عماد عنان

التداعيات على المشهد الليبي

في ضوء خريطة التشابكات الإقليمية التي باتت تُقحم ليبيا قسرًا داخل معادلة الصراع السوداني، وبالنظر إلى مسار التحالف الوثيق والممتد بين حميدتي وحفتر وميليشياتهما، والدعم المتبادل الذي تم بناؤه وتطويره عبر السنوات، يصبح من الممكن قراءة الارتدادات المحتملة لتطورات الفاشر ودارفور على ثلاثة مستويات أمني، سياسي، واقتصادي.

أولًا: على المستوى الأمني

إذا تمكنت ميليشيا الدعم السريع من فرض سيطرتها الكاملة على الفاشر، فإن أحد أبرز النتائج المباشرة سيكون ارتفاع معدلات انتقال المرتزقة بين السودان وليبيا، فالدعم السريع بطبيعتها ليست حركة مسلحة ذات تصور تقليدي للدولة، بل تستند إلى نموذج توسّع عسكري اقتصادي عابر للحدود، يعتمد على الموارد والمنافع وشبكات الربح السريع أكثر مما يعتمد على منطق بناء مؤسسات دولة مركزية.

وتزداد احتمالات هذا التدفق في ظل هشاشة البيئة الأمنية الليبية، خصوصًا في الجنوب، حيث تتكاثر الميليشيات وتتداخل مسارات السيطرة، في الوقت الذي ترتبط فيه البنية القبلية في دارفور بتشابكات تاريخية مع قبائل في ليبيا وتشاد.

يضاف إلى ذلك أن ليبيا قد تشهد خلال 2025-2026 حالة إعادة تشكيل سياسية وأمنية تتطلب قوة مقاتلة موازنة أو رديفة، ما يجعل الطلب على هذه القوة البشرية المسلحة متوقعًا ومتزايدًا.

في هذا السياق يمكن أن تتحول منطقة فزان في جنوب ليبيا إلى ساحة مفتوحة لتجارة المرتزقة بين عدة أطراف إقليمية، أبرزها روسيا والإمارات وتشاد ومصر، بما يجعل الجنوب الليبي مرشحًا لأن يصبح مسرحًا لبؤرة اشتعال إضافية، خاصة مع قابلية العامل القبلي لأن يتحول من مجرد عنصر مساعد إلى عنصر مفسر ومحرك للصراع، بفعل صلات القربى والتحالف والامتداد بين قبائل دارفور وقبائل الجنوب الليبي.

في السياق ذاته على الصعيد الأمني، من المتوقع أن تؤدي التطورات في الفاشر إلى موجات نزوح وهجرة جديدة، خصوصًا مع سيطرة ميليشيا الدعم السريع على المدينة، فالسقوط المحتمل للفاشر سيؤدي إلى تدفق المدنيين نحو تشاد وليبيا، لتتحول الأراض الليبية بعد ذلك إلى محطة عبور رئيسية في مسارات الهجرة غير النظامية إلى أوروبا.

هذا التحول سيضع ضغوطًا متزايدة على الاتحاد الأوروبي، حيث سينقل التركيز والتأثير مباشرة نحو حكومة طرابلس، بدلًا من مصر، ويبرز بذلك البعد الإقليمي للأزمة السودانية وتأثيراتها المتشابكة على الاستقرار الأمني والهجرات العابرة للحدود.

ثانيًا: على المستوى الاقتصادي

في عقيدة تشكيل الميليشيات، يختلط البعد الأمني بالبعد الاقتصادي بشكل عضوي، بحيث يصبح الاقتصاد المحرك الأساسي للقوى غير النظامية. وفي حالة الترابط السودانيالليبي، يبدو هذا الخلط أكثر حدة وتعقيدًا، إذ تحولت ليبيا على مدار السنوات الماضية إلى بوابة رئيسية لتهريب الذهب الذي تستولي عليه ميليشيات حميدتي من دارفور، لتصديره لاحقًا إلى الإمارات وروسيا، بما يدر عوائد تُعاد إنفاقها على تمويل الميليشيات وتعزيز نفوذها العسكري.

وبناءً على ذلك، فإن سقوط الفاشر في قبضة قوات الدعم السريع سيؤدي على الأرجح إلى تصاعد تدفقات الذهب نحو ليبيا وإعادة تدويره هناك، فالفاشر تمثل مفصلًا رئيسيًا في شبكة ذهب دارفور المُصدّر للخارج، وسيُتيح سيطرة حميدتي على المدينة توسيع خطوط النقل عبر معابر مثل العوينات وأم الأرانب وطريق الكفرة، لتصبح ليبيا محطة مركزية لتكرير الذهب وإعادة تصنيفه وتحويله قبل شحنه إلى الخليج.

هذا السيناريو يعكس تفاعلًا أمنيًااقتصاديًا معقدًا، إذ يتحول المورد الطبيعي – الذهب – إلى أداة استراتيجية لتعزيز قدرة الميليشيات على الاستمرار في النزاع، مع خلق آليات ضغط إضافية على الداخل الليبي والخليجي، ويؤكد أن أي تحولات في الفاشر لا تقتصر على البعد العسكري بل تمتد لتشمل شبكات اقتصادية دولية مترابطة.

ثالثًا: على المستوى العسكري

مع توسع سوق المرتزقة وفتح مسارات الحركة بين السودان وليبيا وتشاد، لاسيما في حال سقوط الفاشر في قبضة الدعم والسيطرة على إقليم دارفور بشكل كامل، يصبح الحديث عن توحيد المؤسسة العسكرية الليبية وإقامة جيش وطني موحد أمرًا يفتقد للموضوعية، حيث تتراجع فرص تنفيذ هذا المشروع عمليًا في ظل الضغوط المتوقعة على هذا الملف.

ففي ظل تباين الرؤى داخل المؤسسة العسكرية الليبية وتعدد الجماعات المسلحة والمرتزقة القادمين من السودان وربما تشاد، يلجأ كل طرف ليبي إلى توظيف هذه المجموعات بما يخدم أهدافه الخاصة، ما يزيد من الهوة بين الشرق والغرب الليبي بشأن التعاطي مع المرتزقة.

كما يتوقع أن تتفاقم الخلافات حول أي المجموعات ينبغي ضمها وأيها يجب استبعادها، بما يجعل مسار توحيد الجيش الوطني أكثر هشاشة وتعقيدًا، ويعكس كيف أن الديناميات الإقليمية للمرتزقة مرتبطة مباشرة باستقرار ليبيا الداخلي.

رابعًا: على المستوى السياسي

فتح التمازج بين القوى السودانية بقيادة حميدتي والليبية بقيادة حفتر الباب أمام التدخلات الأجنبية، لتصبح اليوم أكثر وضوحًا وعلنية، بعدما كانت هذه الأجندات تتحرك في السابق بحذر وخفاء، وتأتي على رأس هذه القوى الإمارات  وروسيا (عبر ميليشا فاغنر)، اللتان ترتبط مصالحهما النفطية والذهببية بمناطق النفوذ في السودان وليبيا، ما يمكّنها من توسيع حضورها وتأثيرها دون الحاجة للتستر على أهدافها الاستراتيجية.

ومع تعاظم هذه المصالح، يصبح من الطبيعي زيادة التدخل المباشر لكل من موسكو وأبو ظبي في الشؤون الداخلية الليبية، في حين قد يرى حفتر وميليشياته في ذلك وسيلة لتعزيز حكمه وتثبيت موقعه في صراع النفوذ مع حكومة الغرب الليبي، هذا التوازن بين الدعم الخارجي والأجندات المحلية يجعل توسع القوى الأجنبية أمرًا مقبولًا وواقعياً.

أما على  المدى الطويل، قد تتحول ليبيا إلى نقطة محورية لصراع نفوذ روسيأمريكي مباشر، خصوصًا إذا تدخلت قوى إقليمية أخرى مرتبطة جيوسياسيًا بالمشهد الليبي، مثل مصر وتركيا، هذه البيئة المتشابكة تخلق ساحة مفتوحة لجميع الاحتمالات والأجندات، ما يزيد من تعقيد المشهد ويقوّض أي مبادرات سابقة لتحقيق الاستقرار، ويجعل الأزمة الليبية أكثر تعقيدًا وتشابكًا مع التحولات الإقليمية والدولية المحيطة.

في الأخير تكشف تلك التطورات كيف أن التشابك بين مصالح ميليشيات حميدتي وقوى حفتر، إلى جانب تدخلات دولية مثل الإمارات وروسيا، من الممكن أن يعيد تشكيل موازين القوى في المنطقة، ويجعل أي تطور ميداني في السودان عامل ضغط محتمل على ليبيا، مما يبرز هشاشة اتفاقيات السلام المحلية، ويؤكد أن الأزمة السودانية لم تعد مجرد صراع داخلي بل جزء من شبكة معقدة للتأثيرات الأمنية والسياسية والاقتصادية العابرة للحدود.

وعلى المدى المتوسط والبعيد، قد تتحول ليبيا إلى ساحة مفتوحة لتنافس نفوذ دولي مباشر، لتبرهن الصراعات الحالية في غرب السودان وفزان والجنوب الليبي أنها ليست منعزلة، بل هي جزء من ديناميات إقليمية مترابطة تهدد إعادة إنتاج خارطة تحالفات ونفوذ جديدة، وتفرض على صانعي القرار ضرورة إعادة تقييم الاستراتيجيات الأمنية والسياسية في شمال أفريقيا والساحل.

***

عماد عنان ـ كاتب صحفي وباحث في الإعلام الدولي

_____________

مواد ذات علاقة