سارة النيادي

رابعًاالبيئة الأمنية المضطربة في طرابلس، وانعكاساتها على خريطة الطريق الأممية الجديدة:

تفجّرت في العاصمة طرابلس مجدَّدًا موجة عنف غير مسبوقة؛ إثر مقتل عبدالغني الككلي، المعروف باسم “غنيوة”، قائد جهاز دعم الاستقرار، وأحد أبرز أمراء الحرب في غرب ليبيا.

ولم يكن هذا الحدث مجرد اغتيال لزعيم ميليشياوي، بل هزّة عميقة طالت جوهر التوازن الهشّ، الذي حافظ على حالة “اللاحرب – اللاسلم” في البلاد طيلة السنوات الأخيرة. علاوة على ذلك، عكس هذا الحدث حقيقة عدم تبنّي حكومة الدبيبة مؤسّسات حقيقية بقدر ما استوعبت الميليشيات الكبرى ومنحتها غطاء رسميًّا وموازنات، لتضمَن بقاءها. وعليه، كان “الاستقرار النسبي” في غرب ليبيا مؤقتًا، ومرهونًا بتوافقات غير معلنة بين أمراء الحرب.

فضلًا على ذلك، عكس اغتيال قائد جهاز دعم الاستقرار الفشلَ النسبي للمقاربة الدولية، التي فضّلت التهدئة الظرفية على الإصلاحات الجذرية.

وفيما يبدو على أنه توظيف لهذه الفوضى الأمنية، لفرض واقع جديد يخدم مصالح القوى السياسية، أصدر رئيس المجلس الرئاسي الليبي، محمد المنفي، قرارًا بحظر المظاهر المسلحة طرابلس، تزامنًا مع إعلان رئيس حكومة الوحدة الوطنية، عبدالحميد الدبيبة، استعداد وزارة الداخلية تولّي كافة المهام الأمنية في العاصمة، ضمن خطة شاملة تهدف إلى إنهاء وجود التشكيلات المسلحة الخارجة عن مؤسّسات الدولة.

ويبدو أن هذه التطورات تهدف إلى إعادة هيكلة القوى الأمنية في العاصمة لصالح رئيس حكومة الوحدة الوطنية. فرغم الطابع العشوائي الظاهري للاشتباكات المسلحة في طرابلس، يبدو أنها تستهدف إقصاء أي تشكيلات مسلحة قد تُشكّل تهديدًا لنفوذ الدبيبة في المرحلة المقبلة، حيث تأتي هذه القرارات بعد اجتماعه الأخير مع أمراء الحرب وقادة ميليشيات موالية لسلطته من مسقط رأسه مصراتة.

كما تأتي هذه التطورات في سياق يغيب فيه الإطار القانوني الشامل والشفاف للتعامل مع التشكيلات المسلحة؛ ما يجعل الأمر يبدو وكأنه مناورة لإعادة توزيع الأدوار والنفوذ، وليس إرساء لدولة القانون.

وقد تُنذِر قرارات المنفي والدبيبة بتداعيات خطيرة على الوضع الأمني في طرابلس؛ إذ قد تؤدي إلى تفاقم الانقسامات بين الميليشيات “المُدمجة”، التي يتم إقصاؤها، ما يُنذر باشتباكات مستقبلية أكثر عنفًا.

وفي ضوء ما سبق، يبدو أن الميليشيات المسلحة المرتبطة بحكومة الدبيبة قد تشكل عائق كبير أمام خريطة الطريق الأممية الجديدة، ففي حين تهدف خريطة الطريق الأممية إلى تشكيل حكومة موحدة جديدة، فإن نفوذ الميليشيات المرتبط بالدبيبة قد يشكّل عقبَة أمام تسليم السلطة أو قبول أي ترتيبات جديدة لا تضمَن مصالحها.

ومن المتوقع أن الخطة الأممية الجديدة قد تتضمّن بند تفكيك الميليشيات أو دمجها في جيش وطني موحد، وهو الأمر الذي سترفضه ميليشيات ذات النفوذ الواسع في الغرب، حيث سترى في ذلك تهديدًا لوجودها ومكتسباتها.

علاوة على ذلك، فإن مسألة استمرارية وجود ميليشيات تابعة بشكل أو بآخر لحكومة الوحدة الوطنية تطرح تساؤلات حول مدى حيادها أو قدرتها على أن تكون طرفًا مقبولًا لتطبيق خريطة طريق شاملة وعادلة. من جانب آخر، تشكّل لغة السلاح تهديدًا مستمرًا لعمل البعثة، وتقلّل من قدرتها على العمل بفاعلية في طرابلس، وتطرح تحديات على استقلالية ونزاهة التصويت الانتخابي في المستقبل.

خامسًاسيناريوهات محتمَلة لخريطة الطريق الأممية الجديدة في ليبيا:

في حين تبدو خريطة الطريق الأممية الجديدة بارقةَ أملٍ لمعالجة القضايا الخلافية، التي عطّلت إجراء الانتخابات الوطنية منذ عام 2021؛ إلا أن المعطيات، التي ناقشتها هذه الورقة، تُظهر الوضع السياسي والأمني المتشابك والمعقّد، الذي قد يَطرح تحديات جسيمة نحو إنفاذ هذه المبادرة.

ومن شأن الفشل في معالجة هذه التحديات أن يقود إلى سيناريوهات أكثر تعقيدًا لكلٍّ من المشهد السياسي والأمني الليبي.

والواقع أنّ التحدي الأكبر الذي قد يحدِّد نجاح المبادرة من فشلها هو مدى قبول القوى السياسية الليبية لمخرجات اللجنة الاستشارية العشرين والخريطة الأممية الجديدة؛ وبناءً على ردود الأفعال الأولوية من مجلس النواب، التي أشارت إلى رفض قاطع، بل ودَعت “لطرد البعثة” من الأراضي الليبية، عوامل تهدّد بإجهاض المبادرة الأممية؛ فمجلس النواب هو الجهة التشريعية الوحيدة في البلاد، وتمريره للمبادرة أمرٌ جوهري لإنفاذها، وتحديدًا إذا ما تعلّق الأمر بالقوانين الانتخابية، وإعادة تشكيل السلطة التنفيذية.

ومن جانب آخر، فتح مجلس النواب باب الترشح لرئيس وزراء جديد يعكس توجّه المجلس نحو إقصاء المسار الأممي من المشهد السياسي، وإبقاء القرار السياسي على الصعيد المحلّي، مدعومًا بمزاعم السيادة الوطنية.

وعلى الصعيد الأمني، تُشكّل الفوضى الأمنية المتجدّدة في طرابلس، والنفوذ التي تمتلكه الميليشيات المسلحة “التابعة” لحكومة عبدالحميد الدبيبة، تحدّيًا لأي محاولة تشكيل حكومة موحدة أو إجراء انتخابات حرة ونزيهة، إضافة إلى الخطوات الأخيرة للدبيبة، التي قد تفسَّر على أنها محاولة لإعادة هيكلة القوى الأمنية لصالحه، تعزّز من الانقسامات المحتملة بين الميليشيات، وتُنذر باشتباكات أكثر عنفًا.

وأخيرًا، فإنّه رغم الدعم الدولي المعلن للمبادرة، إلا أن غياب آلية واضحة للضغط، أو الضمان على تنفيذ بنود الخريطة، يجعلها عرضة للتعطيل من قِبَل الأطراف الليبية. كما أن التباين في مواقف القوى الإقليمية الفاعلة في الشأن الليبي يهدِّد بإعادة تدوير النزاع، بما يخدم مصالح متضاربة، لا تلتقي بالضرورة مع منطق الدولة الوطنية، أو استقرار ليبيا.

في ضوء كل ما سبق، يمكن بناء سيناريوهات عدة لمستقبل خريطة الطريق الأممية الجديدة في ليبيا على النحو الآتي:

السيناريو الأولنجاح محدود للمبادرة:

قد تنجح البعثة الأممية إلى ليبيا في إنفاذ بعض بنود خريطة الطريق الأممية الجديدة، خصوصًا تلك البنود التي قد تحظى بزخم ودعم دولي، والأهم تلك التي لا تتعارض بشكل مباشر مع مصالح القوى السياسية الليبية؛ كبعض الإصلاحات المؤسّسية البسيطة، إلا أن القضايا الخلافية والجوهرية على غرار توحيد المؤسّسات السيادية، وتفكيك سلاح الميليشيات ستظل معلّقة.

وسيدفع هذا السيناريو باستمرارية حالة “اللاحرب – اللاسلم” من الناحية الأمنية، أما على الصعيد السياسي فستستمر حالة الجمود السياسي دون تحقيق اختراق حقيقي نحو الوصول لانتخابات وطنية نزيهة.

ويبدو أن سيناريو النجاح المحدود للخريطة الأممية ضعيف الاحتمال حاليًّا؛ في ظل الرفض القاطع لمجلس النواب وحكومته للمبادرة الأممية، وفي ظِلّ الخبرة السابقة لمآلات المبادرات الأممية في ليبيا.

السيناريو الثانيفشل المبادرة الأممية، وعودة الفوضى الأمنية إلى مربع الصفر:

في ظِلّ المعارضة الصريحة لمجلس النواب للمبادرة الأممية فور إعلانها، واستمرارية تمسّك حكومة الوحدة الوطنية بضرب شرعية مجلس النواب، وفيما يُرى على أنه تجاوز رئيس المجلس الرئاسي لصلاحيته الممنوحة له بموجب الاتفاق السياسي، وتجاهله لبقية أعضاء المجلس، وإقراره لمختلف القرارات بشكل أحادي؛ تتزايد احتمالات تصاعد الخلافات والانقسامات السياسية حول شرعية المؤسّسات الليبية القائمة وتوزيع السُّلطة بشكل غير مسبوق، ومن شأن ذلك أن ينعكس على الوضع الأمني الهشّ، حيث قد يدفع ذلك بعودة الاشتباكات المسلحة مع محاولات الأطراف لفرض نفوذها بالقوة.

ويبدو أنّ هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحًا؛ في ظِلّ المؤشرات التي تعكس زيادة درجة الاستقطاب السياسي بين الأطراف الرئيسة للأزمة الليبية، وحشد الميليشيات الموالية لحكومة الدبيبة لدعم استمرارها في المشهد السياسي.

السيناريو الثالثتكثيف الضغوطات الدولية

في هذا السيناريو، ومن خلال مجلس الأمن، قد يدفع المجتمع الدولي نحو إنفاذ خريطة الطريق الأممية من خلال أدوات أكثر حزمًا، قد تشمل عقوبات دولية ضدّ معرقلين العملية السياسية، إلا أن تحقُّق هذا السيناريو يعوّل بشكل كبير على وجود إرادة دولية موحدة وقوية، وهذا لا يتوقع في المدى المنظور، وتحديدًا في ظِلّ الانقسامات الحادة التي تواجهها القوى الكبرى في مجلس الأمن، وحالة الاستقطاب التي يشهدها العالم بعد الأزمة الأوكرانية، ولكن إذا ما تحقق هذا السيناريو، من شأنه أن يدفع القوى السياسية الليبية على القبول بالخريطة الأممية مما يمهد تحقيق خطوات ملموسة في الوصول للانتخابات الوطنية.

خاتمة:

تُشكّل خريطة الطريق الأممية الجديدة خطوة نوعية لكسر حالة الجمود السياسي، التي تمرّ بها الأزمة الليبية، لكنها تصطدم بواقع مملوء بالتعقيدات السياسية والأمنية؛ وبالتالي يبقى مصير هذه المبادرة مرهونًا بقدرة القوى السياسية الليبية على تغليب المصلحة الوطنية العليا، ووجود الإرادة السياسية الداخلية لمعالجة الأسباب الجذرية للقضايا الخلافية والانقسامات المؤسّسية، والانخراط بشكل جادّ في حوار وطني يُفضي إلى بناء دولة موحدة ومستقرة.

ويظل ملف الميليشيات قضية جوهرية في حلحلة الأزمة الليبية؛ فمن غير معالجة هذا الملف بدعم من المجتمع الدولي بشكل جدّي، سواء عبر دمج الميليشيات في المؤسّسات الأمنية للدولة أو نزع سلاحهم، ستظل العملية السياسية مهدَّدة من قِبَل الميليشيات المسلحة. وأي جهود سياسية لحل الأزمة ستبقى رهينة الفوضى الأمنية.

ويتوقف مستقبل المبادرة الأممية على مدى قدرة المجتمع الدولي على الضغط الفاعل لتأمين بيئة سياسية أمنية تضمَن إجراء انتخابات عادلة، وعلى مدى استعداد الفاعلين الليبيين لتقديم تنازلات حقيقية لصالح الدولة الوطنية. أما في حال استمرار التصلّب في المواقف، فإن الخريطة الجديدة قد تلقَى المصير ذاته، الذي واجهته المبادرات السابقة؛ ما يعني أن ليبيا ستظل غارقة في حالة اللااستقرار، وعرضة لمزيد من التفكّك والتدويل.

***

سارة النيادي ـ حصلت على شهادة الماجستير في العلاقات الدولية والدبلوماسية الإماراتية من أكاديمية أنور قرقاش الدبلوماسية، وشهادة البكالوريوس من جامعة زايد تخصص الشؤون الدولية، وحصلت على خبرة متراكمة خلال سنوات الدراسة بالعمل في مكتب القائد العام لشرطة أبوظبي لمدة خمس سنوات. وقبل التحاقها بفريق ”تريندز“ عملت في قطاع البحث العلمي بمركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية لما يقارب ثلاث سنوات كباحث مساعد، متخصصة في عدة ملفات أبرزها منطقة شمال إفريقيا، ومنطقة شرق آسيا.

______________

مواد ذات علاقة