في إطار وضع قائم جديد، أصبحت الجماعات المسلحة الفاعل الرئيسي الذي شكّل مخرجات الحوكمة في دولة ليبيا من خلال أساليب قسرية وأخرى ذات طابع احتكاري/كارتي.

وقد تغلغلت هذه الجماعات في المؤسسات الليبية عبر خطوط التماس السياسية، مستخدمة العنف المسلح، والتدخل السياسي، والضغط الاقتصادي.

واستخدمت الجماعات المسلحة العنف، من دون مساءلة، لتوفير مظلة من الإفلات من العقاب لأفراد قادرين على توليد تدفقات متزايدة باستمرار من الإيرادات. وأُجبرت جميع المؤسسات المعنية على العمل في بيئة تحمي هذه الجماعات المسلحة وتمكّنها من المضي حصراً في خدمة مصالحها وفرض هيمنتها على الدولة الليبية، بعدما أصبحت جميع آليات المساءلة غير فعالة.

وأظهرت تداعيات أحداث مايو/أيار 2025 ليس فقط حجم الإفلات الصريح من العقاب الذي تعمل في ظله الجماعات المسلحة، بل أيضاً أهم عملية إعادة تشكيل للجماعات المسلحة المتمركزة في طرابلس منذ أغسطس/آب 2022.

كما استكملت القوات المسلحة العربية الليبية (قوات حفتر) إعادة هيكلة وجودها في جنوب ليبيا بما يتيح لها إحكام سيطرة أكبر على طرق التهريب.

وباتت ليبيا تُستخدم بصورة متزايدة بوصفها بيئة تشغيل رئيسية للجماعات والأفراد الإرهابيين، وكذلك للشبكات الإجرامية الإقليمية.

ففي جنوب ليبيا، شكّل وجود جماعات مرتبطة بالإرهاب، إلى جانب استمرار أنشطتها في التجنيد وتوليد الإيرادات، مخاطر أمنية كامنة. وقد ساهم وجودها في توسيع دائرة عدم الاستقرار الإقليمي، بدلاً من أن يترجم إلى هجمات عنيفة داخل الأراضي الليبية.

وهذه الأنشطة، بطبيعتها العابرة للحدود، رسخت منظومتين إرهابية وإجرامية أصبحتا متداخلتين على نحو لا يمكن فصله.

كما أن استخدام الأراضي الليبية من قبل القوات المسلحة العربية الليبية (قوات حفتر)، بما في ذلك من جانب كتيبة سبل السلام، لتسهيل تحركات المقاتلين والأسلحة والأعتدة ذات الصلة عبر الحدود، عزز دور ليبيا كمركز لوجستي وعملياتي إقليمي، بما له من انعكاسات مباشرة على الأمن الداخلي.

وأدت هذه الديناميات إلى امتداد حالة عدم الاستقرار الليبي عبر الحدود، من خلال توريد المقاتلين والأسلحة والأعتدة ذات الصلة إلى نزاعات الدول المجاورة، ولا سيما دعماً لقوات الدعم السريع في السودان.

وفي المقابل، انعكس هذا العنف مرة أخرى داخل الأراضي الليبية، في صورة تحركات مسلحة عابرة للحدود واشتباكات على الأرض الليبية.

وتحملت الجماعات المسلحة المسؤولية عن حوادث أعاقت أو قوّضت انتخابات المجالس البلدية. وشملت الأفعال التي تندرج ضمن نطاق الفقرة 11 من القرار 2571 (2021)، من بين أمور أخرى، الإغلاق القسري لمراكز الاقتراع؛ ومصادرة بطاقات الناخبين وصناديق الاقتراع؛ وتهديد العاملين في العملية الانتخابية؛ والإغلاق القسري والهجمات المباشرة على مكاتب المفوضية الوطنية العليا للانتخابات.

كما شملت تلك الأفعال تهديد واعتقال المرشحين وأفراد أسرهم ممن لا تربطهم صلة بالفاعل المسلح المحلي المسيطر، ما أجبر بعض المرشحين على الانسحاب والانتقال خارج بلدياتهم.

وخلص الفريق إلى أن الجماعات المسلحة في الغرب والشرق على السواء مسؤولة عن انتهاكات منهجية للقانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان، بما في ذلك الاحتجاز التعسفي، والإخفاء القسري، والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، والحرمان من المحاكمة العادلة ومن الحق في الخصوصية، والحرمان التعسفي من الحياة.

كما استمر انتهاك حظر الأسلحة، بل جرى الاستخفاف به علناً من خلال الإعلان عن تعاون عسكري بين دول أعضاء وجهات مسلحة في مختلف أنحاء ليبيا.

ومنذ عام 2022، نفذ قادة جماعات مسلحة ليبية من الغرب والشرق اتفاقاً ثنائياً ذا منفعة متبادلة مكّنهم من الالتفاف على حظر الأسلحة.

وأسهمت وسائل النقل الخاضعة للسيطرة المباشرة لهذه الجماعات المسلحة وحلفائها، إلى جانب الاعتماد على التهريب كاستراتيجية للتوريد من جانب كل من حكومة الوحدة الوطنية والقوات المسلحة العربية الليبية، في إعاقة تنفيذ الحظر.

كما كانت شبكة سبق تحديدها من الشركات الوهمية، يديرها شخصان معروفان، مسؤولة عن عدة عمليات نقل، من بينها محاولات نقل اعترضتها إيطاليا في 2024 وإسبانيا في 2025.

وأدت أنواع مختلفة من المواد ذات الاستخدام المزدوج، العسكرية والمدنية، إلى تنويع ترسانات الجماعات المسلحة. ونظراً إلى سهولة الحصول عليها نسبياً، جرى اقتناء هذه المواد واستخدامها بصورة متزايدة.

كما أن قنوات توريدها غير المباشرة، وانخفاض الضوابط التنظيمية عليها، مكّنا الجماعات المسلحة من الحصول عليها باعتبارها وسائل مضاعِفة للقوة.

وبلغ حجم ومستوى تنظيم صادرات النفط غير المشروعة، سواء النفط الخام أو المنتجات المكررة، مستويات غير مسبوقة خلال الفترة المشمولة بالتقرير. ولم يكن ذلك ممكناً إلا بسبب الانخراط المباشر لكل من إبراهيم الدبيبة وصدام حفتر، اللذين وفّرا مظلة من الإفلات من العقاب لأفراد جردوا المؤسسة الوطنية للنفط فعلياً من قدرتها على حماية مصالح الدولة الليبية.

ونتيجة لذلك، اتسم قطاع النفط والوقود بنظام من الإفلات من العقاب، تُعتمد فيه بشكل روتيني معاملات التصدير والاستيراد، واتفاقات الاستغلال، وعقود الخدمات، لخدمة مصالح شبكات متنافسة مرتبطة بالجماعات المسلحة.

ومن أبرز نواتج هذا النظام شركة أركنو النفطية، التي استُخدمت كحصان طروادة لتحويل أكثر من 3 مليارات دولار بين يناير/كانون الثاني 2024 ونوفمبر/تشرين الثاني 2025.

كما حدد الفريق شبكة إجرامية يقودها معين علي شرف الدين، أنشأ من خلالها عملية متعددة الطبقات وذات امتداد دولي، تمكنت من السيطرة على سلسلة الإمداد؛ وتحويل مسار المنتجات النفطية المكررة في الموانئ ومواقع أخرى؛ وضمان دخول السفن وخروجها من دون تدخل من أجهزة إنفاذ القانون؛ والإفلات من أي شكل من أشكال المساءلة.

واتسعت صادرات المنتجات النفطية المكررة غير المشروعة من بنغازي إلى موانئ أخرى في شرق ليبيا، وشملت مجموعة متنوعة من المنتجات النفطية. كما أُنشئت بنى تحتية تصديرية جديدة في الأقسام التجارية من مينائي بنغازي ورأس لانوف.

وبحلول نهاية الفترة المشمولة بالتقرير، لم يكن الإعفاء الجديد المتعلق بإعادة الاستثمار والوارد في الفقرة 14 من القرار 2769 (2025) قد فُعّل بالكامل بعد، إذ لم يُقدَّم بموجبه سوى طلب إعفاء واحد وطلب واحد للحصول على إرشادات.

وأبلغت الدول الأعضاء والمؤسسات المالية ذات الصلة الفريق بأنها واجهت تحديات تفسيرية وتشغيلية في تنفيذ هذه الفقرة. وقد دعم الفريق اللجنة في جهودها الرامية إلى تقديم إرشادات لجميع الدول الأعضاء لضمان التنفيذ الفعال لهذا الحكم الجديد المتعلق بإعادة استثمار الاحتياطيات النقدية المجمدة التابعة للمؤسسة الليبية للاستثمار في ودائع لأجل منخفضة المخاطر وأدوات دخل ثابت.

__________

مواد ذات علاقة