يوسف الصواني
الملخص التنفيذي
إن الطريق نحو السلام والاستقرار في ليبيا طويل ومتعرج. ورغم بعض التطورات الإيجابية نسبيًا التي أعقبت منتدى الحوار السياسي الليبي، إلا أن السلام الدائم لا يزال بعيد المنال بالنسبة للشعب الليبي والمجتمع الدولي.
تواجه ليبيا اليوم مستقبلًا غامضًا: مستنقع سياسي؛ وصعوبات اقتصادية خانقة؛ ومخاطر تجدد التصعيد العسكري بسبب الجمود السياسي الذي أعقب انتهاء صلاحية خارطة طريق منتدى الحوار السياسي الليبي؛ وفشل العملية الانتخابية.
إن استمرار العنف في ليبيا، وإن كان منخفض الشدة، كما يتضح من المناوشات المنتظمة بين الميليشيات، إلى جانب استمرار وجود المقاتلين الأجانب والمرتزقة، يجعل السلام هشًا وعرضةً لمزيد من الاضطرابات.
لا يزال العمل الجاد على المسارات السياسية والاقتصادية والعسكرية معلقًا، بما في ذلك حل القضايا المعقدة مثل مستقبل الميليشيات والأمن والقضايا الشائكة المتعلقة بالعملية الانتخابية والدستور الدائم.
على الرغم من الجهود التي بذلتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لدفع العملية الدستورية قدمًا خلال الاجتماع رفيع المستوى الأخير حول المسار الدستوري الليبي في جنيف يومي 28 و29 يونيو 2022، لا تزال هناك خلافات جوهرية حول عدد من القضايا، لا سيما شروط أهلية المرشحين في أول انتخابات رئاسية بعد عام 2011.
في حين أن جولات المشاورات العديدة في القاهرة وجنيف قد حققت تقدمًا ملحوظًا، إلا أنها لم تلبِّ متطلبات إجراء انتخابات وطنية شاملة وجامعة في ليبيا.
والحقيقة هي أنه منذ سقوط نظام القذافي، فشلت ليبيا في الانتقال إلى الاستقرار والديمقراطية، حيث قسّم كل من الانتفاضة والصراع الذي تلاه الليبيين إلى فئات أساسية من “الفائزين” و“الخاسرين“.
حاولت الأمم المتحدة وعدد من الجهات الدولية الفاعلة إيجاد حل للأزمة من خلال جهود وساطة مختلفة، إلا أن دور القوى الأجنبية، بما في ذلك بعض الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، لم يكن دائمًا بناءً.
أثرت الخلافات وتضارب المصالح بين هذه الدول الأعضاء في مجلس الأمن سلبًا على مسار الصراع، مما أعاق جهود الأمم المتحدة لإيجاد تسوية دائمة له.
وكثيرًا ما حالت المصالح الأجنبية المتضاربة دون التوصل إلى توافق على الصعيدين الوطني والدولي.
ورغم بعض النتائج الإيجابية في العملية السياسية، لا تزال الأزمة مستمرة دون هوادة. ومع ذلك، لا تلوح في الأفق أي تسوية نهائية وشاملة ودائمة، ويعزى ذلك جزئيًا إلى قلة الاهتمام الجاد بالقضايا الرئيسية مثل الحوار الوطني والعدالة الانتقالية وإصلاح قطاع الأمن والمصالحة.
وقد شاركت الأمم المتحدة في الوساطة في الصراع الليبي من خلال بعثتها الخاصة في ليبيا، بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. ومع ذلك، اختار كل رئيس للبعثة – الممثلون الخاصون للأمين العام – إيان مارتن، وطارق متري، وبرناردينو ليون، ومارتن كوبلر، وغسان سلامة، والممثل الخاص للأمين العام بالإنابة ستيفاني ويليامز، ويان كوبيش – نهجًا مختلفًا. تشير مقارنة هذه الجهود إلى وجود عيوب جوهرية في تصميم العملية وتناقضات في الاستراتيجية والنهج.
بالإضافة إلى غياب استراتيجية موحدة في العملية السياسية التي تقودها الأمم المتحدة، سادت مخاوف لدى شرائح واسعة من المجتمع الليبي من تعرض نزاهة الأمم المتحدة وحيادها للمساس في بعض الأحيان، وافتقار العملية السياسية للشفافية، وفقًا لمن أجرينا معهم المقابلات.
أُبقي المشاركون في جهل تام قبل بدء الحوار السياسي، ولم يتمكنوا من الوصول إلى جدول أعمال الحوار أو محاضره أو نتائجه. وإلى جانب التأثير السلبي للجهات الفاعلة الإقليمية والدولية المتنافسة، كان من المحتم على عملية الأمم المتحدة أن تفشل في جوانب عديدة.
يوضح هذا التقرير أن عمل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في نظر غالبية الليبيين، عانى من العديد من نقاط الضعف، وحصل على درجات منخفضة جدًا في معظم المعايير التي تُعتبر ضرورية للنجاح.
ونظرًا لعدم وجود معايير واضحة وشفافة لاختيار المشاركين في عمليات الحوار الوطني، فإن أوجه القصور الناتجة عن ذلك في الشمول والملكية 5 قللت من المساءلة، وسمحت للمشاركين بتسييس العملية.
علاوة على ذلك، كانت هناك أصوات قليلة تمثل المجتمع المدني، واعتُبرت مشاركتها المحدودة مجرد محاولة شكلية لتحقيق الشمولية.
لم تُشكل مشاركة المرأة أي تمثيل ذي معنى. وبالتالي، فشلت العملية في معالجة القضايا المتعلقة بالمرأة والمجتمع المدني، مما أدى إلى مزيد من تقليص الشمولية، وقوض الملكية العامة، وتجاهل الظروف التي لا تزال تُولّد الصراع والعنف. كما أن غياب الشمولية والمِلكية يعني أن التنفيذ أصبح عشوائيًا وظرفيًا في جوهره.
الاتفاق السياسي الليبي، باعتباره الإنجاز الرئيسي لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والإطار الذي يُحدد عملها ويحدد مؤسسات الدولة الليبية الحالية، قد فشل، على الرغم من كل الدعم الذي حظي به من البعثة والمجتمع الدولي، في تحقيق أهدافه.
في الواقع، خلق الاتفاق السياسي الليبي سياقًا أصبح فيه الليبيون أكثر انقسامًا من ذي قبل، وأثار قضايا خلافية جديدة. ولم تنجح العملية في أن تصبح حوارًا وطنيًا تحويليًا يُحدث تغييرات في المواقف العامة تُمهد الطريق للتغيير المنشود والمستدام، مما أدى إلى تفاقم الصراع.
يُظهر هذا التقرير أنه لكي يُحقق أي حوار حلًا مستدامًا للأزمة الليبية، يجب أن يكون تحويليًا ومتكيفًا. ويمكن تحقيق هذا الهدف من خلال التزامات أوضح وأكثر رسوخًا بإنهاء التدخل الأجنبي، وتصميم حوار وطني أوسع وأكثر شمولًا يضع المصالحة في صدارة الأولويات.
يجب أن تستند أي محاولة لحل الصراع الليبي إلى فهم سليم للسياقات الاجتماعية والاقتصادية والتاريخية، مما يُساعد الأطراف على الالتزام الصادق بتنفيذ الاتفاقات.
أي جهد يتجاهل هذا المطلب سيؤدي إلى اتفاق سطحي قد يأتي بنتائج عكسية. هناك حاجة لتوسيع المشاركة، ودعم الملكية الليبية، والحد من التدخل الأجنبي.
بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على الجهات الفاعلة الأجنبية، سيتطلب السلام في ليبيا تكاتف الأطراف الليبية المعنية لوضع اتفاقية سلام ومصالحة من خلال عملية بقيادة ليبية، حيث يضعون القضايا المتنازع عليها كمشاكل مشتركة.
هذا من شأنه أن يمهد الطريق لتنفيذ الالتزامات والضمانات القائمة على منافع متبادلة لا حصرية. عندها لن يكون هذا الاتفاق مجرد أداة لتقاسم السلطة تُفضّل بعض الفصائل.
بدلاً من الاستمرار في الاعتماد على الجهات الفاعلة الأجنبية، سيتطلب السلام في ليبيا تكاتف الأطراف الليبية المعنية لوضع اتفاقية سلام ومصالحة من خلال عملية بقيادة ليبية، حيث يضعون القضايا المتنازع عليها كمشاكل مشتركة.
…
يتبع
***
يوسف م. صواني – أكاديمي ذو خبرة طويلة في التدريس والبحث. باحث مستقل. عضو هيئة تدريس بجامعة طرابلس.
_______________
