![]()
في ليبيا، تتعرض كوادر السلطة القضائية بشكل مستمر للاغتيال، والخطف، والاحتجاز التعسفي، والهجمات المسلحة، إذ شكلت هذه الممارسات السياق الذي تعمل في ظله السلطة القضائية منذ 2012 وحتى الآن.
هذه الجرائم تبقى غالبًا بمعزل عن التحقيق أو المحاسبة على نحو يرسّخ الإفلات من العقاب ويغذي حالة عدم الاستقرار في ليبيا، في ظل مشهد قانوني متآكل ومتشرذم على نحو خطير.
من هذا السياق جاءت نقطة الانطلاق لتقرير مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان: “القوة فوق القانون: الجماعات المسلحة وانهيار العدالة في ليبيا“. والذي يوثق الاستحواذ التدريجي للجماعات المسلحة على مسار العدالة بكل مراحله؛ بدءً من القبض والتحقيق، وصولًا إلى الاحتجاز والمحاكمة وتنفيذ الأحكام. فعلى مدى أكثر من خمسة عشر عامًا، منذ الإطاحة بحكم القذافي الاستبدادي، تعمل السلطة القضائية في ليبيا في مناخ يتسم بانعدام الأمن، والانقسام، والتدخل المنهجي.
في تقريره، استند المركز إلى مجموعة من المقابلات مع قضاة، ومحامين، ووكلاء نيابة، وضحايا، وخبراء قانونيين، فضلاً عن تحليل نصوص لأحكام قضائية ووثائق رسمية.
وقد خلص إلى أن الجماعات المسلحة تشرف في كثير من الأحيان على عمليات القبض، وتتحكم في مرافق الاحتجاز، وجمع الأدلة. ونادرًا ما يتمكن وكلاء النيابة من الوصول للمحتجزين أو التحقق من الاعترافات المنتزعة منهم تحت الإكراه والتعذيب.
هذا بالإضافة إلى استهداف واقتحام مقار المحاكم، وإجبار القضاة على التنحي عن مباشرة القضايا الحساسة، وتعطيل جلسات المحاكمة تحت تهديد السلاح.
ففي يوليو 2025، حاصر مسلحون ملثمون محكمة أبو سليم للأحوال الشخصية في طرابلس، وفتحوا النار على رواد المبنى، وأجبروا القضاة على وقف الجلسات.
ولا يُعد هذا الحادث استثنائيًا، بل يندرج ضمن نمط متكرر من الهجمات الممتدة لأكثر من عقد في مختلف أنحاء البلاد.
هذه الهجمات والانتهاكات المستمرة بحق السلطة القضائية تأتي في سياق دولة منقسمة بين سلطتين متنافستين.
ففي الشرق، يهيمن خليفة حفتر عسكريًا واقتصاديًا على برقة وفزان.
وفي الغرب، تحظى حكومة الوحدة الوطنية المدعومة من الأمم المتحدة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، باعتراف سياسي، لكنها تفتقر إلى احتكار استخدام القوة.
الأمر الذي يؤدي إلى استمرار التشرذم والانقسام، واندلاع مواجهات متقطعة بين الشرق والغرب، وتشكيل مؤسسات موازية.
أما الجماعات المسلحة فقد أندمج العديد منها داخل هياكل الدولة (السلطة) شرقًا وغربًا، سواء بشكل رسمي أو غير رسمي.
فارتبط بعضها بوزارات الدفاع والداخلية والعدل، وتم تكليفها بمهام إنفاذ القانون، مثل القبض والاحتجاز ونقل السجناء.
وفي المقابل استغلت هذه الجماعات السلطات الممنوحة لها في ممارسة الإكراه وبناء شبكات النفوذ السياسي، دون رقابة قانونية.
وفي ظل هذا النظام المنقسم، أضحت سلطة القضاء مرهونة إلى حد كبير بحجم نفوذ الجماعة المسلحة المسيطرة في نطاق عملها.
التقرير يسلط الضوء أيضًا على أثر هذا الانقسام السياسي في تشكيل أنظمة متداخلة ومتنافسة؛ لا تعتد بالأحكام القضائية الصادرة وفق إجراءات قانونية، بل تتحدد فيها الأحكام وفق توازن القوى بين الفاعلين المسلحين ورعاتهم السياسيين ومموليهم.
ومدى افتقار المحاكم والنيابات، رغم تكليفها بإنفاذ القانون، إلى السيطرة على الآليات الأساسية لتحقيق العدالة، مثل احتجاز المتهمين، وتنفيذ أوامر القبض، وحماية العاملين في القضاء.
التقرير يتطرق أيضًا إلى دور السياسات الدولية في تعزيز هذا الواقع المقلق؛ إذ أدى التعاون مع السلطات الليبية في ملفات الهجرة والأمن إلى تمكين الجماعات المسلحة دون ضمان خضوعها للمساءلة أمام المؤسسات القضائية.
فعلى سبيل المثال أدى إفراج إيطاليا عن أسامة المصري نجيم، الرئيس السابق للشرطة القضائية والمطلوب لدى المحكمة الجنائية الدولية، وإعادته إلى ليبيا، إلى تقويض آليات العدالة الدولية ومصداقية القضاء الليبي.
وفي المقابل، يُوكد تسليم ألمانيا في ديسمبر 2025 لخالد محمد علي الهيشري، أحد قيادات قوة الردع المسلحة، إلى المحكمة الجنائية الدولية أن تنفيذ العدالة ممكن إذا توافرت الإرادة السياسية.
وفي مواجهة هذه التحديات الهيكلية، قدم تقرير المركز توصياته للسلطات الليبية بضرورة تفكيك أنظمة الاحتجاز الموازية التي تديرها الجماعات المسلحة، وإعادة هيكلة الشرطة القضائية وتوفير الموارد الكافية لها، وإعطاء الأولوية لملاحقة الجرائم المرتكبة بحق العاملين في السلطة القضائية.
كما دعا الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة إلى ربط التعاون مع المؤسسات الأمنية الليبية باتخاذ خطوات ملموسة وقابلة للتحقق للحد من دور الجماعات المسلحة في إنفاذ القانون.
وقد أكدت التطورات الأخيرة إلحاح هذه الدعوات؛ فبعد اغتيال عبد الغني الككلي (غنيوة)، قائد جهاز دعم الاستقرار، في مايو 2025، عُثر على أكثر من 80 جثة في مواقع احتجاز يديرها الجهاز في طرابلس.
وفي تعليقه قال المفوض السامي للأمم المتحدة فولكر تورك: “تتحقق أسوأ مخاوفنا؛ إذ عُثر على عشرات الجثث في هذه المواقع، إلى جانب أدوات يُشتبه في استخدامها في التعذيب وسوء المعاملة، وأدلة محتملة على عمليات قتل خارج نطاق القانون“.
منذ ذلك الحين، شكلت حكومة الوحدة الوطنية لجان تحقيق واتخذت خطوات أولية لبسط السيطرة على مرافق الاحتجاز التي تديرها الجماعات المسلحة.
كما أعلنت قبول اختصاص المحكمة الجنائية الدولية حتى عام 2027. ورغم الإقرار بضرورة وأهمية هذه الخطوات، يحذر المركز من أنها تظل غير كافية دون تحول هيكلي شامل؛ إذ لا يمكن للمواجهة الانتقائية مع الجماعات المسلحة أن تحل محل المساءلة القضائية المنهجية.
فمن دون جهود شاملة لإعادة ترسيخ سلطة المحاكم والنيابات على مسار العدالة، ستُهدر الفرصة الراهنة، وستظل محاولات تعزيز سيادة القانون هشة وغير مكتملة، كما كانت على مدى نحو 15 عامًا.
__________
المصدر: مركز القاهرة لدراسات حقوق الإنسان