
في لحظةٍ إقليميةٍ بالغة التعقيد، رَسَتْ السفينةُ الحربيةُ الأمريكيةُ “يو إس إس ماونت ويتني”، التابعة للأسطول السادس، في ميناء الشعّاب بالعاصمة طرابلس، في أواخر أبريل الماضي.
واصلت البارجة رحلتها إلى بنغازي، وعلى متْنها وفدٌ أمريكيٌّ رفيعٌ، يضُمُّ نائبَ الأدميرال جيه. تي. أندرسون، والمبعوثَ الأمريكيَّ الخاصَّ إلى ليبيا ريتشارد نورلاند، والقائمَ بالأعمالِ في سفارة الولايات المتحدة لدى ليبيا، جيريمي برنت، إلى جانب مسؤولين دبلوماسيِّين وعسكريِّين بارزين.
وخلال الزيارة، أجرى الوفدُ الأمريكيُّ لقاءاتٍ مُكثَّفةً مع مسؤولين بارزين من الأطراف السياسية والعسكرية في كُلٍّ من الشرق والغرب؛ ففي طرابلس، شَمِلَتْ اللقاءاتُ رئيسَ الأركان العامة الفريق أول محمد الحداد، وعضو المجلس الرئاسي عبد الله اللافي، إلى جانب مسؤولين في وزارتيْ “الدفاع والخارجية”.
أمَّا في بنغازي، اجتمع الوفدُ مع قياداتٍ عسكريةٍ من القيادة العامة، من بينهم رئيس أركان الوحدات الأمنية خالد حفتر، والأمين العام خيري التميمي، ورئيس أركان البحرية الليبية اللواء شعيب الصابر؛ لبحث تعزيز التعاون العسكري ودعْم جهود توحيد المؤسسة العسكرية.
وفي بيانٍ رسميٍّ، أكَّدت السفارةُ الأمريكيةُ في ليبيا، أنَّ الزيارة هدفت إلى تعزيز التعاون الأمني، وتوحيد المؤسسات، ودعْم الأمن الإقليمي، كما شدَّدت على التزام واشنطن ببناء شراكةٍ قويةٍ مع الشعب الليبي على المستويات الأمنية والاقتصادية والسياسية، وقد وصف المبعوث الأمريكي ريتشارد نورلاند الزيارة، بأنها “حدث تاريخي”، مُؤكِّدًا أنها تُعبِّرُ عن جِدِّيَّةِ الولايات المتحدة في دعْم ليبيا نحْو مسار الوحدة والاستقرار.
يمكن القول: إن هذه الزيارة لا تُعدُّ مجرد نشاط بروتوكولي، بل تُجسِّدُ ما يُعرف بـ “دبلوماسية البارجة” – أيْ توظيف الحضور العسكري كأداةٍ لإبراز المواقف السياسية وبعْث رسائل إستراتيجية – حيث تأتي في توقيتٍ يشهدُ تصاعُدًا حادًّا في الانقسام السياسي والأمني داخل ليبيا، في ظلِّ تحوُّلات أوسع في ميزان النفوذ الإقليمي والدولي، لا سيما بين الولايات المتحدة وخصومها التقليديِّين، وعلى رأسهم “موسكو وبكين”.
ورغم ترحيب حكومة الوحدة الوطنية المنتهية الولاية بالزيارة واعتبارها “خطوة إيجابية”، فقد عبَّرت أطرافٌ أُخرى عن مخاوفَ من تعميق التبعية للأجندة الأمريكية، وهو ما يُعيد التأكيد على أن الملف الليبي لا يزال رهينة التنافُس الإقليمي والدولي، وأن مستقبل أيِّ حلول سياسية أو أمنية مرهونٌ بموازين القوى المتحركة داخل وخارج البلاد.
سياق الزيارة
تأتي زيارة البارجة الحربية الأمريكية “يو إس إس ماونت ويتني” في إطار سلسلة تحركاتٍ أمريكيةٍ متسارعةٍ تجاه ليبيا، يمكن قراءتها ضمن محاولات الولايات المتحدة إعادة تثبيت حضورها في المشهد الليبي بعد فترةٍ من الانكفاء النسبي والتردُّد في الحسْم السياسي؛ فإدارة واشنطن، لا سيما في نسختها الجديدة بقيادة ترامب، باتت تنظر إلى ليبيا كأولويةٍ أمنيةٍ متقدمةٍ في ظِلِّ احتدام التنافُس الدولي، وتزايُد مؤشرات الانقسام الداخلي، إلى جانب تصاعُد نفوذ موسكو وتمدُّد الصين في مشاريع إعادة الإعمار.
كما يتزامن توقيت هذه الزيارة مع تصريحاتٍ مهمةٍ أطلقها الجنرال مايكل لانغلي، قائد القيادة الأمريكية لأفريقيا (أفريكوم)، عبَّر فيها عن قلق واشنطن من استمرار الانقسام الأمني بين شرق وغرب ليبيا؛ حيث قال لانغلي: إن “التنافُس بين الجهات الأمنية يُعيق الاستقرار، ويؤثر على الاقتصاد العالمي، خصوصًا في قطاع الطاقة”، مُشدِّدًا على أن الولايات المتحدة تدعم بناء جيشٍ ليبيٍّ مُوحَّدٍ تحت إشرافٍ مدنيٍّ، وهو تصريح يحمل في طيَّاتِهِ تأكيدًا، بأن البُعْدَ الأمني لم يعُدْ هامشًا في الحسابات الأمريكية، بل أصبح أولويةً مباشرةً.
وقد أشار إلى أن قيادة أفريكوم مستعدةٌ لتقديم دعْمٍ فنيٍّ ومساعدةٍ محدودةٍ في هذا الإطار، وهو ما يعيد تسليط الضوء على احتمالية تحوُّل الدور الأمريكي من مراقب إلى شريكٍ في بناء المؤسسة العسكرية الليبية، عبْر توفير التدريب، وتقديم الدعم في ملفاتٍ، مثل توحيد القيادة والتحكُّم.
إن تزامن هذه التصريحات مع زيارة البارجة يُعزِّزُ من فرضية، أن واشنطن تتحرك وفْقَ خطة مدروسة مزدوجة الأبعاد: (رمزية قوية على الأرض، وتصريحات واضحة على المستوى الإستراتيجي)؛ ما يبعث برسالةٍ ضمنيةٍ، أن الانقسام الليبي لم يعُدْ شأنًا داخليًّا، بل بات يُشكِّلُ تهديدًا مباشرًا لمصالح الطاقة والاستقرار في المتوسط.
دلالات إستراتيجية متعددة
تحمل زيارة السفينة الحربية الأمريكية “يو إس إس ماونت ويتني” إلى السواحل الليبية، دلالاتٍ إستراتيجية متعددة، تتجاوز البُعْدَ العسكري المباشر إلى أبعاد سياسية وجيوسياسية أشمل، تعكس تحوُّلًا نوعيًّا في طريقة تعاطي واشنطن مع الملف الليبي بعد سنوات من الانكفاء النسبي.
ويمكن تفكيك هذه الدلالات على النحو الآتي:
رمزية القوة والإيحاء بالهيمنة: إن اختيار الأسطول السادس الأمريكي – أحد أقوى التشكيلات البحرية في العالم – لا يمكن فصْله عن رسائل الرَّدْع الرمزية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة لتأكيد حضورها الإستراتيجي في مناطق الحروب والصراعات؛ فرُسُوُّ بارجة القيادة “ماونت ويتني” في ميناء طرابلس وبنغازي لا يُعدُّ مجرد استعراض للقوة العسكرية، بل يحمل رسالة سياسية واضحة، مفادها؛ أن واشنطن لن تسمح بترسيخ واقع ميداني أو سياسي يتعارض مع مصالحها، وأن زمن الاكتفاء بالمراقبة من الخلف قد انتهى لصالح انخراط مباشر وأكثر فاعلية.
بهذا المعنى، تُمثِّلُ الزيارة تعبيرًا صريحًا عن استخدام أدوات الضغط العسكري ضمن مقاربةٍ دبلوماسيةٍ محسوبةٍ.
تنسيق أمني متعدد المسارات والأطراف: من اللافت في هذه الزيارة، أنها لم تقتصر على طرفٍ ليبيٍّ واحدٍ، بل شملت لقاءاتٍ مُوسَّعةً مع قادة عسكريين ومسؤولين سياسيين في كُلٍّ من طرابلس وبنغازي، في ما يمكن اعتباره محاولة أمريكية لاستعادة زمام المبادرة في إدارة التوازنات الداخلية الليبية.
هذه اللقاءاتُ لم تأتِ فقط للاستماع، بل حملت معها مقترحات بشأن هيكلة المؤسسة العسكرية، من خلال لجنة مشتركة تجمع ممثلين عن الشرق والغرب، وهو ما يُفهم كخطوةٍ أولى نحْو توحيد المؤسسة الأمنية تحت مظلة تنسيق “أمريكي – دولي”، بما يُعيدُ رسْم خرائط النفوذ داخل المشهد العسكري الليبي بعيدًا عن الفوضى المسلحة التي استمرت لسنوات.
عودة أمريكية إلى ملف ليبيا ضمن إعادة ترتيب أولويات النفوذ: في ظلِّ انشغال العالم بأزمات أشد تعقيدًا، مثل الحرب في أوكرانيا، وتطوُّرات غزة، بدت ليبيا خلال السنوات الماضية ملفًا هامشيًّا في الإستراتيجية الأمريكية، لكن هذا التحرُّك الأخير يعكس إعادة إدراج ليبيا ضمن الأولويات الجيوسياسية لواشنطن، بوصفها نقطة تماسٍّ مباشرٍ مع النفوذ الروسي، وساحة اختبارٍ للنفوذ الصيني في مشاريع إعادة الإعمار.
وبالتالي، فإن البارجة لم تأتِ فقط لتثبيت حضورٍ عسكريٍّ، بل جاءت لإعادة إدخال ليبيا إلى طاولة التفاوُض الكُبْرَى بين واشنطن وموسكو وبكين؛ حيث لم تعُدْ الملفات تُدارُ كُلٌّ على حِدَة، بل ضمن مقاربة شاملة لإعادة التوازن في النظام الدولي المُتغيِّر.
مفاعيل الزيارة وحدود التأثير الأمريكي
رغْم الطابع الاستعراضي البارز الذي وسم زيارة البارجة الأمريكية، إلا أن أبعادها تتجاوز الرمزية البصرية إلى نقاشات أعمق، حول ما إذا كانت هذه الخطوة تُمثِّلُ بدايةً لتحوُّلٍ حقيقيٍّ في السياسة الأمريكية تجاه ليبيا، أم أنها ستبقى في إطار التحرُّك الظَّرْفي المرتبط بحسابات تكتيكية مؤقتة.
فزيارةٌ بهذا الحجم، وبهذه الرمزية، لا يمكن عزْلها عن نية واشنطن في إعادة تثبيت موطئ قدمها في الملف الليبي، خصوصًا في ظِلِّ تصاعُد المنافسة الدولية على النفوذ، واستمرار هشاشة التوازنات المحلية؛ فالساحة الليبية باتت تُمثِّلُ نقطة التقاء بين ملفات أمنية إقليمية، ومصالح إستراتيجية دولية تتجاوز نطاق الدولة الليبية ذاتها، وتشمل قضايا الطاقة، والهجرة، ومكافحة الإرهاب، وتوازنات المتوسط.
من هذا المنظور، يمكن اعتبار الزيارة جزءًا من تحرُّكٍ أمريكيٍّ متعدد الأبعاد، يدمج بين القوة الرمزية، والانخراط التكتيكي، واستكشاف فُرَص النَّفاذ الناعم من بوابة التعاون الأمني، كما قد تُقرأُ هذه الخطوة كبدايةٍ لتحوُّلٍ مدروسٍ نحو شراكةٍ أمنيةٍ أعمق، قد تشمل إعادة تأهيل قطاعات من الجيش الليبي، أو بناء شبكات تنسيق معلوماتي واستخباراتي؛ بما يُمهِّدُ لاحقًا لنوْعٍ من التواجُد الأمريكي المستقر على المدى المتوسط.
في المقابل، يُوجد قدْرٌ من الحَذَر من القراءة المتفائلة؛ حيث إن التحرُّك الأمريكي ما زال محكومًا بإيقاع حَذِرٍ وغير مستقرٍ، يخضع لمعادلات تفاوض أكبر، تتعلق بمواقف واشنطن في ملفات روسيا، الطاقة، والبحر المتوسط، ومن دون ترجمة عملية لهذا التحرُّك – سواء عبْر تقديم دعم تقني ملموس أو عبر مرافقة سياسية جادَّة لمسارات الحوار الوطني – فإن الفعالية ستظلُّ محدودةً، مهما بلغت الرمزية.
كما أن الانقسام الليبي، والتبايُنات في مواقف الأطراف الفاعلة، لا تزال تُشكِّلُ عائقًا حقيقيًّا أمام أيِّ محاولةٍ خارجيةٍ لتوسيع تأثيرها دون كلفةٍ، ومع ذلك، فإن مجرد عودة الولايات المتحدة إلى المشهد الليبي من بوابةٍ عسكريةٍ علنيةٍ، تُعدُّ في حدِّ ذاتها تحوُّلًا في قواعد اللعبة، ورسالةٌ إلى الفاعلين المحليِّين والإقليميِّين والدوليِّين، بأن الفراغ لن يبقى مُتاحًا بسهولة.
في الختام:
إن زيارة البارجة الأمريكية إلى السواحل الليبية ليست مجرد حدث استعراضي أو بروتوكولي، بل جاءت في توقيتٍ حسَّاس لتبعث برسائل سياسيةٍ وأمنيةٍ عميقةٍ؛ فقد عكست طبيعة الوفد، ومسار الزيارة، ونوعيَّة اللقاءات، توجُّهًا أمريكيًّا متصاعدًا نحو إعادة التموْضع في ليبيا.
هذا التحرُّك لا يمكن فصْله عن الإستراتيجية الأمريكية الأوسع في المنطقة، ولا عن إدراك واشنطن المتزايد بأن الفراغات الأمنية والسياسية في ليبيا لم تعُدْ تحتمل المزيد من الغياب أو التردد، كما أن لرسالة الأبرز في هذه اللحظة، أن ليبيا عادت إلى جدول التفاعل الأمريكي، ليس كملفٍ ثانويٍّ، بل كساحة اختبارٍ لتوازُنات النفوذ ومسارات إعادة بناء الدولة.
ويبقى مستقبل هذا الدور مرهونًا بقدرة الولايات المتحدة على التحوُّل من الرمزية إلى الفِعْل، ومن الضغط إلى البناء، في مشهدٍ مُعقَّدٍ لا يكفي فيه الحضور البحري لتشكيل مسارٍ سياسيٍّ مُسْتَدَامٍ.
___________