حافظ الغويل
لم تكن ليبيا يومًا تفتقر إلى المتدخلين الأجانب، إلا أن القليل منهم شكل حالة الخلل الوظيفي فيها بعمق مثل الإمارات العربية المتحدة.
لقد خلقت الفوضى التي أعقبت حقبة القذافي فرصة للفاعلين الطموحين الساعين إلى حلفاء مرنين وموطئ قدم جيوسياسي.
انقضت أبوظبي على تلك الفرصة بطموح لا مثيل له، متعاملَة مع ليبيا كأرض اختبار لنموذج إقليمي لفرض النفوذ يقدِّر التأثير على حساب الاستقرار، والعملاء المسلحين على حساب المؤسسات، والمكاسب التكتيكية على حساب النظام طويل الأمد.
وكانت النتائج مُهلِكة: ساحة سياسية ممزقة، وأمراء حرب متمكنون، وشبكات ولاءات عسكرية مسيسة، ودولة عاجزة عن استعادة طريقها نحو السيادة، وربما، نحو شكل من أشكال الديمقراطية.
في صميم استراتيجية أبوظبي يكمن ترسيخ وجود خليفة حفتر وتفتيت السلطة الوطنية. تعتمد استراتيجية حفتر بشكل كبير على خطوط الإمداد الخارجية، حيث تقدم له الإمارات المال والسلاح والمرتزقة والضمانات السياسية.
وعليه، مكّن الدعم الإماراتي حفتر من تعزيز سلسلة قيادة شخصية، وتهميش السلطات المدنية، وتصلب المؤسسات المنافسة. وهذا التمكين يأتي بتكلفة يمكن توقعها. فقد أصبحت المصالحة الوطنية رهينة لطموحات رجل قوي هرِم، لا تستمد سلطته من الشرعية الداخلية بقدر ما تستمدها من رعاة خارجيين.
إن المصارف المركزية المتوازية في ليبيا، والحكومات المتناحرة، والقوات المسلحة الممزقة، ليست سوى بعض أعراض الخلل الهندسي المُفتعل. علاوة على ذلك، فإن الرعاية الأجنبية لحفتر توفر له حصانة من التسوية السياسية، وتمنحه مساحة لرفض أطر تقاسم السلطة وإفشال المفاوضات.
وبتمكين من أبوظبي، ظل حفتر يرفض باستمرار دمج قواته بشكل جاد، وعزز اعتماده على السرية والإكراه، وتمسك بالارتهان لقوى خارجية مؤقتة، بما في ذلك المقاتلين الأجانب والمرتزقة، لسد النقص في الأفراد.
وهذا بطبيعة الحال أدى إلى خلق نظام بيئي دائم من الجهات المسلحة غير الخاضعة للمساءلة، ولا يمكن لأي دولة متماسكة إعادة استيعابها.
ونتيجة لذلك، فإن بلدًا لا يتجاوز عدد سكانه 7 ملايين نسمة، يستضيف الآن أكثر من 20 مجموعة مسلحة كبرى، ومؤسسات “سيادية” متعددة، وقوات أمن موازية تمول عبر قنوات متنافسة، بما في ذلك عملة موازية يطبعها حفتر ويستخدمها لشراء الدولارات في السوق السوداء لتمويل تمرده.
العبء الاقتصادي هائل
تشير التقديرات إلى أن ليبيا خسرت أكثر من 150 مليار دولار من عائدات النفط التراكمية منذ عام 2011 بسبب الإغلاقات والانقسام المؤسسي وانعدام الأمن، وهي ديناميكيات مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بدورات الصراع التي تغذيها هجمات حفتر والتحركات المضادة التي فرضتها.
كل تصعيد مسلح غذى منطق بقاء الميليشيات في الغرب، مما دفعها إلى التمركز، مما عمق الخلل الوظيفي ذاته الذي زعمت أبوظبي أنها تساعد في تحييده.
والأكثر إثارة للقلق، أن تلك الغزوات في ليبيا استبقت نموذجًا لاستراتيجية إماراتية أوسع تدمج النزعات المناهضة للديمقراطية مع استخدام شبه تجريبي للقوات الهجينة.
لقد أدى الاعتماد على تكتلات المرتزقة إلى خلق نموذج يكافئ الحكام المستبدين المرنين، ويتجاوز الرقابة متعددة الأطراف، ويفتح قنوات للإنكار المعقول.
علاوة على ذلك، ألهم “صندوق الرمل الليبي” الاستراتيجيات الإماراتية لدمج البنية التحتية التجارية مع المنفعة العسكرية بطريقة لم تستطع سوى قوى متوسطة قليلة تنفيذها.
فمنذ عام 2012، وجهت أبوظبي نحو 60 مليار دولار إلى الموانئ ومراكز الخدمات اللوجستية وسلاسل التوريد من السنغال إلى الصومال.
في إريتريا، استضاف ميناء عصب قاعدة عسكرية إماراتية شكلت العمود الفقري اللوجستي للعمليات في اليمن، مع التعامل في الوقت نفسه مع البضائع التجارية.
وينطبق منطق الاستخدام المزدوج نفسه على بربرة في أرض الصومال، حيث تضمنت صفقة ميناء بقيمة 442 مليون دولار بنودًا تسمح بوصول البحرية الإماراتية ومرافق لتدريب خفر السواحل المحليين.
تسمح هذه الترتيبات لأبوظبي بفرض نفوذها دون الأعباء السياسية للقواعد الرسمية، بينما يعزل الغطاء التجاري العمليات عن التدقيق الدولي.
ولعل الأكثر وضوحًا هو تجارة الذهب غير المشروع التي تغذي الحرب المروعة في السودان، والتي أصبحت الآن سمة مميزة للنموذج الهجين لأبوظبي في المغامرات الخارجية.
تقوم مصافي دبي بمعالجة ذهب بقيمة نحو 8 مليارات دولار يتم الحصول عليه من القارة الأفريقية سنويًا، لكن التناقضات الجمركية تشير إلى أن الكثير من الذهب الذي يصل إلى الأسواق الإماراتية يمر أولاً عبر شبكات تهريب غير رسمية تسيطر عليها الميليشيات ذاتها التي تتعاقد معها الإمارات لاحقًا لعمليات إقليمية، مثل قوات حفتر أو شبكات المرتزقة الواسعة في تشاد.
ما يظهر هو حلقة مفرغة حيث تمول عائدات استخراج الموارد غير المشروعة شركاء شبه عسكريين، يقوم هؤلاء بدورهم بتأمين الممرات الداخلية في أجزاء من أفريقيا حيث تسعى أبوظبي لفرض نفوذها.
التداعيات الإقليمية ليست أمرًا مجردًا
فالدعم المقدم لقوات الدعم السريع في السودان يحاكي بشكل وثيق الأنماط التي شوهدت بالفعل في ليبيا: طرف خارجي مزود بالموارد يمكّن وحدات شبه عسكرية متهمة بارتكاب فظائع، بما في ذلك أهوال الفاشر.
يظهر المنطق التعاملي نفسه في أجزاء من الساحل، حيث تدفقات المرتزقة ونقل الأسلحة والتدخل السياسي تعكس أيضًا المغامرة الإماراتية في ليبيا. كما تعكس التقارير عن طموحات أبوظبي في القرن الأفريقي عقلية مماثلة.
فصفقات الموانئ والرعايات السياسية والاتفاقات الأمنية تبدو مدفوعة بغرض فرض النفوذ الخام أكثر من كونها نابعة من وضوح استراتيجي، وهو نهج يخاطر بزعزعة استقرار دول هشّة أصلاً.
من السمات البارزة لغزوات الإمارات في ليبيا وأماكن أخرى هو العمى الاستراتيجي تجاه النتائج طويلة الأجل. سعت أبوظبي إلى استبداد صديق يمكنه قمع المتطرفين، وضبط الحدود، والتوافق مع رؤيتها للنظام الإقليمي.
وبدلاً من ذلك، أنتج السعي وراء هذه الصورة المثالية دولة طاردة مركزية ذات مؤسسات ضعيفة، ومجموعات مسلحة متكاثرة، وأزمة حكم تهدد الآن الاستقرار الإقليمي.
سمحت حدود ليبيا المنفذة بتدفق الأسلحة جنوبًا إلى الساحل، مما يغذي التمردات واقتصادات اللصوصية في النيجر ومالي وتشاد. تزدهر شبكات الاتجار بالبشر في مناطق الفوضى وتتدفق إلى أوروبا.
يواجه الفاعلون الإقليميون الآن حقيقة صعبة
لن تستقر ليبيا من خلال تمكين فصيل واحد، مهما كان مسلحًا تسليحًا كثيفًا أو مدعومًا خارجيًا. يتطلب الاستقرار تحولاً من الرعاية الأجنبية للخصوم نحو دبلوماسية منسقة تهدف إلى توحيد المؤسسات الحيوية: القوات الأمنية، البنك المركزي، المؤسسة الوطنية للنفط، والإطار الانتخابي.
إن تفضيل أبوظبي للحلول العسكرية يعيق هذا التحول. فالدعم الإماراتي للهندسة الانتخابية، والمحاولات الخفية لتشكيل التسلسل الدستوري، وحملات الضغط على عمليات الوساطة الأممية، كلها تساهم في خلق بيئة سياسية يتم فيها تهميش الإرادة الليبية بشكل روتيني.
إعادة التصحيح ممكنة، ولكن فقط إذا تدخلت دول عربية مؤثرة. تقدم السعودية نهجًا مغايرًا يرتكز على تحقيق الاستقرار والتنمية الاقتصادية وخفض التصعيد بدلاً من الهندسة الفصائلية.
إن موقف الرياض المتحفظ في ليبيا، وعلاقاتها الدبلوماسية المتنامية عبر شمال أفريقيا، واهتمامها المتزايد بالتنسيق الأمني في حوض البحر الأحمر، توفر بديلاً للمغامرة المزعزعة للاستقرار التي شهدناها على مدى العقد الماضي من جارتها.
يمكن لتوجّه سعودي نحو الريادة الإقليمية المسؤولة أن يساعد في تحويل الدبلوماسية العربية نحو دعم المؤسسات الوطنية الموحدة كشرط مسبق لتحقيق الاستقرار، ومساعدة دول مثل ليبيا على استعادة سيادتها بدلاً من تعميق خطوط الصدع.
***
حافظ الغويل – زميل أول ومدير برنامج في مركز ستيمسون بواشنطن، وزميل أول في مركز دراسات النزاعات والإنسانية.
_____________
