عبر ساسة وعسكريون ليبيون عن “تشكيكهم” في قدرة الفاعلين السياسيين الأساسيين في ليبيا على التفاعل بإيجابية مع خارطة الطريق التي طرحتها مبعوثة الأمم المتحدة الخاصة إلى ليبيا، هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن لإنقاذ ليبيا من حالة الجمود السياسي التي تعيشها منذ سنوات طويلة.
وتنوعت ردود فعل هؤلاء الساسة والعسكريين الذين تحدثوا إلى “عربي بوست” بين الإشادة بالمبادرة الأممية وبين التشكيك في قدرة الأطراف الليبية المختلفة على الجلوس إلى طاولة المفاوضات من جديد لإيجاد أرضية مشتركة للعمل من خلالها للوصول إلى مسار ينهي وضع ليبيا الحالي.
خطة الأمم المتحدة
كانت المبعوثة الأممية الخاصة إلى ليبيا، هانا تيتيه، قد طرحت خارطة طريق جديدة تهدف إلى إنهاء الأزمة السياسية الممتدة منذ عام 2011 عبر تنظيم انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال فترة لا تتجاوز 18 شهرًا.
وقدمت تيتيه هذه الخطة خلال إحاطتها أمام مجلس الأمن الدولي، مؤكدة أن نجاحها يتطلب قبول القادة الليبيين والانخراط الجاد في تنفيذها، موضحة أن الخطة تستند إلى مراحل متدرجة تضمن الانتقال السلس نحو الاستقرار السياسي، مع إشراك مختلف القوى الوطنية في العملية، وتهيئة الظروف المناسبة لإنهاء حالة الانقسام التي عطلت مسار بناء الدولة.
تعتمد خارطة الطريق على ثلاث ركائز رئيسية تشكل الأساس لأي تسوية سياسية في ليبيا:
أولًا، وضع إطار انتخابي متكامل من الناحية الفنية والسياسية يسمح بإجراء انتخابات شفافة تعكس الإرادة الحقيقية للشعب الليبي.
ثانيًا، توحيد المؤسسات المتنازعة عبر تشكيل حكومة واحدة تفرض سلطتها على كامل الأراضي الليبية وتضع حدًا لازدواجية الإدارات.
ثالثًا، إطلاق حوار وطني شامل يجمع القوى السياسية والاجتماعية لمعالجة القضايا العالقة وبناء توافق وطني يساعد في تهيئة المناخ المناسب للانتخابات وصياغة رؤية مشتركة لمستقبل البلاد.
وفي إطار التحضير لهذه الخطة، أنهت اللجنة الاستشارية الليبية، المؤلفة من 20 خبيرًا، اجتماعات مكثفة استمرت ثلاثة أشهر، وخلصت في مايو/أيار 2025 إلى تقديم مجموعة من الخيارات المطروحة أمام الحوار الوطني.
وشملت هذه الخيارات إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة، أو تنظيم انتخابات برلمانية أولًا ثم مراجعة الدستور قبل الانتخابات الرئاسية، أو البدء بإقرار دستور دائم كشرط لأي استحقاق انتخابي، أو تشكيل جمعية تأسيسية لمراجعة الدستور ومن ثم الذهاب إلى الانتخابات. وترى البعثة الأممية أن جميع هذه السيناريوهات قابلة للتطبيق وتشكل فرصًا عملية لتجاوز المأزق السياسي المزمن.
وخلال إحاطتها أمام مجلس الأمن، شددت تيتيه على أن الخطة ليست مجرد طرح نظري، بل عملية مدروسة بمراحل مترابطة، بحيث تمهد كل خطوة للخطوة التالية وصولًا إلى الانتخابات في إطار زمني يتراوح بين 12 و18 شهرًا.
وأكدت أن المشاورات التي أجرتها مع المجتمع المدني والأحزاب والمكونات الاجتماعية كشفت عن رغبة صادقة في إنهاء المراحل الانتقالية المتكررة، وبناء شرعية جديدة عبر صناديق الاقتراع.
كما أشارت إلى أن الدعم الدولي المرتقب للخطة يهدف إلى توفير ضمانات حقيقية لنجاحها، بما يعزز وحدة ليبيا ويحافظ على مؤسساتها ويضع حدًا لدوامة الانقسام السياسي.
خطة لا تحمل مقومات النجاح
قال المحلل السياسي الليبي فرج دردور إن خطة المبعوثة الأممية الجديدة إلى ليبيا لا تحمل مقومات النجاح، لأنها ربطت تطبيقها بوجود بيئة ملائمة في البلاد، بينما لم تطرح أي آليات واضحة لتحقيق هذه البيئة.
وأوضح أن الحديث عن “البيئة الملائمة” يعني الوضع الأمني والسياسي في الشرق والغرب، وهيمنة الميليشيات، والانقسام المؤسسي، وكلها عوامل لا يمكن تجاوزها بمجرد إعلان خطة دون أدوات تنفيذية.
وأضاف أن المبعوثة اكتفت بالحديث عن آليات لمعاقبة المعرقلين، ثم طالبت مجلس الأمن بدعمها في هذا المسار، إلا أن الواقع يؤكد أن مجلس الأمن منقسم في الملف الليبي، ولا يمكنه أن يدعم طرفًا على حساب طرف آخر حتى إذا كان أحد الأطراف يعرقل التنفيذ، وهو ما يجعل الحديث عن العقوبات غير ذي جدوى.
وأشار دردور إلى أن الإشكالية الكبرى تكمن في أن الأطراف الليبية جميعها تعلن الترحيب بالخطة الأممية، لكنها في الواقع لا تبدي أي نية لدعم نجاحها على الأرض. فالتجارب السابقة، منذ اتفاق الصخيرات عام 2015 مرورًا بمؤتمرات باريس وبرلين وجنيف، أثبتت أن هذه الأطراف تتعامل مع المبادرات الأممية بخطاب مزدوج؛ حيث تعلن الالتزام إعلاميًا، لكنها عمليًا تعمل على إجهاض أي خطوة يمكن أن تهدد مصالحها. وهذا ما يجعل الخطة الحالية معرضة لأن تلقى نفس مصير الخطط السابقة التي لم يُكتب لها النجاح.
ورغم انتقاده للخطة، أقر دردور بأنها، من حيث البنود والخطوات، تعد الأفضل مقارنة بالمبادرات السابقة، وأنها لو وجدت بيئة مناسبة يمكن أن تنهي حالة الانقسام وتفتح الطريق نحو استقرار دائم في ليبيا.
غير أنه عاد ليؤكد أن هذه البيئة ليست متاحة حاليًا، وأن العقبات الداخلية كبيرة، بدءًا من سطوة السلاح والميليشيات، وصولًا إلى غياب الإرادة السياسية الحقيقية لدى الفاعلين. واعتبر أن أي رهان على نجاح الخطة دون معالجة هذه العقبات سيكون وهمًا.
لكن الباحث الليبي موسى تيهوساي، المقرب من حكومة الوحدة الوطنية برئاسة عبد الحميد الدبيبة، يختلف مع فرج دردور، ويقول إن الخطة الأممية الجديدة الخاصة بالملف الليبي تمثل “الخيار الأكثر واقعية” في المرحلة الراهنة، ويرى أنها السبيل الأفضل لكسر حالة الجمود السياسي التي تخنق البلاد منذ سنوات.
وأكد تيهوساي أن الخطة ليست مجرد مقترح نظري أو مبادرة عابرة مثل كثير من المبادرات السابقة، بل هي آلية سياسية مشتركة تحمل مقومات عملية يمكن أن تجمع الأطراف الليبية المختلفة على أرضية واحدة وتخلق مسارًا أكثر تماسكًا نحو التسوية.
وأوضح أن أحد أبرز عناصر قوة الخطة هو كونها لا تسعى إلى فرض حلول مفصلة على مقاس طرف معين أو إقصاء طرف آخر، بل تحاول أن تضع خيارات واقعية تعترف بالتوازنات الداخلية وتفتح الباب أمام مشاركة الجميع.
وفي هذا السياق قال: “إذا فكرت بعمق في المشهد الليبي ستجد أن هذه الخطة مقبولة بدرجة كبيرة، لكنها تحتاج إلى إرادة حقيقية وتخلي النخبة السياسية عن النرجسية والمغالبة“. وأشار إلى أن النخب الحاكمة اعتادت أن تصوغ الحلول على مقاسها الضيق، محاولة تهميش بقية القوى، وهو ما اعتبره “مقاربة غير منطقية وغير قابلة للاستمرار“.
الأزمة لدى حفتر
لفت دردور النظر إلى أن الوضع في الشرق الليبي يزيد من صعوبة تطبيق الخطة، قائلاً إن السلطات هناك منعت إجراء الانتخابات البلدية، وتعمل الآن على الإعداد لتنصيب حاكم للبلاد في سبتمبر المقبل، وهو ما قد ينتهي بتزكية المشير خليفة حفتر رئيسًا بدعم من برلمان طبرق وبعض القبائل التي وصفها بأنها مغلوبة على أمرها.
وأضاف أن حفتر سبق أن عيَّن أبناءه في مواقع عسكرية عليا داخل الجيش، كما يرفض التشاور مع الساسة في الغرب حول مستقبل ليبيا، وهو ما يعني عمليًا أن الشرق يسير في اتجاه تكريس الانقسام لا تجاوزه.
وانتقد دردور موقف الأمم المتحدة، معتبراً أنها لم تتخذ أي إجراءات حقيقية ضد تحركات حفتر، وقال: “لا نجد أي تنديد جاد بما يقوم به حفتر ولا أي موقف حازم من البعثة الأممية، وهذا الصمت يشجع على مزيد من الانقسام“.
ويرى أن هذا الموقف الدولي المتراخي يعكس حسابات القوى الكبرى التي لا تريد الدخول في مواجهة مع حفتر، خاصة في ظل دعمه من أطراف إقليمية وازنة مثل مصر والإمارات، ومن قوى دولية مثل فرنسا وروسيا، التي ما زالت ترى فيه ورقة يمكن استثمارها في إعادة رسم المشهد الليبي.
وأوضح أن العقبة الحقيقية أمام أي خطة ليست في الغرب حيث يقف عبد الحميد الدبيبة، فالأخير يمكن إقناعه أو حتى إجباره على التنحي، لكن المشكلة تكمن في الشرق حيث يسيطر حفتر على الأرض.
وأكد أن أي حكومة مستقبلية ستجد نفسها مضطرة للعمل تحت سلطة حفتر أو بموالاته، وإلا فلن يُسمح لها بالوجود في الشرق، الأمر الذي يجعل الحديث عن أن حفتر سيسمح بإجراء انتخابات حرة أمرًا غير منطقي.
في الوقت نفسه، وردًا على ما قيل حول أن الأزمة تكمن في الشرق الليبي، قال النائب سالم القنيدي، عضو لجنة الدفاع في مجلس النواب الليبي ببرلمان طبرق، إن خطة المبعوثة الأممية الجديدة لم تصل بعد إلى البرلمان، مؤكداً أن المؤسسة التشريعية في الشرق ستنظر في تفاصيلها بمجرد وصولها، وستخصص لها جلسة منفصلة لمناقشتها بشكل معمق.
وأوضح أن البرلمان في طبرق يتعامل مع أي مبادرة أو مقترح من منطلق الشرعية القانونية والدستورية، وأنه لا يمكن أن يُبنى حل حقيقي للأزمة الليبية من خارج المؤسسات الرسمية المنتخبة والمعترف بها داخليًا وخارجيًا.
وأضاف القنيدي أن الشرق الليبي لا ينظر بعين القبول الكاملة إلى الحلول التي تقدمها الأمم المتحدة، لكنه في الوقت نفسه يؤكد أن أي مسار أممي يجب أن يكون مرجعه الأساس مجلس النواب في طبرق، باعتباره الجهة التشريعية الوحيدة المنتخبة من الشعب الليبي.
وشدد على أن هذه المؤسسة سبق أن أبدت استعدادها الواضح للذهاب إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية شاملة، ولتشكيل حكومة جديدة تمثل كل الليبيين وتعمل على إنهاء حالة الانقسام. غير أن الغرب الليبي – بحسب قوله – هو من عرقل هذا التوجه ورفض المضي قدمًا في هذه الخطوات.
وأشار عضو لجنة الدفاع في البرلمان إلى أن الكرة الآن في ملعب الغرب الليبي، وليس الشرق. فالبرلمان في طبرق – كما يقول – أبدى مرونة واستعدادًا للتجاوب مع أي حلول سياسية واقعية، في حين أن القوى السياسية والعسكرية في الغرب لم تُظهر الجدية الكافية للتوصل إلى تسوية.
وأوضح أن المطلوب الآن من الغرب الليبي أن يقدم للرأي العام ما يثبت أنه حريص على حل الأزمة.
وذكر القنيدي أن البرلمان في طبرق ظل خلال السنوات الماضية متمسكًا بخيار الانتخابات كطريق أساسي لإنهاء المراحل الانتقالية المتكررة. وأكد أن النواب طالبوا مرارًا بتحديد قاعدة دستورية واضحة، وتجاوز الخلافات القانونية والفنية التي عطلت إجراء الانتخابات في السابق.
كما شدد على أن البرلمان كان ولا يزال على استعداد لتقديم تنازلات معقولة من أجل الدفع بالعملية السياسية إلى الأمام، غير أن ما يصفه بمواقف التعنت من بعض القوى في الغرب حالت دون ذلك.
وبحسب القنيدي، فإن جوهر الأزمة في ليبيا يتمثل في غياب إرادة سياسية جامعة، واستمرار محاولات بعض الأطراف استثمار الوضع لصالحها، دون النظر إلى المصلحة الوطنية العليا. وأوضح أن البرلمان في طبرق يعتبر أن الشرعية لا يمكن أن تُبنى إلا على أساس الانتخابات، وأن أي حكومة لا تنبثق عن عملية انتخابية حقيقية ستظل موضع شك في شرعيتها.
…
يتبع
______________
