مجدي الشبعاني

حين تعجز المؤسسات وتملأ مراكز القوة الفراغ

لم تعد الأزمة الليبية مجرد خلاف حول الانتخابات أو شكل السلطة التنفيذية، بل أصبحت تعكس تحولاً أعمق في طبيعة إنتاج القرار وإدارة الصراع نفسه.

فبعد أكثر من عقد من المبادرات السياسية والحوارات والاتفاقات والتعديلات الدستورية، يبدو أن جزءاً مهماً من الفاعلين الدوليين بدأ يقتنع بأن المشكلة الليبية ليست أزمة نصوص أو مؤسسات فحسب، بل أزمة قدرة على التنفيذ، وأن مفتاح الحل لم يعد يكمن فقط في إعادة ترتيب المؤسسات، وإنما في التفاهم بين القوى القادرة على إنفاذ أي تسوية أو تعطيلها.

ومن هنا تكتسب المبادرة المرتبطة بتحركات مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، أهمية خاصة، ليس فقط بسبب ما تضمنته من أفكار حول توحيد السلطة التنفيذية أو إعادة ترتيب بعض مراكز السلطة، وإنما لأنها تعكس للمرة الأولى بهذا الوضوح تحولاً في المقاربة الدولية تجاه ليبيا، من التركيز على المؤسسات القائمة إلى التركيز على مراكز القوة القادرة على إنفاذ أي تسوية أو تعطيلها.

والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم ليس فقط: من يملك الشرعية السياسية في ليبيا؟ وإنما أيضاً: من يملك القدرة الفعلية على تحويل هذه الشرعية إلى سلطة تمارس الحكم؟

ما هي مبادرة بولس؟

حتى الآن لم تصدر وثيقة رسمية منشورة تتضمن النص الكامل لأي مبادرة أمريكية متكاملة بشأن ليبيا، إلا أن تصريحات بولس والتحركات السياسية المتزامنة وما نقلته وسائل الإعلام الدولية والإقليمية تسمح برسم ملامح عامة لمقاربة جديدة تجاه الأزمة الليبية.

فقد تحدث بولس عن ضرورة توحيد الحكومة والمؤسسات الليبية، واعتبر أن أي تسوية يجب أن تكون شاملة وقادرة على إنهاء الانقسام السياسي والمؤسسي، مع ربط ذلك بالاستقرار الاقتصادي وزيادة إنتاج النفط وجذب الاستثمارات الأجنبية، مشيراً إلى أن هذه الترتيبات قد تكون مرحلة انتقالية قصيرة تسبق الانتخابات.

وبالنظر إلى الوقائع والتطورات المتزامنة، تبدو هذه المقاربة أقرب إلى محاولة لإنتاج تسوية تدريجية تبدأ بتثبيت التفاهمات في الملفات المالية والاقتصادية، ثم الانتقال إلى الملف العسكري والأمني، قبل الوصول إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية وتهيئة الظروف للانتخابات.

أولاً: الملف المالي والاقتصادي: ويشمل معالجة الانقسام المالي، وتوحيد الإنفاق العام، والميزانية الموحدة، وضبط الإنفاق الموازي، وإعادة ترتيب إدارة الموارد العامة، والتفاهمات المتعلقة ببعض المؤسسات الاقتصادية والسيادية.

وقد شهد هذا المسار بالفعل خطوات عملية تمثلت في التوافق حول الميزانية الموحدة وبعض التفاهمات المتعلقة بقطاع النفط والمؤسسة الوطنية للنفط، فضلاً عن الترتيبات أو النقاشات المرتبطة ببعض الشركات والملفات النفطية، ومنها ما أثير حول شركة أركنو، وغيرها من الملفات الاقتصادية التي أصبحت جزءاً من معادلة التوازن السياسي.

ثانياً: الملف الأمني والعسكري: ويعد من أكثر الملفات التي شهدت تقدماً نسبياً خلال الفترة الماضية، من خلال الاجتماعات العسكرية المشتركة، والتدريبات واللقاءات داخل ليبيا وخارجها، والاستعراض العسكري الموحد الذي شاركت فيه تشكيلات من مختلف المناطق.

بل إن بعض التصورات المتداولة تتحدث عن ترتيبات واقعية لتوحيد المؤسسة العسكرية وصيغ جديدة لإدارة الملف الأمني بصورة توافقية، بما في ذلك إعادة تنظيم بعض هياكل القيادة العسكرية بما يراعي موازين القوى القائمة.

ثالثاً: ملف السلطة التنفيذية ورئاسة الدولة: وهو الملف الأكثر تعقيداً وحساسية. وتشير بعض المعلومات المتداولة إلى وجود تصورات تتعلق بإعادة توزيع السلطة التنفيذية وإنشاء ترتيبات جديدة لرئاسة الدولة والحكومة، وهو الجزء الذي أثار أكبر قدر من الجدل والرفض السياسي، لكونه يمس مباشرة شكل السلطة المقبلة وطبيعة التوازنات التي ستقوم عليها.

رابعاً: ملف المفوضية والانتخابات: ويبدو أن الفرضية الأساسية هنا هي أن القوانين الانتخابية صدرت بالفعل عن مجلس النواب، لكنها ظلت محل خلاف سياسي وقانوني حول بعض نقاطها وآليات تنفيذها.

ومن ثم فإن النقاش لم يعد يدور حول إنتاج قوانين انتخابية جديدة بقدر ما يتعلق بملف المفوضية الوطنية العليا للانتخابات وبعض المسائل الخلافية المرتبطة بالعملية الانتخابية وآليات إدارتها.

لماذا تختلف هذه المقاربة عن المبادرات السابقة؟

منذ توقيع الاتفاق السياسي الليبي عام 2015، انطلقت معظم المبادرات الدولية من فرضية واحدة، مفادها أن إعادة بناء المؤسسات أو إعادة تشكيلها ستقود تدريجياً إلى الاستقرار.

غير أن التجربة الليبية قدمت نتائج مختلفة، فقد أنتجت المؤسسات أجساماً جديدة، وشُكلت حكومات متعاقبة، وأُجريت تعديلات دستورية، وتم التوصل إلى تفاهمات سياسية متعددة، دون أن تنجح أي من هذه المسارات في إنهاء الانقسام أو إجراء الانتخابات.

وتكفي الإشارة هنا إلى تجربتين بارزتين:

الأولى، التعديل الدستوري الثاني عشر، الذي مثل أحد أكبر التوافقات بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة.

والثانية، تشكيل حكومة فتحي باشاغا، التي استندت إلى إجراءات ومخرجات مؤسسية وقانونية واضحة. ومع ذلك، لم تتمكن أي من التجربتين من إنتاج سلطة جديدة أو فرض واقع سياسي مختلف.

وهنا تبرز نتيجة بالغة الأهمية: إرادة المؤسسات، مهما بلغت درجة توافقها، ليست كافية بذاتها لإنتاج الحل إذا لم تقترن بقدرة فعلية على التنفيذ. فالمؤسسات السياسية الليبية نجحت أكثر من مرة في إنتاج الاتفاق، لكنها لم تنجح دائماً في إنتاج السلطة.

ما هي مراكز القوة في ليبيا؟

ولعل إحدى الإشكاليات في النقاش الليبي الراهن تتمثل في الخلط بين المؤسسات صاحبة الشرعية من جهة، ومراكز القوة الفعلية من جهة أخرى. ويقصد بمراكز القوة تلك الجهات أو الفاعلين الذين يمتلكون القدرة الفعلية على التأثير في القرار العام أو إنفاذه أو تعطيله، بغض النظر عن مركزهم القانوني داخل البناء المؤسسي للدولة.

فالمؤسسات السياسية القائمة تظل الإطار القانوني والسياسي الذي تستند إليه الشرعية العامة للدولة. لكن إلى جانب هذه المؤسسات برزت خلال السنوات الماضية مراكز نفوذ أخرى باتت تمتلك قدرة فعلية على إنفاذ القرارات أو تعطيلها.

وتشمل هذه المراكز: القوى العسكرية والأمنية، المؤسسات الاقتصادية والمالية السيادية، الفاعلين السياسيين والتنفيذيين الذين راكموا نفوذاً مؤثراً داخل أجهزة الدولة، القوى الدولية والإقليمية المؤثرة.

لقد أظهرت التجربة الليبية أن بعض هذه المراكز بات يمتلك قدرة على إنفاذ القرارات أو تعطيلها تفوق أحياناً قدرة المؤسسات الرسمية ذاتها.

ولعل السنوات الأخيرة تقدم أمثلة واضحة على ذلك، فقد نجحت تفاهمات سياسية وميدانية في تحقيق نتائج عملية لم تنجح المؤسسات السياسية وحدها في الوصول إليها، ومن ذلك التوافق على توحيد الإنفاق العام واعتماد الميزانية الموحدة، والتفاهمات المتعلقة ببعض المناصب في المؤسسات السيادية والإدارات التنفيذية والوسطى المؤثرة، فضلاً عن الترتيبات المرتبطة بقطاع النفط.

كما شهدت البلاد تنظيم استعراض عسكري موحد بمشاركة تشكيلات عسكرية من مختلف المناطق، وهو حدث حمل دلالات سياسية تتجاوز بعده العسكري، إذ عكس قدرة مراكز النفوذ الفعلية على إنتاج مساحات من التوافق العملي حتى في الملفات التي عجزت المؤسسات السياسية عن حسمها لسنوات.

ولعل تجربة 4+4 تمثل مثالاً آخر على هذا التحول. فرغم أن هذه الآلية نشأت في إطار تفاهمات بين القوى الفاعلة في الشرق والغرب الليبي، فإنها أصبحت تناقش عملياً ملفات تتعلق بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات وبالنقاط الخلافية في القوانين الانتخابية، وهي موضوعات تدخل في الأصل ضمن اختصاصات المؤسسات السياسية القائمة.

وهذا يثير تساؤلاً أعمق: هل أصبحت مراكز القوة لا تكتفي بالتأثير في القرار السياسي، بل بدأت تشارك في ممارسة بعض وظائف المؤسسات نفسها؟ وهل تتجه ليبيا نحو إعادة تعريف مراكز إنتاج القرار السياسي خارج الأطر المؤسسية التقليدية؟

إن النقاشات المتعلقة بالمفوضية الوطنية العليا للانتخابات والنقاط الخلافية في القوانين الانتخابية تكشف أن جزءاً من عملية إنتاج القرار في ليبيا انتقل فعلياً إلى أطر تفاوضية جديدة، تستند إلى التوافق بين مراكز النفوذ والفاعلين القادرين على ضمان تنفيذ مخرجاتها.

وتكشف هذه الأمثلة أن جزءاً من القرارات الكبرى في ليبيا لم يكن نتاجاً حصرياً لعمل المؤسسات الدستورية أو السياسية، بل جاء نتيجة تفاهمات بين مراكز النفوذ القادرة على إنفاذ القرار أو تعطيله، قبل أن تترجم هذه التفاهمات لاحقاً في صورة قرارات أو ترتيبات مؤسسية.

هل تمثل هذه المسارات مبادرات متنافسة أم حلقات في مشروع واحد؟

تكشف التطورات الأخيرة أن مسار بولس، ومسار 4+4، والتفاهمات المتعلقة بالملف المالي والعسكري، ليست بالضرورة مسارات متعارضة أو متنافسة. بل قد تكون في جانب منهاحلقات متكاملة ضمن مقاربة دولية أوسع لإدارة الأزمة الليبية.

فالتقدم الذي تحقق في الملفات الاقتصادية، والتفاهمات المتعلقة بالإنفاق العام، والحراك المتصل بتوحيد المؤسسة العسكرية، والنقاشات الجارية حول السلطة التنفيذية والانتخابات، تسير جميعها في اتجاه واحد يقوم على بناء تفاهمات تدريجية بين مراكز القوة الفعلية.

ومن هذه الزاوية، لا تبدو تحركات بولس منفصلة عن بقية الترتيبات التي تشهدها الساحة الليبية، بل يمكن النظر إليها بوصفها جزءاً من مقاربة أمريكية أوسع تقوم على إدارة التوافقات بين مراكز القوة، ومعالجة الملفات تدريجياً، بدءاً بالملفات الاقتصادية والأمنية، مروراً بملف السلطة التنفيذية، وانتهاءً بالانتخابات.

وهذا يعزز الانطباع بأن الولايات المتحدة عادت لتلعب دور الدولة المحورية ذات التأثير المباشر في الملف الليبي، ليس من خلال طرح مبادرة سياسية واحدة فحسب، وإنما عبر رعاية أو دعم مجموعة من المسارات المتوازية التي يمكن أن تتقاطع في لحظة معينة لإنتاج تسوية شاملة.

ويبدو أن عودة الانخراط الأمريكي ترتبط بتزايد الاهتمام باستقرار قطاع الطاقة، ومنع تجدد الصراع، والحد من تنامي نفوذ القوى الدولية والإقليمية المنافسة في ليبيا.

هل تمثل هذه المقاربة حلاً أم إعادة إنتاج للأزمة؟

هنا تكمن الإشكالية الحقيقية. فالمقاربة الأمريكية قد تنجح في تحقيق ما عجزت عنه المبادرات السابقة إذا تمكنت من جمع مراكز القوة الرئيسية حول تسوية سياسية قابلة للتنفيذ، لكنها في الوقت ذاته تحمل خطراً لا يمكن تجاهله.

فمن منظور الواقعية السياسية، قد يكون التعامل مع مراكز القوة أمراً لا مفر منه لإنهاء حالة الجمود. لكن من منظور بناء الدولة، فإن نجاح أي تسوية يظل رهيناً بقدرتها على تحويل هذه التوافقات المؤقتة إلى مؤسسات دائمة، لا إلى نظام دائم يقوم على تقاسم النفوذ.

لقد أثبتت التجربة الليبية أن تقاسم النفوذ قد ينجح في خفض التوتر مؤقتاً، لكنه لا يكفي لبناء مؤسسات مستقرة أو لإنهاء المرحلة الانتقالية. والخطر الحقيقي لا يكمن في الاعتراف بوجود مراكز القوة، فهي حقيقة سياسية لا يمكن إنكارها، وإنما في تحولها إلى بديل دائم عن المؤسسات.

فإذا أصبحت السلطة نتاجاً دائماً للتفاهم بين مراكز النفوذ، وإذا أصبحت الملفات السيادية والانتخابية والأمنية تُدار خارج المؤسسات التقليدية، فإن ليبيا قد تنتقل من أزمة الانقسام المؤسسي إلى نموذج أكثر خطورة، تُدار فيه الدولة بتوازنات القوة أكثر مما تُدار بحكم المؤسسات والقانون.

وعندها لن تكون النتيجة بناء دولة قوية، وإنما نظام سياسي هش، تتعايش فيه مراكز النفوذ دون أن تنجح الدولة في استعادة احتكارها الطبيعي للقرار العام.

أين يكمن المخرج؟

حتى إذا نجحت مراكز القوة في التوصل إلى تفاهمات سياسية، فإن تحويل هذه التفاهمات إلى مسار معترف به داخلياً وخارجياً يظل بحاجة إلى غطاء سياسي وقانوني ودولي، وهو ما يجعل دور الأمم المتحدة ومخرجات الحوار السياسي وآلياته عاملاً لا يمكن تجاهله في أي محاولة لتمرير ترتيبات جديدة.

فأي تسوية تستبعد المؤسسات محكوم عليها بفقدان الشرعية، وأي تسوية تتجاهل مراكز القوة محكوم عليها بالفشل في التنفيذ.

ومع كل ما تشهده ليبيا من تحولات في موازين القوة، تبقى الحقيقة الأساسية أن أي تسوية لن تكتسب شرعية دائمة ما لم تنته في النهاية إلى إعادة السلطة إلى مصدرها الطبيعي، وهو الإرادة الشعبية المعبر عنها من خلال انتخابات حرة وقابلة للتنفيذ.

ولذلك فإن المخرج الممكن لا يتمثل في إعادة توزيع السلطة بين القوى النافذة فحسب، ولا في الاكتفاء بالرهان على المؤسسات القائمة وحدها، وإنما في بناء تسوية انتقالية تجمع بين الشرعية المؤسسية والقبول الواقعي والقدرة على التنفيذ، وتنتهي في أجل زمني محدد إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة تنقل السلطة تدريجياً من منطق النفوذ إلى منطق المؤسسات المنتخبة.

إن السؤال الذي تطرحه هذه المقاربة لا يتعلق فقط بكيفية توزيع السلطة في ليبيا، بل بطبيعة الدولة الليبية نفسها.

فهل تتجه البلاد نحو استيعاب مراكز القوة داخل إطار الدولة تمهيداً لإعادة بناء المؤسسات، أم أنها تتجه نحو نموذج جديد تصبح فيه مراكز النفوذ هي المصدر الفعلي لإنتاج القرار والسلطة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد فقط مصير المبادرة الأمريكية، بل قد تحدد أيضاً شكل الدولة الليبية في السنوات القادمة.

إن التعامل مع مراكز القوة قد يكون ضرورة فرضتها المرحلة الانتقالية وتعقيدات المشهد الليبي، لكنه لا يمكن أن يتحول إلى أساس دائم لبناء الدولة.

فالدول المستقرة لا تقوم على التوازن المستمر بين مراكز النفوذ، وإنما على مؤسسات شرعية تحتكر القرار العام وتمارس السلطة باسم الإرادة الشعبية.
___________

مواد ذات علاقة