محمد عمران كشادة

هل ستصبح ليبيا إحدى ساحات الصراع؟

إن نظرة بعمق وواقعية لما جري من صراعات في سوريا والعراق، والسياسة التي اتبعتها روسيا في ضرب أي مشروع لنقل الغاز منافس لها، كل ذلك يجعلنا نتوقع بوضوح مواقع حروب ومعارك المستقبل، أينما وجد النفط والغاز، وجدت الصراعات وتفجرت الحروب.

إن ما حدث في سوريا والتدخل العسكري الروسي في عام 2015م يمكن أن يصل إلى منطقتنا في شمال إفريقيا والمغرب العربي، ثروات هائلة من النفط والغاز في ليبيا والجزائر، والقرب الجغرافي من أوروبا ميزة إستراتيجية كبرى يسيل لها لعاب الطامعين.

وما نقصده هنا أن تصبح أفريقيا منطقة صراع بين روسيا والغرب، وليبيا ودول شمال أفريقيا لن تكون بعيدة عن هذا الصراع باعتبارها تمثل دول عبور لأنابيب الغاز.

أولا – خط نابوكو .. مشروع أوروبي لم يبصر النور

روسيا كأكبر مصدر للغاز الطبيعي في العالم تمكنت من فرض عنصر تهديد إضافي على دول غرب أوروبا ودول حلف شمال الأطلسي؛ بسبب اعتماد تلك الدول على الغاز الروسي، إذ تستورد الدول الأوروبية نحو 80% من الغاز الطبيعي من روسيا لوحدها، عبر خط الأنابيب الشمالي المعروف باسم “نورث ستريم” الذي يربط بين حقول الغاز الطبيعي في شمال روسيا وألمانيا عبر بحر البلطيق، فيما تحصل باقي الدول الأوروبية على الغاز الروسي من خلال أنابيب الغاز الممتدة من روسيا وعبر أوكرانيا إلى الدول الأوروبية.

سعت الدول الأوروبية إلى تنويع مصادرها للحصول على الغاز الطبيعي، والتقليل من اعتمادها على الغاز الروسي إلى حده الأدنى، لتتحرر من التهديد الروسي بقطع موارد الدول الأوروبية من الغاز الطبيعي في حال وقوع صراع شامل مع روسيا.

هذا ما دفع الدول الأوروبية لتترجم رغبتها بالتخلص من الاعتماد على الغاز الروسي، بتدشين مشروع لنقل الغاز الطبيعي من بحر قزوين عبر أذربيجان، وعلى طول امتداد الأراضي التركية مروراً برومانيا وبلغاريا والمجر، ووصولاً إلى الحدود النمساوية، وذلك بتمويل أوروبي مشترك وبدعم أمريكي، إذ أطلق عليه اسم “خط أنابيب نابوكو.

أدرك الروس بأن تنويع مصادر الغاز الطبيعي والاستغناء عن الغاز الروسي، بات هدفاً استراتيجياً للأوروبيين والأمريكيين، إذ لم يبق أمام الأوروبيين من خيارات سوى الحصول على الغاز الإيراني بعد رفع العقوبات الاقتصادية عنها، والحصول على الغاز القطري الطبيعي عبر مد أنبوب عبر السعودية وربطه بأنبوب الغاز العربي الذي أنشئ في عام 2003م ليتم نقل الغاز المصري من العريش إلى الأردن وسوريا وربطه بمشروع “نابوكو” لتصدير الغاز إلى أوروبا، والخيار الثاني هو الحصول على الغاز القطري المسال ونقله بالسفن إلى الموانئ الأوروبية.

ردت روسيا على مشروع خط الأنابيب الأوروبي بتدشين خط أنابيب روسي منافس، أطلقت عليه اسم “ساوث ستريم”؛ لنقل الغاز من الحقول الروسية الجنوبية عبر البحر الأسود مروراً بالأراضي البلغارية ورومانيا والمجر، ووصولاً إلى الحدود النمساوية، وبذلك تكون روسيا قد جعلت مشروع خط الإمدادات الأوروبي “نابوكو” غير ذي جدوى اقتصادية تذكر، وتجاوزت المسافة دون الحاجة لمرور خطوط الغاز عبر الأراضي التركية.

وكان لروسيا رد سريع ومتواز على مشروع خط نابوكو، فوقعت اتفاقية مع كازخستان وتركمانستان لإنشاء خط إمداد على طول ساحل بحر قزوين في مايو عام 2007م يصل إلى الأراضي الروسية، محبطة بذلك الخطط الأوروبية.

لمواجهة الإستراتيجية الأمريكية بنت روسيا أيضاً إستراتيجية مضادة طويلة الأمد، تهدف لتطويق الخط الأميركي – الأوروبي لنقل غاز قزوين إلى أوروبا عبر تجفيف منابعه وقطع خطوط عبوره جغرافياً، بالاعتماد على ثلاثة محاور (قانونيةاقتصاديةعسكرية) وهي:

القانونية: تعريف حوض قزوين على أنه بحيرة متجددة بمياه أنهار الفولجا، وبناء على ذلك فالقانون الدولي يعطيها الحق بتقاسم مياهه وثرواته بالتساوي بين الدول المحيطة به، ما جعل من المستحيل، ليس فقط إنشاء خط أنابيب الغاز عبر حوض قزوين، بل حتى تطوير تركمانستان أو أذربيجان لأية حقول غاز على سواحله في ظل هذا التعريف، إلى أن يتم الاعتراف به كبحر.

الاقتصادية: في خطوة صنفت في خانة “الأسلوب الاحتكاري” أقدمت روسيا على شراء كامل الغاز المنتج في أواسط آسيا وبالتالي ضمان بيعه عن طريقها وعبر أنابيبها العابرة للقارات، فإضافة إلى كونها تمتلك أكبر احتياطي للغاز في العالم حيث تمتلك 47 % وتعتبر المنتج الأكبر لهذه السلعة الإستراتيجية 29 % دخلت روسيا في عقود شراء غاز طويلة المدى من معظم حكومات الدول المفترض منها ضخ الغاز في خط أنابيب نابوكو، فقامت روسيا بشراء أكثر من 50 مليار متر مكعب في عقود طويلة الأجل من تركمنستان التي تنتج نحو 80 مليار متر مكعب سنوياً، مع التزام معلن “أنه حتى ولو بعد تطوير حقولها الغازية ووجود فائض في الغاز المنتج عن تلبية تعهداتها لروسيا والصين فلن تبيع الغاز لخط أنابيب نابوكو.

وارتبطت أذربيجان مع روسيا بعقود بيع طويلة المدى، حيث وقع البلدان في حزيران 2009م، اتفاقاً لشراء حصة كبيرة من الغاز الأذري، من دون تعهد الأخيرة ببيع الغاز لمشروع نابوكو إذا وجد فائضا لديها. وأقدمت روسيا كذلك على شراء كامل إنتاج أوزباكستان من الغاز التي تمتلك منه احتياطي قدره 1.8 مليار متر مكعب، في عقد طويل الأجل ينتهي في عام 2018م. وبالتالي فإن محدودية الغاز المتاح للتصدير عبر نابوكو لم يعد يعول عليه مما زاد من الغموض في الجهة التي يعتمد عليها في ملء أنبوب غاز نابوكو.

العسكرية: حرب الخمسة أيام في أوسيتيا الجنوبية 2008م والخوف الجورجي من العبث مع موسكو بعد تلك التجربة، وضم روسيا لجزيرة القرم عام 2013م بعد الأزمة الأوكرانية، كانتا رسائل قوة لكافة الدول السوفيتية السابقة وبخاصة الأوراسية منها والتي كانت تعول عليها واشنطن لملء خط نابوكو. الأمر الذي حدا بدول أوراسيا للاستسلام للقوة الصلبة الروسية والدخول معها في اتحاد اقتصادي هو الاتحاد الأوراسي مطلع عام 2015م، وبذلك يكون بوتين قد قطع الطريق ليس على الطموحات الأوروبية والأمريكية فقط في منطقة قزوين بل وعلى الطموحات الإيرانية للتمدد في تلك المنطقة.

ومن خلال النظر إلى الصراع في سوريا ، نجد أن التمسك الروسي بنظام الأسد يحقق مكاسب إستراتيجية، تتلخص في قطع الطريق على مشروع نقل الغاز القطري إلى أوروبا عبر الأراضي السورية، ومنع تركيا من الحصول على أية منافع اقتصادية من مرور الغاز القطري عبر أراضيها إلى أوروبا، كما يسمح بقاء الأسد بوصول الغاز الإيراني إلى الموانئ السورية على البحر الأبيض المتوسط، إذ تسعى روسيا لإبرام عقود مع إيران طويلة الأمد، تتمكن من خلالها روسيا من تصدير الغاز الإيراني إلى أوروبا، على غرار العقود التي أبرمتها مع تركمنستان وأذربيجان للحصول على إنتاجها من الغاز بأسعار زهيدة، وإعادة تصديرها بالأسعار العالمية للدول الأوروبية.

من جهة أخرى كان حلفاء روسيا في الشرق الأوسط يتحركون بقوة بالتوازي مع التحركات الروسية ، وقعت إيران اتفاقية مع العراق وسوريا لإنشاء ما أسمته “خط الأنابيب الإسلامي”، يتم من خلاله نقل الغاز الإيراني من ميناء عسلوجة المطل على حقل غاز الشمال، وهو أكبر حقل غاز في العالم، تتقاسمه إيران مع دولة قطر في مياه الخليج العربي، مروراً بالأراضي العراقية ووصولاً إلى سوريا، إذ أكدت إيران بأن “الأنبوب الإسلامي” سيؤمن كمية 20 مليار م مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً للدول الأوروبية، وهو ما لا يملك خط “نابوكو” تأمينه لأوروبا.

إن الدور الجيو سياسي لغاز روسيا واستثماراتها في قطاع الطاقة شكّل نفوذًا عالميًا، وصل إلى أوروبا، وشمال إفريقيا (ليبيا، الجزائر) فتخوّف منه المنافسون والمستهلِكون على حدٍ سواء، معتبرين أن الارتهان للغاز الروسي لا يقل تهديداً عن التمدد الجغرافي أو التهديد العسكري ، هناك مشروعات روسية لمد خط من نيجيريا إلى النيجر ثم الجزائر ومنها إلى أوروبا، كما قامت شركة غاز بروم الروسية بالاستحواذ على نصف حصة شركة إيني الإيطالية في ليبيا، وبدأت بالاستثمار في السودان.

كل ذلك ينذر بحروب غاز جديدة في شمال إفريقيا على غرار ما جرى في المشرق العربي، وليبيا الغنية بالنفط والغاز ستكون احد أهم ساحات تلك الحروب القادمة.

ثانيا، حروب الغاز في المشرق العربي.. هل سيتكرر السيناريو في ليبيا المضطربة؟

إن استعراضنا لما جرى من حروب وصراعات على موارد واحتياطيات الغاز في المشرق العربي، ووقوفنا على كثير من الحقائق، يجعلنا نتوقع أن يتكرر نفس السيناريو في ليبيا.

أينما وجد الغاز سيكون هناك صراعات بين الدول الكبرى، وصراعات إقليمية، وفي حالة ليبيا حيث تعاني الدولة من ضعف السلطة السياسية والانهيار الكبير، بسبب الانقسام السياسي والصراعات بين الفرقاء الليبيين، فإن هذه الأوضاع ملائمة لأن تكون الأرض الليبية ساحة للصراعات والحروب بين الكبار. ولنرى ماذا يقول الإيطاليون: “للحفاظ على غازنا ونفطنا والبقية الباقية من نفوذنا الإقليمي لا يمكننا انتظار الفيتو الروسي على مشروع الانتخابات الليبية (الفرنسي) في الأمم المتحدة “. صحيفة ilgiornale الإيطالية.

هذه تصريحات قوية لصحيفة إيطالية تؤكد بأن الصراع على أشده بين إيطاليا وفرنسا على النفوذ والمصالح الاقتصادية في ليبيا، والغاز هو من أهم دوافع ومحركات الصراع، كما أن الصراع من المتوقع أن يأخذ أبعاد أكثر خطورة حين تدخل إلى حلبته أطراف أخرى لديها مصالح.

إن تتبعنا لاكتشافات حقول الغاز التي تمت في ليبيا، والاتفاقيات الموقعة بين ليبيا وعدد من الدول الأوروبية، وتركيا والولايات المتحدة الأمريكية وإن كانت تبشر بعصر ذهبي لصناعة النفط والغاز في ليبيا وكذلك بعض المشروعات الطموحة لنقل الغاز عبر ليبيا من قلب إفريقيا إلى ساحل البحر المتوسط إلى أوروبا، كل ذلك يجعلنا نكاد نجزم بأن حروب الغاز سوف تدق طبولها على الأرض الليبية، وإن الضمان الوحيد لمنع اكتواء ليبيا بنيران تلك الحروب هو نجاح العملية السياسية المتعثرة، وهو أمر صعب في ظل الانقسامات بين الليبيين، وعدم جدية الدول الكبرى في حل الصراع الليبي. وهنا فإن النخبة الليبية مطالبة بالإجابة على سؤال مهم: ماذا أعددنا نحن الليبيين للسيناريو الأسوأ؟.

تؤكد كثير من الدراسات والاكتشافات مؤخراً بأن ليبيا تعوم على بحيرة من النفط والغاز، في عام 2007م إيطاليا من خلال شركة إيني فازت بعقود ضخمة لاستثمار الغاز بمنطقة مليته التي تحوي على مخزون من الغاز يكفي أوروبا لمدة ثلاثين عاما.

كما اكتشفت توتال الفرنسية  قبل سنوات حقل الغاز الطبيعي العملاق في ليبيا (NC7) في حوض غدامس، فاشترت توتال من المؤسسة الوطنية للنفط حقوق الامتياز في حقل الغاز بقيمة 140 مليون يورو، ووقع بروتوكول الاتفاق في أغسطس من عام 2009م رئيس توتال كريستوف دو مارجيري، والرئيس السابق للشركة الوطنية الليبية للنفط شكري غانم،لكن هذا الاتفاق  يعيق اتفاق الشراكة بين توتال و قطر غاز الذي وقع في عام 2006م بعد أن اشترطت ليبيا عدم دخول شريك ثالث في الاتفاقية.

ومازالت الاكتشافات مستمرة حيث أعلنت المؤسسة الوطنية للنفط عن تسجيل ستة اكتشافات نفطية جديدة خلال العام 2025م باحتياطي قابل للاسترداد يبلغ 168.1 مليون برميل من النفط، إضافة إلى 52 مليارًا و19 مليون قدم مكعب من الغاز، ما يعكس توسعًا لافتًا في نشاط الاستكشاف خلال العام الجاري ، وبحسب جدول نشرته المؤسسة عبر صفحتها الرسمية على «فيسبوك»، فقد نجح نصف الآبار المكتشفة في الاختبارات الأولية، فيما لا تزال بئر واحدة قيد الاختبار، في حين جرى تعليق العمل في بئرين آخرين إلى حين استكمال الدراسات الفنية.

قال وزير النفط والغاز خليفة عبد الصادق: “إن ليبيا ستكون جزءا مهما من حل أزمة الطاقة الأوروبية، مشيراً إلى أن السوق الأوروبية تُعد (الأقرب والأكثر وعدا) بالنسبة للبلاد، وأشار عبد الصادق إلى أن ليبيا تمتلك واحدا من أكبر مخزونات الغاز في المنطقة، حيث تُقدّر المصادر التقليدية بنحو 70 تريليون قدم مكعب، فيما تجاوزت تقديرات المصادر غير التقليدية وفق منظمة الطاقة العالمية 129 تريليون قدم مكعب، وقد تصل إلى 200 تريليون قدم مكعب”.

وكما يقول الفرنسي ديغول: “إذا أردت أن تعرف حقيقة الموقف الاستراتيجي فعليك بأن تبسط خرائط الجغرافيا”وهنا السؤال المهم.. ماذا تقول خرائط الجغرافيا؟.

إن خرائط الجغرافيا تقول: “إن الأوروبيين وفي ظل استراتيجياتهم للتخلص من التبعية للغاز الروسي سوف يركزون بشكل كبير على الغاز الليبي، المشروعات القائمة في دول المنطقة لنقل الغاز من إفريقيا إلى أوروبا مثل مشروع المغرب، ومشروعات الغاز الجزائري، لن تنظر لها روسيا بعين الرضا، ولا احد اليوم يستطيع أن يرسم خرائط صراعات النفط والغاز الجديدة في شمال إفريقيا ومسارات أنابيب الطاقة.

إن روسيا لن تترك أي فرصة أمامها للاستئثار بالغاز الليبي، وتطويق أوروبا من الضفة الجنوبية للبحر المتوسط ومنع وصول الغاز لها، وستفعل كل ما في وسعها لإجهاضه، إن سياسة روسيا لتطويق أوروبا انطلاقا من ليبيا ودول شمال إفريقيا، وان كانت تمثل تحدي كبير لروسيا خاصة وانه أمامها لكي تفعل ذلك أن تواجه الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها الأوروبيين، إلا أن الحروب والأزمات والصراعات التي تعاني منها ليبيا ودول المنطقة تعطي فرصة سانحة لروسيا بان تستخدم أدواتها كافة من القوة العسكرية إلى أساليب القوة الناعمة لمنع أي مشروع منافس لها في المنطقة,

الرهان الحقيقي لإنقاذ ليبيا وجيرانها من حروب النفط والغاز المتوقعة هو تضامن ووحدة دول شمال إفريقيا والتزامها باتفاقيات أمنية للدفاع عن وجودها، وخلق فضاءات للتعاون والشراكة الاقتصادية، مع الجوار الإفريقي هنا نؤكد بان احد أهم أسلحة الدولة الليبية لمواجهة السيناريوهات المحتملة هو إحياء وتفعيل تجمع دول الساحل والصحراء برؤية جديدة.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

مواد ذات علاقة