محمد الصالحين الهوني

ما يميّز التنسيق الثلاثي عن مبادرات سابقة هو صفة الاستمرار. الاجتماعات الدورية وتكرار المشاورات يوحيان بأن الأطراف لا تبحث عن إعلان مشترك تزيّن به صفحاتها الأولى.

جلوس وزراء خارجية مصر وتركيا والسعودية حول طاولة واحدة في القاهرة لبحث أزمات المنطقة، يستحق وقفة مطولة.

منذ أقل من عقد، كانت هذه العواصم الثلاث تتبادل الاتهامات بدلاً من المشاورات، وتتنافس على النفوذ في ليبيا وسوريا وغيرهما بدلاً من التنسيق. اليوم، تجلس معاً لتدارس أزمات أربع في آنٍ واحد: غزة والسودان وليبيا وإيران، في مؤشر على أن الشرق الأوسط يعيش لحظة إستراتيجية تدفع القوى الكبرى إلى اختراع أدوات جديدة بدلاً من انتظار أدوات تجاوزها الزمن.

لفهم دلالة هذا التنسيق، لا بد من استحضار ما كانت عليه العلاقات قبل سنوات قليلة.

العلاقة المصرية – التركية شهدت قطيعة تامة في أعقاب 2013، حين وقفت أنقرة على الجانب الآخر من الانقسام الإقليمي المصاحب للتحولات السياسية المصرية، وتحوّل الإعلام بين البلدين إلى ساحة صدام.

أما العلاقة السعودية – التركية، فقد بلغت أدنى مستوياتها في أعقاب مقتل الصحفي جمال خاشقجي عام 2018.

لكن شيئاً تغيّر منذ عام 2021. ليس بسبب مصالحات عاطفية أو تحولات عميقة، بل بفعل حسابات براغماتية.

الاقتصادان التركي والمصري في حاجة ماسة إلى السيولة الخليجية.

أنقرة تجد أن ورقة الإسلام السياسي لم تعد تمنحها النفوذ الإقليمي الذي توقعته.

الرياض تدرك أن الانفراد بإدارة الملفات الإقليمية كلّفها سياسيا وإنسانيا. هذا التقاطع في الإخفاقات ولّد رغبة مشتركة في البحث عن مقاربات مختلفة.

والأهم أن هذا التحول وليد تراكمات صبورة: تبادل سفراء، وإعادة فتح خطوط تجارية، وزيارات هادئة أعادت خيوط الثقة خيطا خيطا.

التحول من القطيعة إلى التنسيق استغرق سنوات، وهذا ما يمنحه مصداقية أكثر من المصالحات التي تُعقد بين ليلة وضحاها.

في أي منظومة أمن إقليمي تسعى القاهرة وأنقرة والرياض إلى بنائها، تقف غزة اختبارا لا يمكن تأجيله.

الهدنة الهشّة القائمة أثبتت أن إيقاف الحرب ليس مرادفا لإرساء الاستقرار. الانتهاكات المتكررة والكارثة الإنسانية التي تتفاقم يوما بعد يوم، وغياب أفق سياسي واضح لليوم التالي، كل ذلك يجعل الوضع في غزة أشبه ببرميل بارود.

ما تدركه العواصم الثلاث، وإن بدرجات متفاوتة، هو أن غزة لم تعد ملفا فلسطينيا – إسرائيليا بالمعنى التقليدي. باتت مؤشرا على مدى هشاشة الاستقرار الإقليمي برمّته.

انتهاك الهدنة يُغذّي التجنيد في الجماعات المسلحة من موريتانيا إلى إيران. وأي انفجار في الوضع يرتد على أسواق الطاقة والممرات البحرية بسرعة لا تتحمّلها اقتصادات لا تزال تلملم جراح جائحة وتضخم وصراعات متداخلة.

التنسيق الثلاثي يرى في تثبيت الهدنة وإيجاد أفق سياسي لغزة ضرورةً إستراتيجية تحمي كل طرف منهم في بلده. هذا ما يمنح مشاركتهم في هذا الملف بعدا يتجاوز الخطاب الرسمي المعتاد.

لو أن الحرب السودانية بقيت حربا أهلية بالمعنى الكلاسيكي، لأمكن للجوار الإقليمي تحمّلها بالصمت المعتاد. لكنها تجاوزت منذ أمد الحدود التي توهّم كثيرون أنها ستحبسها.

البحر الأحمر، شريان التجارة العالمية الذي يسلكه قرابة 15 في المئة من حجم التبادل التجاري الدولي، في قلب المنطقة.

الهجرة التي تتدفق من السودان باتجاه مصر وليبيا وتشاد تحوّلت إلى أزمة إنسانية – أمنية مزدوجة.

والقرن الأفريقي الذي يعاني أصلا من هشاشة هيكلية متراكمة يجد في الحرب السودانية عاملا مُعقِّدا إضافيا يُقوّض الجهود الإقليمية للاستقرار.

كيف يقرأ التنسيق الثلاثي هذا الملف؟

مصر تعيش الهواجس الأقرب جغرافيا وإنسانيا وتجد نفسها أمام ضغوط هجرة وتمدد أمني على حدودها الجنوبية.

السعودية، التي كان لها دور في بعض مسارات الوساطة السودانية، تدرك أن فراغ السلطة في الخرطوم يفتح الباب أمام تمدد نفوذ قوى لا تريدها قريبة من البحر الأحمر.

وتركيا التي استثمرت في العلاقة مع السودان خلال السنوات الماضية تجد أن انهيار الدولة السودانية سيُفقدها ورقة جيوسياسية مهمة في أفريقيا.

هذا التقاطع في الحسابات يجعل السودان محورا جديا حقيقيا في مباحثات القاهرة، لا مجرد بند في جدول الأعمال.

السؤال الذي يطرحه التنسيق الثلاثي لا إجابة حاسمة له بعد: هل هو بداية هندسة إقليمية جديدة أم مجرد آلية ظرفية تتبخر حين تتبدّل الحسابات؟

ليبيا حالة نادرة في مفرداتها: انقسامٌ جغرافي وسياسي وعسكري مديد، وحضور أممي كثيف النشاط خفيف الأثر، وتدخلات خارجية متشابكة حوّلت الجغرافيا الليبية إلى ملعب لتصفية حسابات إقليمية ودولية. الانتخابات التي وُعد بها الليبيون مرات عديدة ظلت حبراً على ورق.

ما يُضيفه التنسيق الثلاثي إلى الملف الليبي هو احتمال أن تتوقف الأطراف الخارجية عن التنافس على النفوذ فيه وتبدأ في التنسيق بشأنه، وإيقاف التنافس بالوكالة.

استمرار الانقسام الليبي لا يُهدد ليبيا وحدها. البوابة الجنوبية لأوروبا وشمال أفريقيا، حركة السلاح والمسلحين، وتدفقات الهجرة غير النظامية، كلها أوراق في ملف ليبي تتشعّب تداعياته. التنسيق الثلاثي، إن أُحسن توظيفه، يمتلك نفوذا كافيا لدفع الفصائل الليبية نحو خيار الانتخابات بدلا من خيار الانتظار الأبدي.

من بين الملفات الأربعة، يظل الملف الإيراني الأكثر تأثيرا في بنية الأمن الإقليمي برمّتها. المفاوضات الأميركية – الإيرانية، بما تحمله من احتمالات الاتفاق أو الانهيار، ستُحدّد معالم المنطقة بالكامل على أفق السنوات المقبلة.

نجاح الاتفاق يعني عودة النفط الإيراني إلى الأسواق بقوة، وهو ما ستنظر إليه الرياض بعين اقتصادية حذرة في سياق مساعي التنويع ضمن رؤية 2030، ويفتح في الوقت ذاته أسئلة معلّقة حول ما ستفعله إيران بالنفوذ الإقليمي الذي تمتلكه في العراق ولبنان واليمن.

فشل الاتفاق، في المقابل، يعني عودة التوتر إلى الخليج بصورة ستضغط على الممرات البحرية وأسواق الطاقة، وتضع القوى الإقليمية أمام خيارات صعبة بين التصعيد والاحتواء.

ما تريده مصر وتركيا والسعودية تحديدا هو ألا يُصنع هذا الاتفاق أو يُفشل دون أن يكون لها رأي في مخرجاته. لأن من يغيب عن طاولة التفاوض يجد نفسه لاحقا أمام نتائج صنعها سواه.

ما يميّز التنسيق الثلاثي عن مبادرات سابقة هو صفة الاستمرار. الاجتماعات الدورية، وتكرار المشاورات حول الملفات ذاتها، يوحيان بأن الأطراف لا تبحث عن إعلان مشترك تُزيّن به صفحاتها الأولى، بل تسعى إلى بناء منصة تراكمية تُنتج تنسيقا حقيقيا بدلا من خطاب مُعلَن.

السؤال الذي يطرحه التنسيق الثلاثي لا إجابة حاسمة له بعد: هل هو بداية هندسة إقليمية جديدة أم مجرد آلية ظرفية تتبخر حين تتبدّل الحسابات؟

الإدراك المشترك بأن الاستقرار لا يُصنع بالانفراد هو ما يمنح هذا التنسيق وقودا للاستمرار.

لكن الاختبار الحقيقي لن يكون في بيانات القاهرة، بل في سلوك كل طرف حين تصطدم مصالحه الضيّقة بمتطلبات التنسيق الجماعي. في تلك اللحظة بالضبط سنعرف إن كان ما يُبنى الآن في القاهرة هندسةً راسخة أم ظلا سرعان ما يختفي.

الشرق الأوسط يستحق رهانا على الإجابة الأولى. وهذه اللحظة، ربما، هي الفرصة الأوضح منذ سنوات طويلة.

___________

مواد ذات علاقة