كريم مزران و داريـو كريستياني
حتى بينما تواصل واشنطن مفاوضاتها بشأن الحرب مع إيران، كانت أيضًا — وبشكل مفاجئ إلى حد ما — في طليعة الجهود الدبلوماسية الرامية إلى إنهاء صراع آخر منخفض الحدة، وهو الصراع في ليبيا.
وكما أشار كل من فريدريك ويرى و جليل حرشاوي، فإن الانخراط الأمريكي في ليبيا ظل لعقود يتأرجح بين الإهمال ولحظات عابرة من الاهتمام، إلا أن الإدارة الثانية للرئيس ترامب أبدت اهتمامًا واضحًا بالبلد الغني بالنفط.
غير أن هذا النشاط المتجدد لا يعود إلى استراتيجية مؤسساتية متماسكة بقدر ما يرتبط بمبادرة شخصية من فرد واحد، هو مسعد بولس، المستشار الكبير للرئيس ترامب لشؤون العرب وأفريقيا.
في الواقع، لم يُظهر ترامب نفسه — إلى جانب شخصيات بارزة داخل إدارته مثل وزير الخارجية، ونائب الرئيس، ووزير الحرب، ووزير الطاقة — انخراطًا مباشرًا كبيرًا في الملف الليبي.
والمفارقة أن انخفاض أولوية ليبيا الاستراتيجية نسبيًا داخل الإدارة الأمريكية خلق الظروف التي سمحت لبولس بالتحرك بقدر من الاستقلالية نادرًا ما يُرى في ملفات السياسة الخارجية الأخرى.
ومنذ يوليو 2025، بدأ بولس يركز بصورة متزايدة على ليبيا بعد تحقيقه نجاحات دبلوماسية أولية في منطقة البحيرات الكبرى، وخاصة بين الكونغو و راوندا. ومع تعثر زخمه في ملفات أخرى، لا سيما السودان، برزت ليبيا كساحة محتملة يمكن تحقيق نجاح دبلوماسي ملموس فيها.
كما انسجم هذا النشاط مع منطق “الاقتصاد أولًا” الأوسع داخل إدارة ترامب، وخاصة تجاه الدول الغنية بالموارد التي يُنظر إليها أساسًا من زاوية الطاقة والبنية التحتية وفرص الاستثمار.
لكن مبادرة بولس — إذا ما تحققت — لن تحل المشكلات العميقة في ليبيا، لأنها تقوم أساسًا على هندسة اتفاق لتقاسم السلطة بين مصالح مترسخة.
التحولات الجيوسياسية
ساهمت التحولات الدولية في تعزيز الزخم خلف هذه المبادرة. فبحلول أواخر عام 2025، بدأت عدة دول منخرطة تقليديًا في ليبيا تُظهر علامات إرهاق سياسي.
فقد بدأت تركيا، بعد سنوات من كونها الداعم العسكري والسياسي الرئيسي لطرابلس، تتواصل بحذر مع عائلة حفتر التي تقود المعسكر الشرقي المنافس.
وكانت حسابات أنقرة مدفوعة برغبتها في أن تعترف سلطات شرق ليبيا أيضًا بمذكرة التفاهم البحرية لعام 2019 الموقعة مع حكومة الوفاق الوطني السابقة، إضافة إلى مصالح اقتصادية أوسع مرتبطة بتوسع الأعمال التركية في ليبيا.
وفي الوقت نفسه، كانت الاصطفافات الإقليمية تشهد تغيرات. إذ دفعت الخلافات بين السعودية والإمارات — التي ظهرت أولًا في اليمن والسودان ثم تعمقت مع الحرب مع إيران — الإمارات إلى تبني مقاربة أكثر حذرًا تجاه ليبيا.
كما بدأت مصر بإعادة تقييم استراتيجيتها بسبب المخاوف من الدعم المزعوم الذي يقدمه خليفة حفتر لقوات الدعم السريع في السودان، وكذلك حاجة القاهرة الملحة إلى اقتصاد ليبي عامل قادر على استيعاب العمالة والاستثمارات المصرية وتصدير الطاقة إلى مصر.
حتى الدول التي كانت منقسمة تاريخيًا بشأن ليبيا، مثل فرنسا وإيطاليا، بدأت تتقارب تدريجيًا حول ضرورة تحقيق الاستقرار، خاصة بسبب قضايا الهجرة وأمن الطاقة.
كما بدا أن الصين وروسيا تدعمان هذا الزخم بشكل عام، وإن كان لأسباب مختلفة. فبكين تسعى لتوسيع نفوذها الجيو–اقتصادي في ليبيا، بينما تبدو موسكو — تحت ضغط إخفاقاتها في أوكرانيا و مالي — مهتمة على الأقل بعدم عرقلة هذه العملية.
ووفقًا لوزير الخارجية الروسي، فإن روسيا مستعدة لمساعدة ليبيا في “استعادة الوحدة والمصالحة الوطنية”.
خارطة طريق بولس
في هذا السياق، طرح بولس ومسؤولون آخرون خارطة طريق جديدة تقوم على أربعة محاور:
-
ميزانية وطنية موحدة
-
توحيد المؤسسات العسكرية
-
تشكيل حكومة موحدة
-
إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية خلال ستة أشهر من الاتفاق على السلطة التنفيذية الجديدة
وقد مثل اعتماد أول ميزانية موحدة للدولة الليبية منذ أكثر من عقد أبرز إنجازات هذه العملية. وسعى الاتفاق إلى مواءمة هياكل الإنفاق المتوازية، وتقليص الفساد، وتخصيص موارد إضافية للمؤسسة الوطنية للنفط بهدف رفع الإنتاج.
ومع ذلك، يبقى الهدف الأساسي لهذه المبادرة اقتصاديًا بالدرجة الأولى. فالتحرك الأمريكي الحالي لا يستهدف تحويل ليبيا سياسيًا إلى ديمقراطية بقدر ما يهدف إلى خلق الحد الأدنى من الاستقرار اللازم لإعادة فتح البلاد أمام الأعمال والاستثمارات الأجنبية، على أمل أن يؤدي الاستقرار الاقتصادي لاحقًا إلى استقرار سياسي.
ويظهر ذلك بوضوح في تصاعد النشاط بين واشنطن وطرابلس، حيث التقت وفود من الحكومة المتمركزة في طرابلس بمسؤولين من وزارة الخزانة الأمريكية ووزارة الطاقة وهيئة المسح الجيولوجي الأمريكية لمناقشة الإصلاحات المالية والمعادن الاستراتيجية والتعاون في مجال الطاقة.
كما وقعت شركات أمريكية كبرى مثل شيفرون و بوينغ اتفاقيات مع جهات ليبية.
لكن الواقع على الأرض لا يزال أكثر تعقيدًا بكثير. فبيئة الأعمال في ليبيا ما تزال هشّة للغاية، دون وجود حلول سهلة في الأفق. ولا تزال الشركات الأجنبية تواجه عقبات هيكلية حادة مرتبطة بالفساد واسع النطاق، والتحويلات المالية الدولية، والإجراءات الجمركية، وعدم اليقين التعاقدي، وانعدام الأمن القانوني.
وغالبًا ما تضطر الشركات إلى الاعتماد على قنوات مالية غير مباشرة ومعاملات ثلاثية عبر دول أخرى، مما يزيد من التكاليف والمخاطر.
وتشير هذه الديناميكيات إلى أن الاتفاقات المؤسساتية وحدها غير كافية لتحقيق الاستقرار الاقتصادي في ليبيا، كما تكشف حدود المنطق السياسي الأوسع الذي تقوم عليه مبادرة بولس.
مشكلة “المحاصصة العائلية”
تعتمد خارطة الطريق التي يروج لها بولس في جوهرها على ما يمكن وصفه بـ”المحاصصة العائلية”، أي ترتيب لتقاسم السلطة قائم على إضفاء الطابع المؤسسي على الشبكات السياسية والعسكرية والعائلية القائمة.
ووفقًا لهذا المنطق، يمكن تحقيق الاستقرار عبر تثبيت توازن القوى الحالي بين أبرز الفاعلين المهيمنين في “ليبياَ”: معسكر حفتر ومعسكر الدبيبة رئيس حكومة الوحدة الوطنية.
لكن هذا الافتراض يبدو تبسيطيًا وخطيرًا. فالتاريخ الليبي الحديث يُظهر أن الصفقات بين النخب والترتيبات القائمة على المصالح كثيرًا ما عمّقت الفساد والانقسام بدلًا من الحد منهما.
بل إن التدهور الاقتصادي والاجتماعي الذي يعانيه الليبيون اليوم هو جزئيًا نتيجة لاتفاقات سابقة بين النخب المتنافسة حول مؤسسات مثل المؤسسة الوطنية للنفط والمصرف المركزي.
وفوق ذلك، بدأت معارضة واسعة لهذه الخارطة تظهر داخل البلاد، خصوصًا في غرب ليبيا، وخاصة في مصراتة، مسقط رأس الدبيبة. فالمدينة التي اعتُبرت يومًا رمزًا للوحدة بعد سقوط القذافي باتت منقسمة بشكل متزايد بين مؤيدين ومعارضين للدبيبة.
ويرفض العديد من القادة السياسيين والأمنيين في غرب ليبيا فكرة تقاسم السلطة مع عائلة حفتر، فضلًا عن رفضهم لمنطق التسويات المفروضة من الخارج.
وفي المقابل، بدأت تظهر توترات داخل معسكر حفتر نفسه. إذ تتحدث تقارير وشائعات من شرق ليبيا عن تزايد الاستياء بين بعض أبناء خليفة حفتر بسبب تركيز السلطة في يد نجله الأصغر صدام حفتر.
وتكشف هذه الديناميكيات نقطة الضعف الجوهرية في المشروع بأكمله: فهو يفترض أن البُنى العائلية والقبلية متماسكة بطبيعتها وقادرة على ضمان الاستقرار طويل الأمد.
وهنا يستحضر الكاتبان المثل العربي الشهير: “الأقارب عقارب”. فالصراع وانعدام الثقة والتنافس السام كثيرًا ما يظهر داخل الشبكات العائلية، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالسلطة والثروة. ومع تقدم خليفة حفتر في السن — إذ يبلغ الثانية والثمانين — ليس مؤكدًا أن يستمر تماسك العائلة بعد غيابه.
وينطبق الأمر نفسه على معسكر الدبيبة، حيث يُتوقع أن يلعب إبراهيم الدبيبة دورًا محوريًا في الترتيب السياسي الجديد، لكنه قد يفتقر إلى السلطة و الكاريزما والحنكة السياسية اللازمة للحفاظ على تماسك الشبكة الأوسع.
الخلاصة
قد تنجح مبادرة بولس على المدى القصير في تخفيف التوترات وخلق بيئة أكثر قابلية للتنبؤ بالنسبة للشركات الأجنبية، رغم أن التحول الهيكلي الحقيقي في بيئة الأعمال الليبية لا يزال أقرب إلى الوهم.
لكن فكرة أن اتفاقًا قائمًا على المحاصصة العائلية يمكنه أولًا تحقيق الاستقرار الاقتصادي ثم بناء استقرار سياسي دائم تبدو طموحة أكثر من اللازم وغير قادرة على معالجة الأزمة البنيوية العميقة التي تعاني منها ليبيا.
فمن دون شرعية أوسع، ومساءلة مؤسساتية، وعملية سياسية شاملة فعلًا، فإن خارطة الطريق الحالية قد تتحول من حل دائم لتفكك ليبيا إلى مجرد آلية جديدة ومؤقتة لإدارة هذا التفكك.
***
كريم مزران هو مدير مبادرة شمال أفريقيا وزميل أول مقيم في مركز رفيق الحريري وبرامج الشرق الأوسط في المجلس الأطلسي.
داريـو كريستياني هو زميل أول غير مقيم في برنامج شمال أفريقيا.
___________
