كريمة ناجي

مراقبون يقولون إن ضغوطاً أوروبية تقف وراء ولادة هذا التقارب بين المتناحرين.

أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن اتفاق فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود (يضم ضباطاً من الغرب وآخرين من الشرق الليبي)، خلال اجتماع عقد في الأيام القليلة الماضية بسرت، وسط ليبيا، على خطوات عملية لتعزيز التنسيق الأمني الحدودي المشترك“.

وتتمحور العملية، وفق ما ورد ببيان البعثة الأممية للدعم في ليبيا، حول إجراء عملية تعايش بين وحدات حرس الحدود لتنفيذ مهام مشتركة ومتكاملة في مناطق حدودية معينة، إضافة إلى تفعيل مراكز أمن الحدود المشتركة التي سبق استحداثها في بنغازي وطرابلس“.

في ظل تنامي تهريب البشر والوقود والهجرة غير النظامية والجريمة العابرة للحدود، كتهديدات أمنية تتربص بالحدود الجنوبية الليبية، مع الجزائر وتشاد والسودان والنيجر، لا سيما في ظل اشتعال منطقة الساحل والصحراء الأفريقية، برز ملف أمن الحدود كأحد الملفات التي دفعت أطراف الصراع الليبي نحو التعاون الأمني المشترك، باعتبار أن الحدود الجنوبية الليبية تعرف بطبيعتها الصحراوية المعقدة التي تحول جزء كبير منها إلى مسالك رئيسة للهجرة غير النظامية نحو القارة الأوروبية بخاصة إيطاليا.

في السياق أعلنت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا عن اتفاق فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود (يضم ضباطاً من الغرب وآخرين من الشرق الليبي)، خلال اجتماع عقد في الأيام القليلة الماضية بسرت، وسط ليبيا، على خطوات عملية لتعزيز التنسيق الأمني الحدودي المشترك، وتتمحور، وفق ما ورد ببيان البعثة الأممية للدعم في ليبيا، حول إجراء عملية تعايش بين وحدات حرس الحدود لتنفيذ مهام مشتركة ومتكاملة في مناطق حدودية معينة، إضافة إلى تفعيل مراكز أمن الحدود المشتركة التي سبق استحداثها في بنغازي وطرابلس“. 

تمهيد للمصالحة

يذكر أن فريق التنسيق الفني المشترك لأمن الحدود أُسس بدعم من البعثة الأممية في يناير (كانون الثاني) 2025، لتوحيد وحماية الحدود باعتبارها أحد أسس الأمن القومي الليبي.

وعن انعكاسات هذا التنسيق الأمني الحدودي المشترك على المشهد السياسي، قال مدير إدارة مؤسسة ابدأ للدراساتعبدالله الغرياني إن هذا التنسيق الأمني الحدودي المشترك يمكن البناء عليه مستقبلاً نحو تمهيد للمصالحة الوطنية السياسية لدعم عدد من المبادرات سواء الأممية أو الوطنية، واصفاً الاتفاق الأمني بـالمهم باعتباره يوفر إطاراً لتكوين قوة أمنية موحدة لا سيما أن الملف الليبي عرف جموداً بعد مؤتمر برلين 1 عام 2020 ومؤتمر برلين 2 عام 2021 حول ليبيا“.

وأضاف أن التلاقي الأمني المشترك بين القطب الغربي ونظيره الشرقي بدأ منذ كارثة درنة عام 2023″، منوهاً بأن مناورات فلينتلوكالتي نظمتها القيادة الأميركية في أفريقيا أفريكومبين القوات المسلحة بالشرق ونظيرتها بالغرب الليبي في مدينة سرت هي ما أدت إلى تلاقي نائب القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن صدام حفتر مع وكيل وزارة دفاع حكومة الوحدة الوطنية اللواء عبدالسلام الزوبي، إذ تقارب الهدف الأمني بالسياسي لحلحلة القضايا الأمنية السيادية بخاصة منها مسألة حماية الحدود الجنوبية“.

الزخم الأميركي

من ناحيته، رأى الكاتب السياسي عبدالله الكبير أنالبعثة الأممية في ليبيا تحاول أن تستفيد من الاهتمام المحلي الواسع والزخم الذي أحدثته مبادرة مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس في جانبها الخاص، بتشكيل قوات أمنية وعسكرية مشتركة بين الشرق والغرب تم تدشينها بالمشاركة في التمرين التعبوي الأميركي، فلينتلوك، الذي جرى في مدينة سرت“.

وتابع الكبير أن هذا التقارب أُسس على ما تحقق في لقاءات سابقة بين اللجنة العسكرية المشتركة المعروفة بـ’5+5‘، 5 ضباط من الشرق و5 ضباط من الغرب الليبي، مشيراً إلى أن تفعيل القوة المشتركة لتأمين الحدود والتسريع بالاتفاق حولها يرتبط بصورة وثيقة بمبادرة بولس، ويأتي أيضاً في إطار الاستجابة للتحديات الأمنية المتنامية في منطقة الساحل والصحراء الأفريقية لتهيئة ليبيا لاستقبال الشركات الأميركية التي أبرمت أخيراً عقوداً للاستثمار في قطاع الطاقة بليبيا.

ونوه الكاتب السياسي الليبي بأنه يمكن لهذه القوة، بما ستحصل عليه من دعم أميركي، أن توفر بيئة آمنة للشركات الأميركية، لكنها لن تكون أساساً لتوحيد حقيقي للمؤسسة الأمنية أو العسكرية لأن الشرط السياسي للتوحيد غير قائم حتى الآن، باعتبار أن ازدواجية القرار الليبي بين الشرق والغرب ستحول دون تطوير هذه القوة وتحديد تبعيتها“.

موضحاً أن كل تقدم في المشهد السياسي الليبي هو انعكاس مباشر للرغبة الأميركية في تهيئة الظروف الملائمة للاستثمارات الأميركية القادمة وليس استجابة للتحديات التي تواجهها ليبيا.

تهديدات حدودية

في سياق متصل، أكد المتخصص في العلاقات الدولية الدكتور خالد الحجازي، أن ما يحدث على مستوى التنسيق الأمني الحدودي بين شرق ليبيا وغربها يعكس حقيقة مهمة، وهي أن التهديدات العابرة للحدود أصبحت أقوى من قدرة الانقسام السياسي على الاستمرار بالشكل السابق، فملف الحدود لم يعد قضية محلية مرتبطة بمنطقة أو سلطة بعينها، بل تحول إلى تهديد يمس الجميع من دون استثناء، سواء في الشرق أو الغرب أو الجنوب“.

ولفت الحجازي إلى أن الهجرة غير الشرعية، وتهريب الوقود، وتجارة السلاح والمخدرات، وشبكات الاتجار بالبشر، إضافة إلى تمدد الجماعات الإجرامية والتنظيمات المتطرفة القادمة من عمق الساحل والصحراء، كلها عوامل فرضت واقعاً جديداً على الأطراف الليبية، قائلاً إن الحدود فعلت ما عجزت عنه السياسة جزئياً، لأنها وضعت الجميع أمام خطر مشترك لا يعترف بالاصطفافات ولا بالشعارات السياسية“.

وشدد المتخصص في العلاقات الدولية على أن القيادات الأمنية والعسكرية في الشرق والغرب تدرك اليوم أن انهيار السيطرة على الحدود الجنوبية تحديداً، قد يؤدي إلى انفجار أمني شامل داخل ليبيا، وربما إلى إعادة إنتاج الفوضى بصورة أخطر من أعوام ما بعد 2011، لذلك فإن الجلوس إلى طاولة التنسيق لم يعد ترفاً سياسياً، بل أصبح ضرورة أمنية مرتبطة ببقاء الدولة نفسها“.

  • في المقابل، قال الحجازي لا ينبغي المبالغة في اعتبار هذا التنسيق مقدمة لوحدة سياسية شاملة، لأن الملف الأمني غالباً ما يتحرك بمنطق المصلحة المشتركة الموقتة، وليس بالضرورة بمنطق بناء مشروع وطني متكامل، مبرزاً أنه على رغم ذلك يظل الإعلان عن التوصل إلى تنسيق مشترك على مستوى أمن الحدود خطوة إيجابية ومهمة لأنها تخلق قنوات اتصال مباشرة وتخفف من حال القطيعة بين المؤسسات الأمنية والعسكرية“.

عامل دولي

وعما إذا كان هذا الاتفاق المشترك على تعزيز التنسيق الأمني الحدودي قد ولد من رحم ضغط أوروبي بسبب تنامي الهجرة غير النظامية وتصاعد الوضع الأمني في دول الساحل والصحراء الأفريقية، أكد المتخصص في العلاقات الدولية حضور العامل الأوروبي في هذا الاتفاق“.

مرجحاً أن يكون أحد أبرز المحركات غير المعلنة، لأن أوروبا تنظر اليوم إلى ليبيا كبوابة العبور الرئيسة للهجرة غير الشرعية نحو المتوسط، بخاصة مع تصاعد الاضطرابات في دول الساحل والصحراء الأفريقية مثل النيجر ومالي وتشاد والسودان، مضيفاً أن تنامي نشاط شبكات التهريب والجريمة المنظمة أصبح يشكل هاجساً أمنياً متزايداً للعواصم الأوروبية.

ولفت إلى أن هناك أطرافاً دولية عدة مارست ضغوطاً سواء عبر الأمم المتحدة أو من خلال قنوات اتصالية أخرى لدفع المؤسسات الأمنية الليبية نحو تنسيق أكبر في ملف الحدود، لأن الأوروبيين يدركون أن استمرار الانقسام الأمني في ليبيا يعني عملياً حدوداً مفتوحة أمام موجات الهجرة والفوضى والسلاح.

واستدرك الحجازي أنه على رغم ذلك يبقى نجاح هذا التنسيق الأمني الحدودي المشترك مرتبطاً بمدى وجود إرادة ليبية حقيقية لتحويل التعاون الأمني من مجرد استجابة لضغوط خارجية إلى مشروع وطني دائم لحماية السيادة الليبية، لأن أي اتفاق يبنى فقط على الخوف من الضغوط الدولية قد يبقى هشاً وقابلاً للانهيار مع تغير المصالح أو الظروف السياسية“.

تحالف الضرورة

ورأى الباحث في الشؤون الأفريقية بمركز الجزيرةللبحوث محمد تورشين أن مسألة توحيد التعاون الأمني الحدودي المشترك تبقى نسبية إذ لا يمكنها أن تعالج كل نقاط الخلاف الجوهرية التي تعتمد على أبعاد سياسية واقتصادية محلية وأيضاً إقليمية ودولية،.

ولفت إلى إمكان تفعيل التعاون الأمني الحدودي المشترك لتقريب وجهات النظر بين أطراف الصراع الليبي مما سيهيئ الأرضية التي يمكن الانطلاق منها لجلوس بقية الأطراف الليبية مع بعضهم بعضاً توصلاً إلى نقاط اتفاق“.

وتابع أن القضايا المرتبطة بالجانب الأمني، لا سيما الهجرة غير النظامية، والتهريب، والاتجار بالبشر، والجريمة العابرة للحدود، إضافة إلى خطر الجماعات الإرهابية المنتشرة في الساحل، وأيضاً الحركات القومية مثل حركة أزواد التارقيةالتي لها ارتباطات عرقية في ليبيا، كلها عوامل دفعت طرفي الصراع الليبي للتوصل إلى أرضيات مشتركة من شأنها أن تسهم، بصورة مباشرة، في تحديد قدر من الاستقرار الأمني ومعالجة الأبعاد التي يمكن أن تكون مدخلاً لاختراق الأمن القومي الليبي“.

ونوه بأن هذا التحالف الأمني يمكن أن نطلق عليه تحالف الضرورة، مؤكداً أن هذا التحالف الأمني هو تحالف مصلحة لذلك سيركز على معالجة الأخطار والتهديدات الأمنية، وأنه إذا تم التنسيق مع الدول المؤثرة في الشأن الليبي فستبرز الجوانب السياسية التي يمكن أن تلد من رحم هذا التنسيق الأمني الحدودي المشترك“.

وعن إمكان اصطدام هذا التنسيق الأمني الحدودي المشترك بالتوازنات الدولية، استبعد تورشين الأمر، معتبراً أن المجتمع الدولي سيدعم هذا الاتفاق الأمني الحدودي المشترك لأن المهددات الأمنية التي تطاول ليبيا ستطاول أوروبا أيضاً لا سيما إيطاليا، مؤكداً أن الولايات المتحدة، بدورها، لن تعارض ذلك لأن هذا التنسيق الأمني الحدودي المشترك سيسهم في حماية الحقول النفطية التي تؤمن الإمدادات الطاقية نحو أوروبا“.

وختم أن روسيا هي الأخرى لديها أهدافها في ليبيا، فانفراج العقدة الأمنية سيقلل الكلفة الروسية للحفاظ على مصالحها بليبيا. وتركيا لديها رؤية بالاستثمارات النفطية بالبحر الأبيض المتوسط، لذا تحسن الأوضاع الأمنية سيكون داعماً حقيقياً لمصالح القوى الإقليمية الكبرى في البلد المنقسم على نفسه منذ سقوط نظام القذافي عام 2011″.

__________

مواد ذات علاقة