فيليبو سارديلّا

السوابق والاستمرارية وخطر تطبيع الأزمة

لم تنشأ أحداث مايو 2026 من فراغ. ففي ديسمبر 2024 كانت رويترز ووكالة أسوشيتد برس قد تحدثتا بالفعل عن اشتباكات مسلحة في الزاوية أسفرت عن حرائق وأضرار بالمصفاة.

وتكتسب هذه السابقة أهميتها لأنها تكشف نمطاً متكرراً: عندما يدخل التنافس المسلح إلى المجال الحضري ـ الصناعي، فإن الخطر لا يبقى سياسياً فقط، بل يصبح تقنياً وبيئياً وتجارياً أيضاً.

إن تكرار هذه الحوادث يوحي بأن المصفاة ليست مجرد منشأة قريبة من مدينة مضطربة، بل إنها جزء من بيئة أمنية لم تفصل بعد بصورة فعالة بين البنية التحتية الحيوية والصراع المحلي.

أما الصورة المؤسسية لحوكمة الطاقة الليبية فهي قطاع يحاول الاستمرار والتخطيط وجذب الخبرات رغم بيئة أمنية غير مستقرة. فالوثائق التي نشرتها المؤسسة الوطنية للنفط حول الاجتماع الفني ـ المالي مع مصفاة الزاوية في 2024 تُبرز الأبعاد الإدارية والصناعية للأصل: أهداف الإنتاج، والصيانة، والبيئة، والتوزيع المحلي، والاستثمارات، والتخطيط. لكن الوجه الآخر لهذا الأصل هو تعرضه للنزاع المسلح. وهذه الازدواجية تمثل جوهر الملف: المصفاة بنية اقتصادية رسمية تقع داخل جغرافيا غير رسمية للقوة.

الأزمة كتفاوض عنيف على الريع، لا مجرد صراع عصابات

الفرضية الأكثر احترازاً هي أن أزمة الزاوية لا يمكن اختزالها في نزاع عابر بين مجموعات متنافسة، بل تمثل شكلاً من أشكال التفاوض العنيف على الفرص الربحية: الوقود المدعوم، والبضائع التجارية، والوصول إلى الميناء، والسيطرة على الأحياء، والعبور نحو تونس، والحماية غير الرسمية لسلاسل التوريد.

وليس من الضروري افتراض وجود استراتيجية جيوسياسية واعية لدى كل فاعل حتى ندرك وجود أثر جيوسياسي عام.

فعندما تُغلق البنية النفطية، تصبح الحدود التونسية أكثر توتراً بصورة غير مباشرة، ويضطرّ مركز السلطة في طرابلس إلى إظهار قدرته القسرية، بينما تسعى المؤسسة الوطنية للنفط إلى طمأنة المشغلين والعاملين، وتعيد الشبكات المسلحة تقييم خياراتها بين المقاومة أو التفاوض أو إعادة التموضع.

وفي هذا التفسير، تخدم العملية الأمنية التي أُطلقت بعد الاشتباكات هدفين متداخلين:

  • على المستوى المعلن: استهداف المجرمين والمطلوبين.

  • على المستوى الاستراتيجي: إعادة تعريف من يسيطر على المجال الاقتصادي للزاوية.

ويكمن الخطر في أن يُنظر محلياً إلى “استعادة النظام” باعتبارها انتقاءً لبعض المجموعات ضد أخرى؛ أما الفرصة فهي أن تتمكن حكومة غرب ليبيا ـ للمرة الأولى بصورة أكثر مصداقية ـ من فصل أمن المصفاة عن الشبكات الحضرية المسلحة.

المتغير الحاسم لن يكون البيان الأولي، بل استمرارية النتائج: فإذا ظل الميناء محمياً بعد العملية، واستمرت المصفاة في العمل، وخف الضغط على الحدود، فقد تقود الأزمة إلى تعزيز تشغيلي فعلي. أما إذا بقيت الإجراءات ظرفية، فستعود الزاوية مجدداً إلى كونها مساحة لتبادل الريع والسلاح.

سيناريو أفضل الاحتمالات

الافتراضات الرئيسية: نجاح العملية الأمنية في تحييد المراكز المسلحة الأكثر زعزعة للاستقرار من دون الانزلاق إلى حرب حضرية طويلة، مع حفاظ المؤسسة الوطنية للنفط والمشغل على إجراءات طوارئ موثوقة، وعودة تدريجية لعمل الميناء، وتعاون السلطات المحلية، وعدم تعرض الحدود التونسية لموجة جديدة من الإغلاق أو التوتر.

في هذا السيناريو تصبح الزاوية اختباراً لسيطرة انتقائية للدولة: ليس حلاً للأزمة الليبية، بل سابقة لحماية الأصول الحيوية.

الآثار: استمرار عمل المصفاة يقلل خطر اضطراب التوزيع الداخلي، ويمكن لحكومة طرابلس استثمار قدرتها على التدخل سياسياً، كما تستفيد تونس والمجتمعات الحدودية من انخفاض الضغوط غير الرسمية.

سيناريو أسوأ الاحتمالات

الفرضية الرئيسية: أن يؤدي الضغط الأمني إلى تفكيك التوازنات المحلية من دون استبدالها بسيطرة مستقرة للدولة. فترد بعض المجموعات، وتصبح المصفاة عرضة لهجمات أو تخريب، ويظل الميناء مغلقاً بشكل متقطع، بينما تنتقل عوائد الوقود إلى مسارات بديلة أكثر غموضاً.

في هذا السيناريو لا تؤدي الدولة إلى تقليص الاقتصاد الإجرامي، بل إلى إعادة تنظيمه، مع ارتفاع كلفة الأمن وتزايد عدم اليقين بالنسبة للمشغلين الطاقيين والمجتمعات المحلية.

سيناريو الاستقرار الرمادي

الافتراضات الرئيسية: عدم تحقيق أي طرف نصراً حاسماً. تُعاد فتح المصفاة، لكن الاقتصاد غير الرسمي يستمر بصورة أكثر هدوءاً؛ تقلّ رؤية الجماعات المسلحة من دون تفكيك شبكاتها الاقتصادية؛ تبقى الحدود التونسية قابلة للإدارة لكنها لا تصبح محصنة ضد التهريب.

وهذا السيناريو ربما يكون الأكثر انسجاماً مع تاريخ غرب ليبيا الحديث: استقرار تكتيكي، واستمرارية مؤسساتية جزئية، وبقاء الاقتصادات الرمادية.

الزاوية كاختبار لقدرة الدولة الليبية

تكشف أزمة الزاوية عن صعوبة فصل ليبيا بين الطاقة والأمن والريع. فالحقيقة الثابتة هي أن القتال بلغ مستوى اضطر معه المشغل إلى إغلاق المصفاة وإجلاء الميناء.

والحقيقة المدعومة بقوة أن المدينة تمثل مركزاً وطنياً مهماً للطاقة واللوجستيات، مرتبطاً بحدود حساسة واقتصادات غير رسمية متجذرة.

أما الإشارة التي ينبغي مراقبتها فهي قدرة العملية الأمنية على فرض السيطرة من دون إشعال دورة جديدة من الانتقام.

والاستنتاج التحليلي هو أن الزاوية ليست استثناءً، بل مؤشر: فعندما لا تسيطر الدولة بالكامل على سلسلة الإمداد بين الإنتاج والتكرير والتوزيع والحدود، يتحول الوقود إلى أداة قوة قبل أن يكون مجرد سلعة.

على المدى القصير، يتمثل المتغير الحاسم في الأمن المادي للمجمع: غياب الهجمات الجديدة، وعودة العاملين، وسلامة أنظمة الإطفاء، وتعافي الميناء.

وعلى المدى المتوسط، تصبح استجابة الشبكات المحلية عاملاً حاسماً: فإذا تكيفت من دون صدام، فقد تُحتوى الأزمة؛ أما إذا أعادت الانتشار أو ردت بعنف، فسيمتد الخطر إلى مناطق أخرى.

أما على المدى الطويل، فإن القضية تطرح سؤالاً بنيوياً يتعلق بالدعم، وشفافية التوزيع، والانقسام المؤسسي. فمن دون إصلاح منظومة الرقابة وأدوات التتبع، ستظل جغرافيا الزاوية تولد حوافز للتنافس المسلح.

__________

مواد ذات علاقة