهي بعد.
***
د. عيسى بغني ـ أكاديمي مهتم بالشأن الليبي
__________
