
أعاد الكاتب والمحلل السياسي الليبي صلاح البكوش تسليط الضوء على الدور الإماراتي في الأزمة الليبية، معتبرا أن التحركات الأخيرة التي تزامنت مع وصول رئيس حكومة الوحدة الوطنية عبد الحميد الدبيبة وقائد قوات شرق ليبيا خليفة حفتر إلى أبوظبي، تعكس استمرار محاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي الليبي عبر تفاهمات تُدار خارج البلاد، في ظل ما بات يعرف بـ”مبادرة مسعد بولس”.
وفي تدوينة نشرها عبر حسابه على منصة “فيسبوك”، رأى البكوش أن ما تشهده الساحة الليبية اليوم لا يمكن فصله عن مسار طويل من التدخل الإماراتي بدأ منذ عام 2014، واتخذ أشكالا عسكرية وسياسية مختلفة، لكنه ظل ـ بحسب وصفه ـ يستهدف إعادة هندسة السلطة في ليبيا بما يخدم حلفاء أبوظبي.
أبوظبي ومحطات التدخل
واعتبر البكوش أن أولى المحطات المفصلية للدور الإماراتي تعود إلى عام 2014، حين دعمت أبوظبي، وفق روايته، مشروعا لتغيير موازين القوى بالقوة العسكرية عبر دعم شخصيات وقوى عسكرية وسياسية، من بينها خليفة حفتر وعبد المجيد امليقطة، الذي يشغل حاليا رئاسة جهاز المخابرات الليبية، إضافة إلى شقيقه عثمان.
وأشار إلى أن هذا المسار اصطدم آنذاك بعملية “فجر ليبيا”، التي تمكنت من إفشال المشروع العسكري، قبل أن تتهم قوى ليبية الإمارات بتنفيذ غارات جوية على العاصمة طرابلس دعما لقوات حفتر، وهو ما أسفر عن سقوط قتلى، بحسب قوله.
وأضاف أن أبوظبي واصلت بعد ذلك تقديم الدعم لحفتر لترسيخ سيطرته على شرق البلاد، في إطار مشروع سياسي وعسكري أوسع لإعادة رسم خريطة النفوذ في ليبيا.
محاولة سياسية سبقت هجوم طرابلس
ورأى البكوش أن عام 2019 شهد انتقال الإمارات من الدعم العسكري إلى محاولة فرض تسوية سياسية تمنح حفتر موطئ قدم في العاصمة طرابلس.
وأوضح أن أبوظبي استضافت حينها لقاءات جمعت رئيس حكومة الوفاق الوطني السابقة فائز السراج وخليفة حفتر، في إطار مبادرة كانت تقضي – بحسب روايته – ببقاء السراج رئيسا للحكومة مقابل دخول حفتر إلى طرابلس وتعيينه قائدا عاما للجيش الليبي.
وأضاف أن السراج رفض هذه الترتيبات، الأمر الذي أعقبه إطلاق حفتر هجومه العسكري على طرابلس في نيسان/ أبريل 2019، في محاولة لفرض وقائع جديدة بالقوة، مؤكدا أن الإمارات قدمت دعما جويا للهجوم، لكنه انتهى بالفشل بعد أكثر من عام من القتال.
“صفقة بولس”.. إعادة إنتاج المشهد؟
وفي قراءته للتحركات الأخيرة، اعتبر البكوش أن المشهد الحالي يعكس محاولة جديدة لجمع مراكز النفوذ المتصارعة داخل ليبيا تحت سلطة واحدة، عبر ما وصفه بـ”صفقة بولس”، في إشارة إلى المبادرة المنسوبة إلى رجل الأعمال الأمريكي من أصل لبناني مسعد بولس، الذي برز اسمه خلال الأشهر الأخيرة في ملفات إقليمية عدة.
وأشار إلى أن وصول طائرتي عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر إلى أبوظبي في توقيت متزامن، ومن دون إعلان رسمي مسبق من أي من الطرفين، يثير تساؤلات بشأن طبيعة التفاهمات التي تُناقش بعيدا عن المؤسسات الليبية والرأي العام.
ورأى أن هذه التطورات تعكس، من وجهة نظره، استمرار الرهان على تسويات تقوم على تقاسم السلطة بين القوى المتنفذة، بدلا من الدفع نحو مسار سياسي يستند إلى توافق وطني شامل.
جدل حول مستقبل المبادرة
وتأتي تصريحات البكوش في وقت تتزايد فيه التكهنات بشأن حراك إقليمي ودولي لإحياء العملية السياسية في ليبيا، وسط استمرار الانقسام بين المؤسسات التنفيذية والعسكرية، وتعثر تنظيم الانتخابات التي يطالب بها المجتمع الدولي باعتبارها مخرجا للأزمة الممتدة منذ سنوات.
ولم تصدر حتى الآن تفاصيل رسمية بشأن طبيعة اللقاءات التي أجراها كل من الدبيبة وحفتر في أبوظبي، كما لم تعلن الإمارات أو الأطراف الليبية المعنية عن مضمون أي تفاهمات محتملة.
ويستمر الجدل داخل ليبيا بشأن أدوار القوى الإقليمية والدولية في رسم مسارات التسوية، في ظل اتهامات متبادلة بين الأطراف السياسية بشأن التدخلات الخارجية وتأثيرها على فرص الوصول إلى حل دائم ينهي حالة الانقسام ويقود إلى مؤسسات موحدة وانتخابات عامة.
____________