أسامة المبروك صالح
نظرية “الهالة” هي نظرية معروفة في (علم النفس الاجتماعي)، وتستند إلى: أبحاث علمية وتجريبية، وهي: انحياز معرفي شائع في علم النفس الاجتماعي، حيث تؤثر انطباعاتنا العامة أو خصائصنا الإيجابية أو السلبية عن شخص ما أو شيء ما على تقييمنا لباقي صفاته أو خصائصه، حتى لو لم تكن لها علاقة منطقية ببعضها!
والنظرية: لها تطبيقات واسعة في مجالات مثل التسويق، والإدارة، والتعليم، والإعلام، وحتى في السياسة والقضاء.
وهذه النظرية تؤثر – دون أن نشعر – على قراراتنا في مدح الأشخاص أو ذمهم، أو الحكم عليهم وتقويمهم، وهو ما يؤدي غالبًا إلى أحكام غير عادلة، وقرارات لا منطقية ولا واقعية.
وتُستخدم “نظرية الهالة” في تضخيم شخصيات معينة مثل: حاكم ، طاغية ، شيخ دين
ويتم ذلك عبر التلاعب بالانطباع الأول أو إبراز صفة معينة (غالبًا لا علاقة لها بالحكم أو الدّين)، فيُبنى عليها تصور شامل وكامل عن الشخص، وكأنَّ الكمال يشمل جميع جوانبه!؟ حتى لو كانت هذه الجوانب باطلة، ضعيفة، أو مرفوضة عقلاً وشرعًا وفطرة.
ويُستغلُّ الناسُ – من حيث لا يشعرون – لتعميم هذه الصفة الإيجابية الواحدة على سائر صفات الشخص السيئة الظاهرة بل والغالبة!!، فيُبررون له أفعاله المشينة والاستبدادية، دون وضع ميزان شرعي أو عقلي أو منطقي للمقارنة أو التقييم.
وهكذا تُبنى “هالة” تُضفي على صاحبها نوعًا من القداسة، وتضعه فوق النقد والمحاسبة.
النتيجةُ من وراء استعمال هذه النظرية: أنَّ أي معارضة لشيخ السلطان أو الحاكم المستبد تُعتبر خيانة، أو كفرًا، أو فسقًا، بدل أن تُفهم باعتبارها مجرد خلاف في الرأي! أو تقويم ونصح وتوجيه؟!
فنظرية الهالة هي أداة نفسية خطيرة، لتضخيم صورة الحاكم أو الشيخ، لتمرير باطله وطريقته..
ومن هنا، استغلت أجهزة الاستخبارات هذه النظرية ببراعة لتلميع الطغاة، وتسويق “علماء السلطان” بين الناس لتثبيت الطغيان واستمراء الاستبداد، وانصياع لفتاوى السلطان..
لكن وجه الاستغراب – وهو محور هذا المقال – أنْ يُستغفلَ كثيرٌ من الطيبين والغيورين على الدِّين –بهذه النظرية– لتلميع شخصية دينية (ربيع المدخلي) الذي اشتهر بمحاربة الدُّعاة إلى الله تعالى، وتثبيت أركان الطغاة تارةً باسم “الوسطية“، وتارةً بإثارة مسألة “جواز الترحم على مسلم“!
كما استعملت –منذ سنوات– الاستخبارات الإقليمية والمحلية بل والعالمية! “نظرية الهالة” للتسويق لــ “ربيع المدخلي” على أنه “العالم النحرير” الذي يجب الانقياد لأقواله وآرائه المتطرفة، التي تصادم سماحة الشريعة وأصولها المتينة… ولأقواله التي تثبت أركان الطغاة وتبرر سوء أفعالهم! وشنيع أقوالهم! علاوة على تهميش القضية المحورية للمسلمين “فلسطين” وتحرير بيت المقدس..
والسؤال البسيط الذي لا يحتاج إلى كثير عناء هو: ما الأثر العلمي الذي تركه هذا “العالم” المزعوم؟
ما المصنفات أو التحقيقات العلمية التي قدّمها “المدخلي” في علوم التفسير أو اللغة أو الفقه وأصوله؟
غالب ما يُذكر له مجرد كتيبات في علم الحديث، لا تخرج عن دائرة التبسيط والتكرار أو تحقيقات خريجي الجامعة!
الغريب أن يُجرّ الناس جريًا خلف هذه الشخصيات، بل يُجرّ معهم بعض المشايخ والدعاة المشهورين، وتُهرول العامة تبعًا لهم، حتى أصبح الجميع أداة بيد أجهزة الاستخبارات وأصحاب المشاريع الخاصة.
المشكلة ليست في “جواز الترحم على مسلم مات” أو في تقييم علم شخص بعينه..
فهذه المسائل ونظائرها في التحقيق العلمي مُسلمٌ بها، وتُحسم بتحقيق علمي موضوعي أو حتى بنقاش هادئ يسير!
لكن الأهم هو ألا نُستغلَّ من خلال نظرية الهالة لخدمة أعداء الله تعالى..
ولكن الأهم –وهو موضوع مقالنا– هو عدم استخدمنا واستغفلنا بنظرية (الهالة)
وقُلْ مثلَ ذلك في تعظيم وتضخيم بعض الشخصيات السياسية الجدلية باستخدام نظرية الهالة، مثل: “خليفة حفتر” ومشروع “الكرامة!” من خلال تركيز عامة الناس وحصر تفكيرهم للنظر إلى ما يسمونه ببناء جيش وشرطة!
متناسين كل الإجرام الواضح الفاضح! من خلال قتل وتهجير المخالفين بل والموافقين لهم! لو أخطأوا ولو من طرف خفي!!
ومن خلال ما يسمونه “بالإعمار” متناسين بيع ورهن الدولة عند مصر وروسيا…إلخ
ومن خلال شعارات “حماية الوطن!” .. ومتناسين سيطرت مرتزقة الفاغنر والجنجويد على معسكرات وأراضي ليبية! بل القتال تحت رايتهم! .. وهلم جرا
الخلاصة:
الوعي بنظرية الهالة لا يجب أن يبقى حبيس قاعات علم النفس، بل لا بد من توظيفه لفهم سلوك الأفراد والجماعات، وفضح آليات التلاعب بالعقول، حتى لا نكون مجرد أدوات في يد المستبدين والمخادعين، وإن لبسوا عباءة الدين أو الوطنية.
________________