روز كيرافوري و ماورين فاريل

بعد أربعة عشر عامًا من انتفاضة عام 2011 والتدخل العسكري الذي قاده حلف شمال الأطلسي (الناتو) وأسفر عن إسقاط معمر القذافي، لا تزال ليبيا منقسمة.

ففي حين تحكم حكومة الوحدة الوطنية المعترف بها دوليًا شمال غرب البلاد، تسيطر القوات المسلحة العربية الليبية، بقيادة المشير خليفة حفتر، على معظم شرق ليبيا، مع دعم كل طرف من قوى عسكرية أجنبية متنافسة.

لسنوات، بدا الوضع على الأرض وكأنه مجمّد. غير أن تطورين حديثين يشيران إلى تحوّل مهم: عودة شركات النفط الكبرى إلى البلاد، وتصعيد الولايات المتحدة لانخراطها العسكري. فقد شكّلت زيارات كبار قادة القيادة الأميركية في إفريقيا (أفريكوم) في أكتوبر وديسمبر من العام الماضي، والإعلان عن انضمام ليبيا إلى تمرين «فلينتلوك» — أكبر تمرين سنوي للعمليات الخاصة تنظمه أفريكوم وكان يركز تاريخيًا على غرب إفريقيا — إشارة واضحة إلى أن الإدارة الأميركية باتت تنظر إلى مسار ليبيا بوصفه غير قابل للفصل عن الاستقرار الإقليمي الأوسع.

في هذا السياق، تمتلك الولايات المتحدة فرصة ضيقة — لكنها حقيقية — لإعادة ضبط الأوضاع في ليبيا عبر الجمع بين انخراط أمني محسوب بعناية واستثمارات استراتيجية. اغتنام هذه الفرصة أمرٌ ملحّ، لا سيما في ظل سعي روسيا وقوى أجنبية أخرى إلى ترسيخ نفوذها على مستقبل جنوب البحر المتوسط السياسي.

الأهمية الجيوستراتيجية لليبيا بالنسبة للطاقة وأوروبا ومنطقة الساحل

تقع ليبيا على تخوم أوروبا وإفريقيا. ففي حين تطل سواحلها على إيطاليا، يمتد عمقها الجنوبي مباشرة إلى منطقة الساحل، حيث تنشط جماعات مرتبطة بتنظيم القاعدة مثل «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين»، إلى جانب فروع تنظيم «الدولة الإسلامية». وما يحدث في ليبيا يؤثر في أمن الطاقة الأميركي والأوروبي، وجهود مكافحة الإرهاب الإقليمية، وتدفقات الهجرة العالمية. علاوة على ذلك، تنتج البلاد ما بين 1.2 و1.4 مليون برميل نفط يوميًا، وتسعى إلى بلوغ مليوني برميل بحلول عام 2030. ومع تشديد العقوبات الغربية على الطاقة الروسية، تنظر أوروبا بشكل متزايد إلى النفط الليبي الخام كبديل يخفف الضغوط.

في نوفمبر، تم تأهيل كل من شل وشيفرون وإيني وتوتال إنرجيز وريبسول* للمشاركة في أول مزاد استكشاف تنظمه طرابلس منذ ثمانية عشر عامًا. غير أن عدم الاستقرار في جنوب ليبيا لا يزال يعزز حركة الجماعات المتطرفة وتدفق السلاح من الساحل، ما يهدد هذه الاستثمارات مباشرة. ويزداد هذا الخطر مع توسع «فيلق إفريقيا» الروسي — الخليفة لمجموعة فاغنر شبه العسكرية — في الشرق والجنوب. وفي الوقت نفسه، لا يزال مسار الهجرة عبر وسط المتوسط قضية سياسية داخلية حساسة في إيطاليا، حيث يقوم «خطة ماتّي» التي تتبناها روما صراحة على استقرار إنتاج الطاقة الليبي وإدارة الهجرة.

إدارة الانقسام والمنافسة بالوكالة لفتح باب الاستثمار

لا يزال التقدم في قطاع المحروقات الليبي مشروطًا بحدٍّ أدنى من الاستقرار وقابلية التنبؤ في الحوكمة، وهي ما تزال منقسمة بين حكومة الوحدة الوطنية في طرابلس — المدعومة من تركيا وقطر — وقوات حفتر في الشرق، المدعومة من روسيا (عبر فيلق إفريقيا) ومصر والإمارات العربية المتحدة.

وقد منح توقيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية مع حكومة الوحدة الوطنية عام 2019 تركيا نفوذًا فعليًا يصل إلى حد «حق النقض» على قطاع الأمن في الغرب والمناطق البحرية. وفي المقابل، رسخت روسيا وجودها في المناطق الخاضعة لسيطرة حفتر منذ عام 2023، لكنها انتقلت من الاعتماد على مجموعة فاغنر إلى انخراط رسمي عبر وزارة الدفاع. وتسيطر روسيا اليوم على قواعد جوية ومراكز لوجستية ومسارات صحراوية رئيسية تؤدي إلى الساحل، مع انتشار عناصرها قرب حقول وموانئ نفطية حيوية — وهي الأصول ذاتها التي تسعى حكومة طرابلس إلى ترخيصها لشركات غربية.

والنتيجة أن ليبيا أصبحت ساحة الشطرنج الأكثر نشاطًا للحروب بالوكالة في المتوسط، حيث تتموضع القوى الأجنبية للاستحواذ على عائدات مستقبلية من النفط وإعادة الإعمار. وفي غياب ثقلٍ أميركي موازن وذي مصداقية، ستُتخذ القرارات المتعلقة بالوصول إلى الطاقة، وإدارة الهجرة، والانتقال السياسي في موسكو أو عواصم أخرى — وليس في واشنطن أو بروكسل.

نافذة جديدة لإعادة الانخراط الأميركي

يشير تطوران إلى اتجاه تصاعدي متواضع لكنه مهم في إعادة الانخراط الأميركي. أولًا، وبالاستناد إلى زيارة سفينة تابعة للبحرية الأميركية إلى ليبيا في أبريل (الأولى منذ خمسين عامًا)، زار نائب قائد أفريكوم طرابلس الخاضعة لحكومة الوحدة الوطنية ومدينة سرت التي تسيطر عليها قوات حفتر في أكتوبر. وكانت دعوة ليبيا للمشاركة في تمرين «فلينتلوك» إشارة متعمدة إلى سعي الولايات المتحدة لدمج ليبيا ضمن شبكة أمنية غربية أوسع بدل ترك الساحة لدول أخرى ذات نفوذ أقوى مثل روسيا.

واستمر هذا المسار في أوائل ديسمبر، عندما التقى رئيس الوزراء عبد الحميد الدبيبة بقائد أفريكوم لتوسيع التعاون في مجالات التدريب والمعدات واحترافية القوات. ويمثل الطلب العلني من حكومة الوحدة الوطنية للحصول على دعم أميركي أعمق في احترافية القوات الأمنية تحولًا لافتًا بعد سنوات من الموازنة الاستراتيجية بين واشنطن وأنقرة والدوحة.

ثانيًا، شهد قطاع الطاقة الليبي نشاطًا متزايدًا. فمنذ عام 2023، استقر إنتاج النفط، وتجمدت خطوط القتال، ولم يحقق أي من الطرفين حسمًا عسكريًا أو سياسيًا. وقد خلق هذا الجمود مساحة سياسية للتأثير الخارجي. وتعزز زخم قطاع الطاقة بزيارات دبلوماسية رفيعة المستوى في الاتجاهين؛ إذ زار المبعوث الأميركي الخاص لإفريقيا والشؤون العربية، مسعد بولس، طرابلس وبنغازي في يوليو، تلتها زيارة وفد من حكومة الوحدة الوطنية إلى واشنطن في أغسطس.

وقد أشارت تلك الزيارة إلى نية الحكومة إعادة ربط ليبيا بالشركاء الغربيين وطلب مساعدة أميركية لدفع روسيا إلى الخروج من القواعد العسكرية في الشرق لاستعادة السيطرة الموحدة على الأراضي.

وتعزز هذا الزخم أكثر ببيان مشترك صدر في 26 نوفمبر عن الولايات المتحدة وشركائها الأوروبيين الرئيسيين ودول الخليج وتركيا ومصر والمملكة المتحدة. وأيد البيان تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، ودعم خارطة طريق سياسية قدمتها رئيسة البعثة حنا تيته، ودعا صراحة إلى تنسيق عسكري واقتصادي أعمق بين الشرق والغرب — في لحظة نادرة من التوافق بين القوى الخارجية المؤثرة في ليبيا. وبالنسبة للإدارة الأميركية، شكّل ذلك إشارة استراتيجية إلى أن توحيد ليبيا بات في المتناول. غير أن نافذة الفرصة تضيق بسرعة، وقد يؤدي أي تصعيد جديد أو فشل انتخابي أو خطأ في الحسابات الخارجية إلى إغلاقها إلى أجل غير مسمى.

ترابط الطاقة والأمن: لماذا سيفشل الاستثمار وحده

تمثل عودة شركات النفط الكبرى التحول الأكثر تأثيرًا في ليبيا خلال عقد. لكن الاستثمار دون أمن لن يكون مستدامًا. ففي مارس من العام الماضي، أطلقت ليبيا أول جولة تراخيص لاستكشاف النفط منذ ثمانية عشر عامًا، في محاولة لجذب التكنولوجيا ورأس المال والخبرة الغربية. وقد أعادت شل وبي بي* وتوتال إنرجيز وإيني فتح قنوات التواصل مع المؤسسة الوطنية للنفط، فيما وقعت إكسون موبيل* مذكرة تفاهم في أغسطس للاستكشاف البحري في حوض سرت.

ومع ذلك، لا تغير هذه التطورات حقيقة أن بعضًا من أهم احتياطيات ليبيا لا يزال تحت نفوذ روسي. ولا تستطيع الشركات الغربية توسيع عملياتها دون وصول متوقع، وعقود قابلة للتنفيذ، وضمانات أمنية أساسية.

وجود مقصود لحماية الاستثمار

لتثبيت المكاسب السياسية والاقتصادية الأخيرة — وحماية الاستثمارات الغربية الكبيرة في مجال الطاقة — ينبغي على الولايات المتحدة توسيع حضورها الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي في ليبيا بشكل مدروس وبالتنسيق الوثيق مع الحلفاء.

ويمثل إعلان مارس 2024 عن إعادة فتح سفارة الولايات المتحدة في ليبيا خطوة حاسمة نحو انخراط مستدام عبر القنوات العسكرية والاقتصادية. كما سيسمح ذلك بتنسيق أوثق مع شركاء رئيسيين — من بينهم إيطاليا ومصر وتركيا والأمم المتحدة — تتقاطع أهدافهم مع المصالح الأميركية.

وخلال العملية متعددة السنوات لافتتاح السفارة، ينبغي على أفريكوم ومكوناتها تنفيذ مبادرات قريبة الأمد وعالية الأثر. ويتعين على قوات العمليات الخاصة الأميركية المساعدة في بناء وحدات ليبية مختارة واحترافها في كل من الغرب والشرق، تعمل على تحقيق مصالح أمنية مشتركة بغض النظر عن التقدم نحو توحيد محتمل. إضافة إلى ذلك، يجب توسيع الشراكات البحرية بسرعة لتعزيز قدرات البحرية وخفر السواحل الليبيين، خصوصًا في مجالات الاعتراض وحماية الأصول البحرية وأمن الموانئ.

وفي الوقت نفسه، يمكن للولايات المتحدة توظيف قدرتها على جمع الأطراف لإنشاء خلية فنية لفضّ الاشتباك في سرت، تتيح لممثلي حكومة الوحدة الوطنية وقوات حفتر تنسيق الأمن حول البنية التحتية النفطية ومنع التصعيد. ويمكن لمثل هذه الآليات أن تدعم أيضًا التعاون في مكافحة الإرهاب، بما في ذلك استهداف بقايا تنظيم الدولة الإسلامية ومنع تسرب التهديدات من الساحل.

انخراط أميركي متعدد المستويات لفتح باب الاستقرار

غير أن الانخراط العسكري وحده لن يكون مستدامًا دون تنمية اقتصادية. ونظرًا للإرث المعقد للتدخل الأميركي — من العقوبات المدمرة اقتصاديًا في ثمانينيات القرن الماضي إلى تدخل الناتو عام 2011 وإسقاط نظام معمر القذافي — يجب على الولايات المتحدة العمل عبر الشركاء لدفع الأهداف الاقتصادية ومكافحة الإرهاب معًا.

ويمكن لمؤسسة تمويل التنمية الدولية الأميركية وبنك التصدير والاستيراد إعطاء أولوية لائتمانات التصدير الخاصة بخطوط الأنابيب ومعالجة الغاز وتوليد الطاقة، مع ربط التمويل صراحة بمعايير الشفافية ومكافحة الفساد.

كما يمكن للمساعدات الخارجية الأميركية ومساعدات الشركاء دعم إصلاحات طال انتظارها في المؤسسة الوطنية للنفط، بما في ذلك تحديث ممارسات التعاقد والمعايير البيئية وأطر تقاسم العائدات. وينبغي أن تمتد هذه الجهود إلى ما هو أبعد من الحكومات، بحيث تشارك شركات الطاقة الغربية العاملة في ليبيا في تخطيط منسق للبنية التحتية بدل إطلاق استثمارات معزولة.

إن الجمع بين الأدوات الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية سيمكن الولايات المتحدة من إرساء حضور متواضع لكنه متماسك، قادر على إحداث آثار استقرار كبيرة، ومنع أي دولة تعمل ضد المصالح الأميركية من الهيمنة على مستقبل ليبيا.

وبالنسبة للولايات المتحدة، تمثل ليبيا ساحة اختبار لنموذج جديد من الانخراط — نموذج يقوم على مساعدة أمنية تُمكّن الاستثمار الغربي بدل أن تحل محله. إن تجدد حضور أفريكوم وازدياد اهتمام شركات الطاقة الغربية يخلقان فرصة نادرة لإعادة دمج ليبيا ضمن الفضاء الغربي.

وإذا كانت الولايات المتحدة تسعى إلى الاستقرار في المتوسط، والمرونة في الساحل، وبدائل موثوقة للطاقة الروسية، فإن الوقت قد حان للاستثمار المنسق أمنيًا واقتصاديًا في ليبيا.

***

روز لوبيز كيرافوري باحثة أولى غير مقيمة في مركز إفريقيا التابع للمجلس الأطلسي، شغلت سابقًا منصب مديرة الاستخبارات في القيادة الأميركية في إفريقيا.

ماورين فاريل باحثة أولى غير مقيمة في مركز للاستراتيجية والأمن التابع للمجلس الأطلسي. شغلت سابقًا منصب نائبة مساعد وزير الدفاع للشؤون الإفريقية ومديرة الشؤون الإفريقية في مجلس الأمن القومي الأميركي.

______________

المجلس الأطلسي

مواد ذات علاقة