صلاح الهوني

الإعلام لا ينقل الحدث بحياد، بل يصنع صورة ذهنية كاملة عن ليبيا في عقول قرائه حول العالم، إما كفرصة أخيرة للنهضة، أو كساحة لتصفية الحسابات الدولية.

ما إن أعلنت الأوساط الدبلوماسية في واشنطن عن انعقاد المباحثات الليبية الأخيرة التي تهدف إلى توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية وإنهاء سنوات الانقسام السياسي الطويلة، حتى انقسمت الروايات الصحفية عل جانبي الأطلسي، وتقدم قراءات متضاربة لمستقبل الدولة الليبية ومصير شعبها الذي أنهكه الصراع.

هذه التحليلات والموقف ليست مجرد انعكاس سلبي للواقع، بل هي فاعلة في تشكيله وتوجيه الرأي العام المحلي والدولي، الأمر الذي يجعل من الضروري تجاوز الصخب الإعلامي، لفهم كيف تساهم وسائل الإعلام بنواياها المعلنة وغير المعلنة في صياغة واقع سياسي يختلف باختلاف زاوية النظر ومصالح الجهة التي تنطلق منها.

على الجانب الأميركي من الأطلسي، يتبنى الخطاب الإعلامي نبرة تفاؤلية غير معهودة، تتجاوز في كثير من الأحيان تعقيدات الواقع الليبي إلى صورة مثالية للدور الأميركي كراعٍ للوحدة الوطنية ومحفز رئيسي للديمقراطية وحقوق الإنسان، وكأن واشنطن هي المفتاح السحري الذي سيفتح كل الأبواب المغلقة في دروب الأزمة الليبية.

هذا التفاؤل المشروط، كما يصطلح عليه المراقبون، لا يأتي من فراغ، بل يرتكز على مجموعة من الركائز والمحاور الأساسية التي تهدف إلى ترسيخ فكرة أن الولايات المتحدة هي الجهة القادرة وحدها، أو الأكثر كفاءة، على دفع عجلة الاستقرار في هذا البلد الغني بالنفط والغاز.

في قلب هذا الخطاب المتفائل، يحتل الجانب الاقتصادي والمؤسساتي مكانة مركزية، حيث يبرز الإعلام الأميركي بقوة دور واشنطن في دفع مسار توحيد الإنفاق العام وتوحيد المصرف المركزي، معتبراً أن ضمان دفع الرواتب وتحقيق الاستقرار الاقتصادي هي الخطوة الأولى والأكثر إلحاحاً نحو بناء دولة قادرة على الصمود أمام التحديات الداخلية والخارجية.

يعكس هذا التركيز رؤية أميركية للإصلاح ترتكز على الجانب التقني والبيروقراطي، وأن معالجة الخلل في توزيع الموارد المالية يمكن أن تكون كافية لوحدها لإعادة بناء الدولة من أنقاضها، متناسية أو متجاوزة الأبعاد السياسية العميقة للأزمة والتي تتعلق بتوزيع السلطة والثروة بشكل أساسي. وبل يمتد التفاؤل الإعلامي ليشمل الأبعاد السياسية والأمنية، حيث وصفت التقارير الأميركية اللقاءات بأنها تشكل خطوة محورية نحو حكومة منتخبة ديمقراطياً، وتربط ذلك بشكل وثيق بالتعاون العسكري المشترك وتدريبات القوات الخاصة.

الإعلام الأميركي يصور المباحثات الليبية كفرصة ذهبية لإعادة بناء الدولة متجاهلًا التعقيدات السياسية والاجتماعية ومبالغًا في تفاؤله حول دور واشنطن كراعٍ وحيد للاستقرار

تقديم الإعلام الأميركي المباحثات باعتبارها فرصة ذهبية لإعادة رسم النفوذ الأميركي في حوض البحر المتوسط، وهو ما يعكس تحولاً جذرياً في الإستراتيجية الأميركية نحو المنطقة، قد يكون مدفوعاً بالرغبة في ملء الفراغ الذي يتركه الآخرون، أو بتثبيت أقدام واشنطن في منطقة تشهد صراعات نفوذ متعددة بين القوى الكبرى والصاعدة.

ورغم هذا التفاؤل المعلن والمضخم إعلامياً، تظل النبرة مشروطة في معظم التقارير الجادة، حيث تشير إلى أن نجاح هذه المباحثات مرتبط بشكل جوهري بقدرة الأطراف الليبية المتصارعة على تقديم تنازلات حقيقية ومؤلمة، وهذا الاعتراف الضمني يفضح محدودية الدور الأميركي مهما بلغت قوته الناعمة والصلبة، طالما أن الإرادة السياسية المحلية ما زالت مفقودة أو ضعيفة وهشة.

أما على الجانب الآخر من المتوسط، فإن الصورة التي يرسمها الإعلام العربي تبدو مختلفة تماماً، حين ننظر إلى الأمور من منظور الخطاب الأميركي. يتسم الطرح الإعلامي العربي بنبرة حذرة، لا تخفي تشككها في النوايا الأميركية المعلنة، وتقرأ في تفاصيل المباحثات ما هو أبعد من البيانات الصحفية والتصريحات الرسمية المتفائلة.

يمكن تفكيك هذا الخطاب النقدي، الذي يتوارثه جيل بعد جيل في المنطقة، إلى عدة نقاط جوهرية تعكس مخاوف تاريخية وسياسية متأصلة، وتعيد إنتاج سيناريوهات راسخة في الذاكرة الجماعية العربية تجاه التدخلات الغربية في المنطقة منذ عقود طويلة.

إن السمة الأبرز والأكثر حضوراً في الخطاب الإعلامي العربي، بكل تنوعاته وتعدد مصادره، هي وصف المباحثات بأنها تعكس إدارة أميركية للأزمة أكثر مما تعكس إرادة ليبية مستقلة وحقيقية، وكأن الليبيين أصبحوا مجرد ممثلين ثانويين في مسرحية كتبها الآخرون وأخرجوها لأنفسهم.

يعيد هذا الطرح إحياء سردية تقليدية متجذرة في الفكر السياسي العربي، ترى أن واشنطن تتعامل مع ملفات المنطقة كأدوات أو بيادق في صراعاتها الجيوسياسية الواسعة مع خصومها التقليديين والجدد، وليس كأزمات إنسانية وسياسية تحتاج إلى حلول جذرية تنبع من جذورها التاريخية والاجتماعية والثقافية.

لا يغفل الإعلام العربي أو يتناسى الربط الوثيق بين الملف الليبي والموارد الاقتصادية الهائلة، وخاصة النفط والغاز الطبيعي، حيث يصرح المحللون بأن المباحثات الحالية تندرج ضمن صفقات النفوذ الأوسع، وأن الثروة الليبية تتحول تدريجياً إلى ورقة ضغط ومادة مساومة في مفاوضات لا تخدم بالضرورة المصالح الحقيقية للشعب الليبي، بل تسعى لتأمين عقود وامتيازات اقتصادية وأمنية للشركات والمؤسسات الغربية التي تعتبر ليبيا سوقاً واعدة ونافذة استراتيجية على القارة الأفريقية بأكملها.

ولعل الخوف الأكثر إلحاحاً ووضوحاً في السردية العربية هو من تحول الملف الأمني إلى ذريعة لتعزيز الوجود العسكري الأميركي، سواء كان مباشراً عبر قواعد عسكرية معلنة أو غير مباشر من خلال التدريبات المشتركة وعقود التسليح والاستشارات الأمنية، مما يعيد إلى الأذهان النموذج الأميركي في مناطق أخرى من العالم.

ويضاف إلى ذلك قلق آخر، وهو أن مسار المباحثات الحالي قد يؤدي إلى ما يسمى بتطبيع الانقسام، أي الاعتراف المتبادل بين الأطراف المتصارعة، وشرعنة وجود كيانات متعددة ومتنافسة تحت الإشراف الدولي، الأمر الذي يكرس حالة الانقسام، ويحوّلها من أزمة مؤقتة إلى واقع سياسي دائم يُدار بتوافق دولي، ويخدم مصالح القوى الخارجية في إبقاء المنطقة ضعيفة ومجزأة.

يعكس هذا الخطاب رفضاً عربياً واسعاً لفكرة أن تُحل القضايا العربية الكبرى خارج الإطار الإقليمي، وأن تُتخذ القرارات المصيرية حول مستقبل ليبيا في عواصم بعيدة لا تعرف تفاصيل النسيج الاجتماعي الليبي.

الإعلام العربي يقرأ المباحثات بحذر مشككًا في النوايا الأميركية رابطًا الملف بالنفط والهيمنة ومحذرًا من تطبيع الانقسام وتحويل ليبيا إلى ساحة نفوذ خارجي

المتأمل في الخطابين، الأميركي والعربي، سيكتشف بسرعة أنهما وإن تباعدا في المضمون والرؤية، يعكسان، كل بطريقته وأسلوبه، أزمة مصداقية عميقة تعصف بالإعلام الحديث والمعاصر، وتضعه في موقف لا يحسد عليه بين متطلبات المهنة وأخلاقياتها من جهة، وضغوط المصالح الوطنية والأيديولوجيات من جهة أخرى.

فالإعلام الأميركي، الذي يغرق في تفاؤله المفرط والمنمق، يختزل معاناة الليبيين العميقة في جداول الإصلاح الاقتصادي والتمارين العسكرية والتصريحات الدبلوماسية المتفائلة، متناسياً أو متغاضياً عن الانسداد السياسي المزمن والفساد المستشري والتهميش الاجتماعي والجهوي الذي يغذي الصراع لسنوات.

أما الإعلام العربي، فيرتكب الخطأ ذاته لكن في الاتجاه المعاكس، حين يبالغ في تشكيكه ونقده إلى درجة قد تحجب أي فرصة حقيقية للخروج من عنق الزجاجة، وتدفع الجمهور العربي إلى اليأس واللامبالاة تجاه أي جهد دولي مهما كانت نواياه حسنة، وهذا التشاؤم الإعلامي يصبح بحد ذاته عقبة أمام أي تقدم محتمل، ويغذي دائرة الفشل والشكوك المتبادلة.

نجاح أو فشل المباحثات في نهاية المطاف مرهون بشكل حاسم بقدرة الأطراف الليبية نفسها على تقديم تنازلات مؤلمة ومصيرية، والجلوس إلى طاولة حوار واحدة بروح وطنية حقيقية تتجاوز الولاءات الضيقة والمصالح الفئوية.

الإعلام هنا، في هذا السياق المضطرب، لا ينقل الحدث بحياد، بل يصنع صورة ذهنية كاملة عن ليبيا في عقول قرائه ومشاهديه حول العالم، إما كفرصة أخيرة للوحدة والنهضة، أو كساحة جديدة لإدارة النفوذ الخارجي وتصفية الحسابات الدولية، وهاتان الصورتان معاً، المفرطة في التفاؤل والمفرطة في التشاؤم، تبعدان كثيراً عن الواقع المعقد والمتشابك على الأرض، عن حياة الناس اليومية ومعاناتهم من انقطاع الخدمات وتدهور الأوضاع المعيشية، وعن أحلام الشباب الطموح الذي يريد بناء مستقبل مختلف.

عند وضع الخطابين في الميزان، تثبت المقارنة بين خطابي الإعلام الأميركي والإعلام العربي أن ليبيا ليست مجرد موضوع للتفاوض بين الأطراف الداخلية المتنازعة، بل هي أيضاً ساحة صراع حاد ومحتدم بين سرديات إعلامية عالمية تتنافس على فرض روايتها وحقيقتها.

فالإعلام الأميركي يقدم ليبيا كفرصة سانحة لإعادة بناء الدولة وصياغة تحالف استراتيجي جديد في منطقة مضطربة، بينما يحذر الإعلام العربي من أن هذه الفرصة التي يروج لها الغرب قد تكون مجرد غطاءً براقاً لتوسيع الهيمنة الغربية، أو أسوأ من ذلك، أداة لإضفاء الشرعية على واقع الانقسام الداخلي وتجميده وجعله حقيقة ثابتة يصعب تغييرها في المستقبل.

في خضم هذا الانقسام الإعلامي، تظل الأسئلة الأكثر إلحاحاً وأهمية بدون إجابات حاسمة:

هل يستطيع الليبيون، بصرف النظر عن مواقفهم المتضاربة من التدخل الخارجي، أن يفرضوا روايتهم الخاصة بهم وبقضيتهم، بعيداً عن الإعلام الخارجي وتفسيراته الجاهزة التي تخدم أجندات لا تعرف شيئاً عن نبض الشارع الليبي وهمومه اليومية؟

أم أن مصير بلادهم وثرواتهم ومستقبل أجيالهم سيظل رهناً إلى الأبد بتقلبات المزاج الإعلامي وتحولات المصالح الدولية المتقلبة، التي لا ترى في ليبيا إلا رقعة في لعبة شطرنج أكبر وأوسع؟

الأيام القادمة وحدها، ستحسم في النهاية وجهة ليبيا الحقيقية، وتكتب الفصل الأخير من قصة تحولها أو انهيارها.

____________

مواد ذات علاقة