ثريا رحيم

ينبغي لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا أن تعيد تقييم مقاربتها، بحيث يصبح الوصول إلى توافق حقيقي بين الأطراف المتحاربة هدفًا نهائيًا، لا مجرد مسألة إجرائية تعيق مسار التفاوض عند كل منعطف.

مقدمة

في 21 أغسطس، قدّمت هانا تيتيه، رئيسة بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا والممثلة الخاصة للأمين العام، إلى مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة خارطة طريق جديدة تهدف إلى كسر الجمود السياسي المستمر في ليبيا.

وتركّز هذه المبادرة الأممية الجديدة على إحياء المسار الانتخابي وإضفاء الشرعية على المؤسسات، بهدف تهيئة الظروف لقيام دولة ليبية موحّدة. غير أن هذه الخطة يُرجَّح أن تلقى المصير نفسه الذي لقيته سابقاتها، والتي سعت جميعها إلى إدخال آليات لتقاسم السلطة في محاولة لحل النزاعات بين الفصائل الليبية.

ويقوم هذا النهج على ضمان حصول كل فاعل سياسي أو أمني على موطئ قدم داخل هياكل السلطة الرئيسية، بما ينهي حالة الانقسام في البلاد. غير أن النموذج التوافقي القائم على تشكيل حكومة انتقالية لتقاسم السلطة يمنح النخب المكوِّنة لها عمليًا حق النقض (الفيتو) على معظم القرارات الكبرى. وهو ما يعزز التنافسات، ويعمّق الفساد، وقد يؤدي حتى إلى إفشال الانتقال المنشود نحو الديمقراطية.

وبوجه عام، تُبرز المبادرات المتعددة التي قادتها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا حدود مقاربة تقاسم السلطة، لا سيما حين تتركز على النخب. وقد حان الوقت لإعادة التفكير في هذا الإطار. وبدلًا من السعي إلى جمع الفاعلين الرئيسيين حول منظومة هشّة من الاتفاقات التي يُعاد التفاوض بشأنها باستمرار، ينبغي للبعثة إعادة تقييم نهجها بحيث يصبح التوافق هدفًا نهائيًا، لا مسألة إجرائية تتكرر في كل مرحلة.

ولتفادي حالات الانسداد المتكررة ومعالجة التحديات البنيوية والسياقية القائمة، يتعيّن على البعثة الدفع نحو أطر وساطة تتجاوز منطق المساومة بين النخب، وذلك من خلال إدارة عامل الزمن، وتهيئة النضج السياسي، واغتنام الفرص الكبرى المتاحة لحل النزاع.

القيود البنيوية لبعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا

على مدى قرابة عقد من الزمن، عانت ليبيا من انقسام مؤسسي عميق: سلطة تنفيذية متمركزة في طرابلس، ومجلس نواب مقره طبرق. وقد غذّى هذا التشظي في السلطة أزمة شرعية مستدامة، وأعاق إعادة بناء الدولة وتوحيد البلاد.

ورغم الاعتراف الدولي بالمؤسستين، فإن مجلس النواب سحب الثقة من الحكومات المتعاقبة في طرابلس، ومنحها بدلًا من ذلك لهيئات منافسة قام هو نفسه بتعيينها.

كما أسهم انتشار الجماعات المسلحة—التي يعمل بعضها كوكلاء لقوى خارجية—وسيطرتهـا على مناطق مختلفة، في جعل النخب الحاكمة معتمدة عليها.

ففي حين اضطرت الحكومات المتعاقبة في طرابلس إلى التفاوض مع المليشيات المحلية حول سلطتها، تحالف مجلس النواب مع «الجيش الوطني الليبي» الذي يقوده المشير خليفة حفتر.

منذ عام 2015، أبدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا تفضيلًا متكررًا لمقاربة تقاسم السلطة للمصالحة بين الطرفين، ودعت إلى إنشاء حكومة انتقالية توحّد البلاد وتقود إلى انتخابات حرّة ونزيهة.

غير أن مراجعة الاتفاقات الرئيسية التي رعتها البعثة—سواء الاتفاق السياسي الليبي لعام 2015 أو ملتقى الحوار السياسي الليبي لعام 2020—تكشف أن هذا النهج التوافقي كان معيبًا منذ البداية.

ففي عام 2015، أنشأ الاتفاق السياسي الليبي مجلسًا رئاسيًا يتكوّن من ثلاثة أعضاء يمثلون الأقاليم الليبية الثلاثة: طرابلس وبرقة وفزان، وكُلِّف بتشكيل حكومة الوفاق الوطني. ورغم مشاركة مجلس النواب في المفاوضات، فإنه رفض في نهاية المطاف منح الثقة للحكومة الجديدة بسبب خلافات حول توزيع الصلاحيات وبعض القضايا العسكرية.

كما تفكك التوافق حول تركيبة المجلس الرئاسي، إذ سعت أطراف متعددة إلى الحصول على تمثيل ضمن نموذج تقاسم السلطة. وفي النهاية، أُفرغ المجلس من مضمونه بسبب تنافس النخب، ولم يعد يعكس تمثيلًا عادلاً للأقاليم الثلاثة، رغم توسيعه إلى تسعة أعضاء.

في عام 2019، أدّى تدويل النزاع الليبي إلى انخراط فاعل لمجموعة «فاغنر»—وهي شركة عسكرية خاصة روسية ذات صلات وثيقة بالدولة الروسية، نشطت بين عامي 2014 و2023—إلى جانب قوات الجيش الوطني الليبي، وفي المقابل نُشرت قوات تركية لدعم حكومة الوفاق الوطني في طرابلس.

وفي عام 2020، أطلقت بعثة الأمم المتحدة وساطة «من الخارج إلى الداخل» ضمن إطار مسار برلين، وهو سلسلة من المبادرات الدبلوماسية لإحياء الحوار الليبي–الليبي. وقد أتاح إشراك القوى الأجنبية في جهود الوساطة والتسوية التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار في أكتوبر من ذلك العام.

ومن المفارقة، أن الوجود المستمر للقوات الأجنبية أسهم في إرساء توازن قوى بين النخب الليبية، بما أبقى على وضع قائم مقبول لدى هذه الأطراف.

أُطلق ملتقى الحوار السياسي الليبي بعد وقف إطلاق النار في 2020 بوصفه إطار وساطة أكثر شمولًا. فإلى جانب ممثلي المؤسسات المتنافسة، شمل الملتقى تمثيلًا واسعًا للمجتمع الليبي، من نساء وشباب ومنظمات مجتمع مدني وأحزاب سياسية، بهدف تعزيز شرعية العملية. وبالتوازي، أُطلقت مشاورات ومبادرات تتعلق بالمسارات الأمنية والاقتصادية.

وفي ختام المناقشات، اختار المشاركون الخمسة والسبعون في الملتقى ثلاثة أعضاء (واحد عن كل إقليم) لتشكيل مجلس رئاسي جديد، إلى جانب اختيار رئيس وزراء يقود البلاد نحو الانتخابات.

غير أن حكومة الوحدة الوطنية اللاحقة، التي تشكّلت في طرابلس في مارس/آذار 2021، أثبتت عجزها عن تجاوز منطق الصفقات بين النخب والمشكلة المزمنة المتمثّلة في الفساد. كما فشلت في معالجة نقاط الخلاف التي استُخدمت ذريعة من قبل «المُعطِّلين» المحليين والدوليين لمنع التغيير.

فقد سمحت الخلافات غير المحسومة حول القوانين الانتخابية، وشروط الترشح، والتعديلات الدستورية، للقوى المهيمنة بالحفاظ على مكاسبها ومنع بروز قيادات سياسية جديدة، إلى جانب تعطيل الانتخابات الرئاسية والتشريعية التي كان مقررًا إجراؤها في 24 ديسمبر 2021. وبدلًا من الاتفاق المستدام بين النخب الذي افترضه نموذج تقاسم السلطة، أصبحت المساومات بين هذه النخب هي السمة الغالبة.

كيف نستفيد من عامل الزمن، والنضج، والفرص

رغم أن خرائط الطريق التي اقترحتها بعثة الأمم المتحدة غالبًا ما عُدّت إخفاقات على المدى القصير، فإنها أسهمت في فتح مساحات للحوار وأرست أطرًا منهجية لا تزال تتيح الأمل في تطور المسار السياسي الليبي.

غير أن الإشكال يكمن في الشكوك المستمرة حول استدامة هذه الخرائط على المديين المتوسط والطويل. وفي ظل هذا الغموض، ينبغي لجهود الوساطة أن توظف ثلاثة أدوات استراتيجية لتعزيز ترسيخ أي خارطة طريق: إدارة الزمن، وتهيئة النضج، واغتنام الفرص.

إدارة عامل الزمن

يُعد عامل الزمن محوريًا في نجاح عمليات الوساطة السياسية التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، والتي دأبت تاريخيًا على اعتماد جداول زمنية مضيّقة لتنفيذ خططها، بسبب الطبيعة قصيرة الأجل لولايات البعثة.

فعلى سبيل المثال، جُدّدت ولايتها الأخيرة في أكتوبر 2025 لمدة عام واحد بموجب قرار مجلس الأمن رقم 2796. ورغم أن الجداول المضغوطة قد تمنع بعض حالات التعطيل، مثل قدرة «المُعطِّلين» على إفشال الانتقال السياسي، فإنها تنطوي أيضًا على خطر تكريس نهج إدارة الأزمات قصيرة الأمد، القائم على الاستقرار لا على الحلول طويلة المدى.

وتحدد أحدث خارطة طريق للبعثة هدف توحيد المؤسسات وتنظيم انتخابات وطنية خلال فترة تتراوح بين اثني عشر وثمانية عشر شهرًا. غير أن التجربة الليبية تُظهر أن هذه الجداول الزمنية غالبًا ما تكون وهمية، ويتم تجاوزها بفعل الخلافات المستمرة، وغموض نصوص الاتفاقات، وتضارب المصالح المرتبط بطبيعة تقاسم السلطة.

وفي نهاية المطاف، يؤدي الإخفاق في الالتزام بالمواعيد المحددة إلى تقويض شرعية المؤسسات الانتقالية، ويغذّي اتهامات عدم الشرعية.

وفي مواجهة هذا المأزق، سيكون من الحكمة تعديل المسار لصالح نهج تراكمي طويل الأمد في إبرام الاتفاقات. فمن شأن ذلك أن يتيح لأصحاب المصلحة بناء قدرٍ أكبر من الثقة المتبادلة والثقة في إطار تقاسم السلطة نفسه، كما يسمح برقابة أوسع على الإصلاحات.

وقد تشمل هذه الإصلاحات تعزيز اللامركزية، التي حدّدها عدد من الباحثين باعتبارها ممارسة فعّالة في ليبيا، لما توفّره من تمثيل أدق للواقع المحلي. فعلى سبيل المثال، ورغم إخفاق الدولة في الاضطلاع بعدد من واجباتها منذ عام 2011، أثبتت البلديات في عدة مناسبات قدرتها على ضمان الأمن، ووقف إطلاق النار، وتنظيم الانتخابات، وتوفير بعض الخدمات الأساسية للمواطنين.

أما من الناحية الاقتصادية، فيُعد من الضروري النظر في تنفيذ إصلاحات تستهدف إعادة توزيع عائدات المحروقات، بما يسهّل توزيع الثروة بصورة أكثر عدالة، ويعزّز، على المدى الطويل، الحوكمة المحلية.

يتبع

***

ثريا رحيم ـ باحثة منتسبة إلى مركز الدراسات والأبحاث والتوثيق الاقتصادية والقانونية والاجتماعية في القاهرة.

______________

مواد ذات علاقة