عبدالله فارس القزّاز

ثانيانموذج متعدد المراكز للصراع العسكري والسياسي:

يمثّل الصراع في ليبيا منذ سقوط نظام القذافي عام 2011 نموذجًا فريدًا من نوعه قائمًا على تعدد مراكز القوة العسكرية والسياسية، حيث لم تنجح الدولة المركزية في استعادة احتكار القوة الشرعية، بل ظلّ النفوذ موزّعًا بين أطراف متعددة تتصارع على الأرض، والسلطة، والموارد.

هذا النموذج لا يقتصر على تنافس بين الدولة والميليشيات فحسب، بل يمتد إلى صراع داخلي–خارجي تتشابك فيه المصالح المحلية مع تدخلات إقليمية ودولية، مما يجعل بنية الصراع الليبي متعددة الأبعاد ومتفاعلة

أن هذه التفاعلات بدأت منذ السنوات المبكرة من الأزمة، حين اندلعت الانقسامات السياسية والعسكرية بين اللاعبين الأساسيين، مما مهد لصياغة نظام قوي عسكريًا لكنه هشّ سياسيًا.

تظهر هذه البنية أن ليبيا لم تعد بلدًا ذا نظام أحادي في القوة، بل ساحة تنافس متعدد الأقطاب، الدولة الرسمية، والفصائل المسلحة المحلية، والقوى الإقليمية والدعم الخارجي كلها فواعل فاعلة.

هذا الأمر يعكس أن محاولة احتكار القوة عبر مؤسسة واحدة لم تعد قابلة للتطبيق في الواقع الليبي، بل إن إعادة بناء دولة مركزية قوية تتطلب تقنيات تفاوض معقدة بين مختلف القوى وليس فرض إرادة واحدة بالقوة أو الحوار التقليدي.

على المستوى العسكري، يُظهر الواقع أن ليبيا لم تشهد توحيدًا فعليًا للمؤسسة العسكرية، بل غرق كثير من وحدات الجيش في ولاءات متداخلة مع فصائل مسلحة محلية، بينما نشأت كيانات مسلحة قوية في كلٍّ من الشرق، والغرب، والجنوب

وتشير التطورات في ليبيا إلى استمرار الانقسام بين الشرق والغرب ليس فقط على مستوى القيادة السياسية، بل أيضًا في الخطط والعمليات العسكرية، إذ ترتبط وحدات الجيش الوطني الليبي في الشرق بقيادة قوات خليفة حفتر بسلطة تنظيمية مستقلة عن حكومات الغرب، بينما يسعى الغرب لإعادة دمج الميليشيات ضمن هياكل أمنية موحّدة.

هذا الانقسام يعكس أن القوة العسكرية في ليبيا لم تعد مرتبطة بهيكل واحد مستمد من الدولة، بل أصبحت شبكة ولاءات متشابكة بين قيادات، وميليشيات، وأحيانًا فواعل خارجية.

النتيجة هنا أن أي جيش وطنيفي ليبيا ليس مجرد مؤسسة موحدة، بل تجمّع لعناصر متعددة لها مصالح وأولويات مختلفة، بما يجعل بناء جيش موحد مشروعًا معقدًا، يتطلب إعادة تعريف الولاءات قبل إعادة بناء الهياكل.

تجلّت هذه التفاعلات بوضوح خلال أحداث طرابلس في مايو 2025، عندما أدى مقتل قائد جماعة مسلحة بارزة يُدعى عبدالغني الككلي إلى اندلاع اشتباكات عنيفة بين فصائل مختلفة في العاصمة، مما دفع القوات المتحالفة مع حكومة الوحدة الوطنية إلى طرد جماعته من مواقعها، وقد عزز هذا التحول نفوذ رئيس الوزراء الغرب الليبيعبدالحميد الدبيبة وحلفائه داخل طرابلس، في مشهد يعكس سباق الهيمنة بين قوى متعددة وليست قوة مركزية واحدة.

هذه الأحداث توضح أن مدلولات احتكار الدولة للقوةلم تعد اتفاقًا واقعًا، بل هدفًا مُسخّرًا للتفاوض والضغط. ليست الميليشيات وحدها هي التي تقاوم توحيد القوة، بل إن تدخلاتها وتنافسها مع الدولة تخلق ديناميكية صراع دائمة، تُضعِف مؤسسات الدولة وتؤخر الوصول إلى استقرار مستدام.

من جهة أخرى تساهم العوامل الخارجية في تعقيد نموذج متعدد المراكز، إذ تؤثر السياسات الإقليمية والدولية بشكل مباشر في ميزان القوى على الأرض. يرى كثير من الباحثين في النزاع الليبي أنه منذ 2014 لعبت القوى الإقليمية دورًا مؤثرًا في تداعيات الصراع العسكري والسياسي عبر دعم أطراف معينة، مما عمّق الانقسامات وأوجد حواضن متعددة للنفوذ داخل ليبيا، بما يُضفي على الصراع بُعدًا مزدوجًا: صراع داخلي–خارجي مرتبِط بالمصالح الدولية والإقليمية.

هذه التدخلات الخارجية ليست مجرد دعم عابر، بل جزء من ديناميكية صراع أوسع تُؤثر في توازن القوى، وتُسهّل قدرة الميليشيات على البقاء خارج السيطرة المركزية. ومن ثم يُمكن القول إن النموذج الليبي ليس انعكاسًا لأزمة داخلية فقط، بل انعكاس لتشابك مصالح إقليمية مع محلية مما يزيد من تعقيد عملية التسوية، بالإضافة إلا أن بعض الأطراف الإقليمية وعلي رأسها القاهرة تؤكد علي وحدة وسيادة الأراضي الليبية في المحافل الدولية والإقليمية .

كما أن الواقع السياسي يُظهر أن محاولات توحيد المؤسسات على المستوى المدني والسياسي لم تُفلح بشكل كامل. فعلى الرغم من الجهود المتكرّرة التي ترعاها الأمم المتحدة والدول المجاورة لعقد حوارات موسّعة، فإن ضعف الثقة بين الفرقاء السياسيين وغياب الإرادة الموحدة لإعادة هندسة المشهد يبقي العديد من القوى خارج دائرة التأثير الرسمي، مما يزيد من تشتّت القرار السياسي داخل ليبيا ويعيق إنشاء منظومة حكم موحدة.

هذا يشير إلى أن الحل السياسي في ليبيا لا يمكن أن يكون بسيطًا، فغياب الثقة المتبادلة يجعل أي اتفاق هشًا ما لم يستند إلى ضمانات ومحاور مشاركة بين القوى المتصارعة، وإلا فإن الانقسامات القديمة ستبقى حاضرة في كل مفصل من مفاصل الحكم والتفاوض.

أضف إلى ذلك أن إعادة بناء جيش ليبي موحد تتجه نحو  مصطلح جديد يعرف  إعادة تشكيل الجيش وفق نموذج جديد يُعرف بـ الجيش متعدد النوى” (مصطلح وصفي)، يعتمد على مجلس تنسيق دفاع مشترك بدلًا من مؤسسة واحدة موحّدة، وهو ما  يعكس إدراكًا حقيقيًا بأن النموذج التقليدي لتوحيد القوة المسلحة لم يعد قابلا للتطبيق في ظل تشتت النفوذ وتداخل الولاءات.

 هذا الاتجاه يدل على إدراك أن بناء منظومة أمنية في ليبيا لا يمكن أن يبدأ من فرض نظام مركزي فوري، بل يتطلب آليات تدرّج وتعاون بين الفاعلين الحاليين، مما يعكس تحولًا عمليًا في فهم إدارة القوة في ليبيا بعيدًا عن نموذج الدولة الهرمي التقليدي.

في النهاية يبقى النموذج متعدد المراكز في ليبيا أحد أبرز سمات الصراع المسلح والسياسي في البلاد، إذ تتشابك فيه المصالح المحلية مع النفوذ الخارجي، وتتنافس القوى على السيطرة، والموارد، والشرعية، ولا يبدو أن هناك خارطة واضحة لتوحيد المؤسسات في القريب العاجل.

لذا فإن أي مقاربة لمعالجة الأزمة الليبية يجب أن تعترف بما هو قائم من توازنات متعددة المراكز، وتعمل على بناء آليات للتنسيق بين هذه القوى بدل رفضها، لأن تجاهل هذا الواقع سيؤدي فقط إلى تجذير الانقسامات واستمرار الصراع على مستويات متعددة.

يتبع

***

عبدالله فارس القزّاز ـ باحث في الشئون الإفريقية

__________

مواد ذات علاقة