يوسف كابلان
تقف ليبيا اليوم في قلب عاصفة مالية وأمنية، تتجاوز عواقبها حدودها. في قلب هذه الأزمة، تقع الحكومة الموازية في شرق البلاد، التي تعمل تحت سيطرة المشير خليفة حفتر بحكم الأمر الواقع، والتي اعتمدت منذ عام 2023 على تمويل نقدي غير مُقيّد لدعم عملياتها.
في غضون عامين فقط، تراكمت ديون جديدة هائلة بلغت 129 مليار دينار ليبي (حوالي 24 مليار يورو)، مما رفع إجمالي الدين المحلي الليبي إلى 284 مليار دينار ليبي – وهو أعلى مستوى في تاريخ البلاد الحديث.
بالنسبة لدولة يقل عدد سكانها عن سبعة ملايين نسمة، تعدّ هذا الوتيرة وحجم تراكم الديون مُذهلاً. وهو يُثير سؤالاً لا مفر منه: أين ذهبت هذه الأموال؟
آليات خلق النقود دون رادع
على مدار أكثر من أربع سنوات، حافظ الفرع الشرقي للبنك المركزي على نفسه من خلال ممارسة خلق النقود من لا شيء – الاقتراض مباشرة من الخزانة العامة وإصدار السيولة دون وجود ميزانية عمومية مقابلة.
وقد سمحت هذه الآلية – التي غالبًا ما توصف ببساطة بأنها “طباعة النقود” – للنظام العسكري الشرقي بتمويل نفقاته في غياب مخصصات عائدات النفط أو سلطة الاقتراض المشروعة.
وقد أكدت عمليات التدقيق المستقلة نطاق هذه الممارسة. وكشف التدقيق الجنائي الذي أجرته شركة ديلويت للبنك المركزي الليبي، والذي كُلِّف بتقييم المعاملات بين الفروع المتنافسة، أنه تم بالفعل ضخ مليارات الدنانير في الاقتصاد من خلال 46.8 مليار دينار ليبي من الودائع المصرفية و13.8 مليار دينار ليبي من طباعة العملة.
وقد أظهرت هذه النتائج كيف تم توسيع المعروض النقدي بشكل مصطنع، خارج نطاق الضوابط المالية العادية. ومنذ عام 2023، تدهور الوضع أكثر. مع عودة الحكومة الموازية في الشرق، لم يستأنف التمويل النقدي نشاطه فحسب، بل تسارع بمستويات غير مسبوقة.
ففي أقل من ثلاث سنوات، نشأ دين جديد إضافي بقيمة 129 مليار دينار ليبي – وهو مبلغ يعادل نحو 80% من إجمالي الدين العام المتراكم على الحكومات المتنافسة خلال الفترة 2014-2020.
والنتيجة أزمة مزدوجة: من جهة، تآكل استقلالية المصرف المركزي، حيث يعمل فرعه الشرقي كخزينة للسلطات السياسية بدلاً من كونه سلطة نقدية؛ ومن جهة أخرى، ظهور نظام مالي موازٍ يُغذي الفساد، ويزعزع استقرار سعر الصرف، ويوفر مصادر تمويل للجهات الفاعلة غير الحكومية التي تعمل خارج الإطار القانوني الليبي.
تمويل الفوضى: فاغنر والسودان وشبكة الصراع الإقليمية
من أكثر العواقب المقلقة للتمويل النقدي غير المقيد في شرق ليبيا دوره في دعم مجموعة فاغنر – التي أعيدت تسميتها الآن باسم فيلق أفريقيا – وتقديم الدعم للصراعات خارج حدود ليبيا.
بفضل معقلها في الجفرة، حوّلت فاغنر ليبيا إلى مركز لعملياتها في جميع أنحاء أفريقيا. يوفر تدفق الأموال الليبية غير الخاضعة للرقابة، والتي يتم توجيهها من خلال المعاملات غير النظامية والسوق السوداء، وسيلة سهلة وقابلة للإنكار لتمويل هذه الانتشارات، من ليبيا إلى منطقة الساحل.
ومع ذلك، لا ينتهي التهديد عند هذا الحد. تشير التقارير الإقليمية إلى أن قوات الدعم السريع السودانية قد تتلقى أيضًا دعمًا ماليًا غير مباشر عبر ليبيا، مما يعزز إحدى أكثر الحروب تدميراً في أفريقيا.
وفي قلب هذه الديناميكية تكمن شبكة أوسع من الرعاة الخارجيين – ولا سيما أبو ظبي – التي لطالما استخدمت ليبيا، وحفتر على وجه الخصوص، كقناة لتوسيع نفوذها في السودان. بهذا المعنى، تُستغل الآلية المالية نفسها التي تُمكّن فاغنر في ليبيا لترسيخ الجهات الفاعلة العنيفة في السودان وعبر منطقة الساحل.
التداعيات وخيمة: إن اعتماد حفتر على التمويل النقدي غير المنضبط يخلق نظامًا ماليًا يدعم الجماعات المرتزقة والميليشيات غير النظامية في آنٍ واحد، مما يُرسّخها بشكل أعمق في الصراعات الإقليمية. يُهدد هذا الترسيخ بإطالة أمد الفوضى وعدم الاستقرار، وتفاقم النزوح، وتكثيف أزمات اللاجئين وتدفقات الهجرة.
بالنسبة لصانعي السياسات الأفارقة والأوروبيين، فإن الخطر واضح – فالاضطراب المالي في ليبيا ليس مشكلة محلية – بل هو عامل مُضاعِف للأزمة الإقليمية، تُمكّنه قوى خارجية تستغل نقاط ضعفها.
الاقتصاد الموازي والانكشاف الدولي
من خلال إغراق الاقتصاد بأموال غير خاضعة للرقابة، موّلت السلطات الشرقية بشكل غير مباشر اقتصادًا موازيًا يُزعزع استقرار ليبيا داخليًا ويمتد إلى الدول المجاورة. تعبر المخدرات والأسلحة حدودًا غير محكمة الاختراق إلى تشاد والسودان والنيجر، بينما تتعزز طرق تهريب البشر شمالًا، مغذيةً مباشرةً ممرات الهجرة عبر البحر الأبيض المتوسط التي تُوليها شمال أفريقيا وأوروبا أولويةً أمنيةً قصوى.
لا تحمل هذه الديناميكيات عواقب محلية وإقليمية فحسب، بل تحمل أيضًا مخاطر دولية. إن مليارات الدنانير المتداولة خارج أي إطار شفاف تدعم المرتزقة والأسواق غير المشروعة، بينما تخلق مسؤوليات محتملة للجهات الفاعلة الأجنبية التي تتعامل مع هذه الهياكل أو تضفي عليها الشرعية.
الخطر خفي ولكنه خطير: الارتباط طويل الأمد بالسلطات المرتبطة بالتمويل غير النظامي ينطوي على عواقب تتعلق بالسمعة والقانون والسياسة، مع استمرار تزايد أدلة الفساد والتجارة غير المشروعة وتمويل المرتزقة. بالنسبة لشمال إفريقيا وأوروبا، اللتين تتمثل أولويتهما في الاستقرار على طول البحر الأبيض المتوسط، فإن الدرس واضح – يجب أن تكون الشراكة مع ليبيا متجذرة في مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة – وليس سلطات موازية تزدهر في الفوضى النقدية.
إن خطورة الأزمة النقدية في ليبيا ليست مجرد مسألة سوء إدارة مالية. إنها عامل مضاعف للتهديد الاستراتيجي، يربط تراكم الديون في بنغازي بتمويل المرتزقة والصراع الإقليمي والاقتصادات غير المشروعة وأزمات اللاجئين.
إذا تُرك هذا المسار دون رادع، فقد يؤدي إلى انهيار اقتصاد ليبيا وأمنها في غضون بضع سنوات – مع عواقب وخيمة على شعبها وآثار مزعزعة للاستقرار في جميع أنحاء أفريقيا وأوروبا. تُظهر الأزمة التي تتكشف في شرق ليبيا كيف تُصبح السياسة النقدية، عندما تُختطف من قبل السلطات الموازية، أداة للفساد والصراع وزعزعة الاستقرار الإقليمي.
لقد خلقت الحكومة الموازية الشرقية التي تعمل تحت السيطرة الفعلية للمشير خليفة حفتر بالفعل أكبر دين في تاريخ ليبيا الحديث. هذا التمويل غير الخاضع للرقابة يدعم فاغنر، ويُمكّن المهربين، ويؤجج الصراعات في السودان والدول المجاورة، ويدفع أزمات اللاجئين في جميع أنحاء أفريقيا وتدفقات الهجرة نحو أوروبا.
بالنسبة لصانعي السياسات الأفارقة والأوروبيين، لا يمكن أن تكون المخاطر أكثر وضوحًا: مواجهة الفوضى النقدية في ليبيا ليست قضية هامشية – إنها جوهرية لأمن البحر الأبيض المتوسط والساحل وأوروبا نفسها.
السؤال ليس فقط كيف تنفق ليبيا أموالها، ولكن أيضًا كيف تُخاطر المليارات غير الخاضعة للرقابة بتمويل الفوضى بدلاً من السلام.
***
يوسف كابلان هو مستشار السياسة الخارجية لرئيس وزراء حكومة الوحدة الوطنية الليبية المدعومة من الأمم المتحدة.
______________