يوسف محمد الصواني
منذ 2011 يتم تشخيص ليبيا كـ«دولة فاشلة»، وهو خطاب يُسطّح الأزمة ويَحصُرها فى مربعات العجز المحلى والانقسامات القبلية وغياب الكفاءة التكنوقراطية.
غير أن ما تسعى إليه هذه القراءة هو قلب هذه السردية؛ فالأزمة ليست نتاج فراغ، بل هندسة لـعجز سيادي مُدار ونظام وصاية غير معلن تحولت فيه ليبيا إلى ساحة لتصفية حسابات دولية وعمليات نهب اقتصادي منظم.
الزلزال العالمي والحرب من أجل الدولار
لكى نفهم الشلل الذي يصيب المشهد الليبي، لا بد من تفكيك المشهد من الخارج إلى الداخل وإدراك ما يمر به النظام الدولي، مما يمكن وصفه بـ«زلزال جيوسياسى» أعاد صياغة مفهوم السيادة ليجعلها نسبية، تخضع لما يمكن تسميته بـ«الشرعية الاستراتيجية» للقوى العظمى.
إن العالم يشهد عملية انتقال من مرحلة رسم الحدود الجغرافية إلى مرحلة رسم الخرائط الاقتصادية ونفوذ الطاقة. وفى قلب هذا التحول يقبع الصراع في غرب آسيا ومحاولات مجموعة بريكس الحثيثة لكسر احتكار البترودولار وتأسيس نظام مالي متعدد الأقطاب.
وأمام هذا التحدي الوجودي، وتزامنًا مع وصول الدين العام الأمريكي إلى مستويات قياسية، بات تأمين تدفق النفط العالمي المُسعر بالدولار أمرًا حتميًا للأمن المالي الغربي.
من هنا، يتم التعامل مع الاحتياطيات النفطية الليبية ليس كملك للشعب الليبي، بل كأداة استقرار لمنظومة مالية دولية تصارع من أجل البقاء.
هذا التكالب الدولي يتوازى مع تحلل مرعب للمؤسسات الدولية، فالأمم المتحدة وبعثتها للدعم في ليبيا لم تعودا معنيتين بحل النزاعات، بل بإدارة الأزمات وتدويرها للحفاظ على وضع قائم يضمن مصالح البيروقراطية الدولية وشبكات النفوذ العابرة للحدود.
جغرافيا التهديد وبنية الاحتلال الناعم
العجز المؤسساتي الممنهج جعل الحدود الليبية مستباحة أمام ثلاثة مستويات من التهديد الإقليمي، يمكن تلخيصها فيما يلي:
فى الجنوب، يبدو من الواضح كيف تجد ليبيا نفسها فى مركز العاصفة تقريبًا. فالانهيار الذي يشهده الأمن في دول الساحل (مالي، النيجر، بوركينا فاسو)، وما خبرته المنطقة من انقلابات متتالية، يترافق مع تمدد ظاهر للعيان للجماعات المتطرفة والمسلحة. هذا الوضع يُلقى ظلالًا كثيفة على الخاصرة الليبية الرخوة فى الجنوب.
وفى الشمال تستغل دول الجوار وشركات الطاقة حالة الوهن لإعادة ترسيم الحدود البحرية والاستحواذ على مكامن الطاقة على حساب حقوق ليبيا.
أما المستوى الثالث، فيعبر عنه استقرار ما يمكن وصفه بـ«حالة الاحتلال الناعم» المتمثلة في التواجد العسكري المباشر للمرتزقة والقوات الأجنبية (الروسية والتركية وعناصر من دول إفريقية عديدة، علاوة على دول غربية وروسيا)، وهو تواجد يشل الإرادة السياسية الوطنية ويمعن في مأسسة الانقسام، بل وشرعنته، كما يظهر فى مبادرات سياسية مثل تلك التي يقدمها مسعد بولس.
الاقتصاد السياسي لـ«دولة الكارتل»
المناخ الدولي السائد أفرز نمطًا مشوهًا للدولة فى ليبيا، التي تحولت من دولة ممزقة إلى نموذج «دولة المافيا» أو «الكارتل». ويبدو واضحًا كيف أنه في ظل هذا النموذج تتحول الأجسام التشريعية والتنفيذية الحالية إلى كيانات ضرورة، لكنها لا تملك أي مشروعية حقيقية، بل تستمد بقاءها من قدرتها على تلبية مصالح شبكات الهيمنة والنفوذ والفساد المحلية والدولية.
وفى غياب جيش وطني موحد يترسخ ما يمكن اعتباره “سوقًا أمنية” تديرها مجموعات مسلحة لا تجد حرجًا فى رهن بندقيتها لصالح قوى خارجية وعائلات سياسية.
ولعل أكثر المظاهر وضوحًا لهذا التخريب الاقتصادي هو ما يشهده قطاع الطاقة. فرغم ارتفاع أسعار النفط، تعيش البلاد تضخمًا وأزمات سيولة ووقود حادة لا تتوقف، حتى تعود من جديد وتحرم ليبيا من الاستفادة من طفرة الأسعار، كونها في الواقع لم تتعدَّ دور متلقي الأسعار الذي يستورد 75% من احتياجاته من الوقود بأسعار تكاليف وشحن وتأمين فلكية.
وتأتى السابقة الخطيرة المتمثلة فى عقود شركة أركنو عبر اتفاقيات المشاركة في الإنتاج، التي تتيح تسييل وعزل عوائد النفط خارج النظام المالي الرسمي. إن أي محلل موضوعي لا يمكنه اعتبار ما يجرى مجرد فساد عشوائي، بل مأسسة لـنظام أوليغارشي عائلي ينهب الثروة السيادية بغطاء قانوني مصطنع، يضاعف الآثار الهدامة التي يمثلها نزيف تهريب الوقود عبر البحار.
بين الصفقة الفوقية والفوضى الحتمية
هذا التشخيص للواقع الليبي وارتباطه بما يجرى إقليميًا ودوليًا لا يمكن التفكير فيه بمعزل عما يمكن أن تؤول إليه الأوضاع في المستقبل القريب على مستوى التطورات السياسية.
إن إسقاط هذا التحليل يقودنا إلى أربعة سيناريوهات يمثل كل منها وجهًا من وجوه «دولة الكارتل» التي أشرت إليها أعلاه:
- سيناريو الجمود أو الاستقرار السلبي، وهو مسار أقرب للواقع، حيث يتم الإبقاء على الترتيب الفوضوي للانقسام الحالي لأنه يمثل توازنًا مربحًا لتقاسم المال والنفوذ خلف الكواليس، كما أنه يمثل الآلية المناسبة لإرضاء القوى الدولية التي تريد الهدوء المؤقت لا السلام الحقيقي.
- سيناريو وهم الضغط الانتخابي الذي تروج له البعثة الأممية عبر قرار مجلس الأمن 2819، وعبر أنشطتها وعلاقاتها الدولية، من خلال ممارسة قدر محسوب من الضغط الصوري لإجراء انتخابات.
لكن، وفى غياب توافق على قاعدة قانونية وبقاء القوات الأجنبية والمرتزقة واستمرار تدفق السلاح والاحتكام إليه، فإن فرص هذا الخيار في النجاح لا تعدو مجرد تكنولوجيا سردية لتدوير الأزمة الليبية، اقتصرت على إنتاج نخب أو وجوه جديدة تخدم نفس المنظومة الاقتصادية الفاسدة.
- سيناريو الاحتكار الثنائي الاستراتيجي، الذي يقدم على أنه الحل البراجماتي، والذي تبدو الدبلوماسية الرئاسية الأمريكية في حالة اندفاع محموم نحوه بقيادة مستشار وصهر الرئيس مسعد بولس.
وإذا ما أخذنا في الاعتبار ما دار في الجلسة التي عقدها مجلس الأمن يوم 22 مايو، والتي كشفت عن تباين صارخ في المصالح والمقاربات، خاصة بين روسيا والصين والولايات المتحدة، فإن من المحتمل أن تواصل الولايات المتحدة العمل لهندسة صفقة تمثل شرعنة لاحتكار ثنائي للسلطة والموارد بين عائلتي حفتر والدبيبة.
وإن كانت واشنطن تهدف من وراء ذلك إلى حصر القرار الليبي في كتلتين قادرتين على تأمين تدفق النفط بالدولار وتحجيم الفيلق الإفريقي الروسي، فإن الثمن الذي ستدفعه البلاد هو مأسسة نظام عائلي يقصى الإرادة الشعبية ويصادر السيادة.
- سيناريو الفراغ المفاجئ، والمتمثل فى تدهور صحة أو وفاة رئيس حكومة الوحدة الوطنية أو القائد العام للقوات المسلحة العربية الليبية. وفيما نتمنى للسيدين عبد الحميد الدبيبة وخليفة حفتر موفور الصحة والعافية، فإن حدوث فراغ في صفقة جنيف التي قامت على الولاءات العائلية والزبائنية في الغرب الليبي من شأنه أن يفجر صراعًا عنيفًا بين أجنحة المال والسلاح للسيطرة على المصرف المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط.
أما حدوث الفراغ في شرق ليبيا، ورغم أهمية ما قد ينجم عنه، فهو محكوم بعوامل مختلفة وحاسمة، أهمها ما يبدو من تحول مؤسسي على هيكل القيادة العامة والروابط العائلية الوثيقة، خاصة مع تفاهمات إقليمية ودولية متنوعة من شأنها أن تحول دون الانزلاق نحو ما لا تُحمد عقباه.
وبصرف النظر عن الآثار الكارثية التي يمكن أن تلحق البلاد وأهلها إن تحقق هذا السيناريو، فإن ما سيحدث هو المزيد من التشظي الذي قد لا تنفع حيلة فى تجنب استغلاله من أحد الطرفين أو حلفائه لفرض أمر واقع مخالف، أو أن تستغله القوى الدولية كذريعة للتدخل المباشر لفرض التقسيم الرسمي وحماية منابع الطاقة والمصالح المتعارضة للأطراف.
خارطة طريق لاستعادة السيادة
إن مواجهة هذه السيناريوهات تتطلب تجاوز المنظومة السياسية الحالية والآليات الأممية العاجزة، والذهاب مباشرة نحو بديل وطني يعتمد على الشعب الليبي كله باعتباره المالك الحصري للسيادة. ويمكن تلخيص العناصر التي تشكل معالم الحل المقترح كالتالي:
- • تكوين جمعية تأسيسية تصوغ عقدًا اجتماعيًا جديدًا يضمن التوزيع العادل واللامركزي للثروة بعيدًا عن كارتلات الفساد.
- • إقرار أجندة سياسية شاملة تضع حدًا نهائيًا للمعادلات الصفرية والمحاصصات.
- • تبنى إطار قانوني مؤقت مشروط بمحطات موضوعية، وعلى رأسها الإخراج الفوري والكامل لجميع القوات الأجنبية والمرتزقة وتفكيك المجموعات المسلحة، كشرط أساسي لإنهاء المرحلة الانتقالية قبل الذهاب إلى أي دستور دائم.
- • مأسسة الاستفتاءات الشعبية المباشرة لإخضاع جميع القرارات الكبرى لإرادة الشعب وانتزاع الشرعية من يد المغتصبين الداخليين والأوصياء الدوليين.
لقد أثبتت التجربة أن المجتمع الدولي والدور التكنوقراطي للبعثة الأممية ليسا إلا غطاءً لاستمرار نهب مقدرات الوطن. إن استعادة الدولة لن تتم عبر صفقات أمراء الحرب والكارتل المالي، بل عبر خيار العودة إلى المشروعية الشعبية والمساءلة القضائية الوطنية ورفض الوصاية؛ فالسيادة ليست منحة أممية، بل تُنتزع بالإرادة الشعبية الحرة.
***
يوسف محمد الصواني أستاذ السياسة والعلاقات الدولية، جامعة طرابلس – ليبيا
__________
