ياسمين ياسر أمين

تضع العقوبات الدولية الدول المستهدفة أمام خيارين: إما بناء “اقتصاد صمود” يعتمد على الذات، أو اللجوء إلى “منطق المقايضة” وتكتيكات الالتفاف والوساطة لتسيير أمورها. ويتوقف نجاح أي نظام في مواجهة الحصار على ظروفه السياسية والميدانية الخاصة.
نمذجة العقوبات قسرا..التشريح التاريخي للأزمة الليبية:
تُمثل الحالة الليبية نموذجا تطبيقيا بارزا يعكس بوضوح الشروط الهيكلية للعقوبات الدولية ومحددات نجاحها أو فشلها؛ إذ تكشف هذه الحالة كيف تتحرك القوى الدولية عبر فترات زمنية مختلفة لتطويق النظم السياسية باستخدام سلاح العقوبات الاقتصادية والمالية لإجبارها على الانصياع للشرعية الدولية أو شلّ قدراتها على الأرض.
وفي هذا السياق، سيتم دراسة حالة العقوبات الدولية على الدولة الليبيةكأداة ضغط سياسي وقانوني والتي بدأت عبر مرحلتين تاريخيتين مفصليتين:
عقوبات 1992 (قضية لوكربي): بدأت العقوبات بصدور قرار مجلس الأمن رقم 748، والذي فرض حظر جويا وعسكريا كاملا، ثم تبعه القرار رقم 883 عام 1993 الذي قضى بتجميد جزئي للأصول المالية الليبية في الخارج للضغط على النظام لتسليم المشتبه بهم في تفجير طائرة “بان أم“.
عقوبات 2011 (نقطة التحول الحالية):بدأت قصة العقوبات في ليبيا كاستجابة فورية لأحداث 17 فبراير 2011؛ حيث سارع المجتمع الدولي، بقيادة الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، إلى اتخاذ تدابير لمنع نظام معمر القذافي من استخدام الأصول الوطنية في الخارج لتمويل العمليات العسكرية ضد المدنيين.
هذا التوجه تُرجم سريعا إلى قرارات ملزمة من مجلس الأمن الدولي، بدأت بالقرار رقم 1970 الذي فرض تجميداً شاملا على أموال القذافي وعائلته، ثم أُتبع بالقرار رقم 1973 الذي وسّع نطاق العقوبات ليشمل المؤسسات السيادية الكبرى، بهدف حماية ثروات الشعب الليبي من الاستنزاف في ذروة الصراع المسلح.
الاستجابة السيادية للجيل الحديث من العقوبات ــ القرار 2819 لعام 2026 نموذجا:
تتحرك ليبيا حالياً تحت مظلة منظومة عقوبات دولية “محدثة” تم تمديدها مؤخرا حتى عام 2027 بموجب القرار رقم 2819، وهي منظومة تتسم بآليات تعامل دقيقة وموجهة ترتكز على ثلاثة محاور استراتيجية؛
أولها تمديد التدابير النفطية الهيكلية عبر استمرار العمل بالقيود المفروضة على تصدير النفط الخام والمشتقات المكررة بشكل غير مشروع حتى أغسطس 2027م كأداة ضغط لحماية عصب الاقتصاد الليبي،
وثانيها حماية الموارد السيادية الوطنية حيث أكد القرار أن الهدف الجوهري من استمرار العقوبات هو منع استنزاف ثروات الشعب الليبي وحمايتها بشكل كامل من الاختلاس أو التبديد من قبل أي أطراف غير رسمية.
وثالثها تجديد الرقابة الدولية والمحاسبة من خلال تمديد ولاية فريق الخبراء المعني بليبيا حتى 15 أغسطس 2027م، بهدف مراقبة أي انتهاكات لنظام العقوبات القائم أو رصد أي محاولات لتهريب النفط، مما يجعل هذه الحزمة المحدثة بمثابة طوق رقابي يوازن بين الحظر التشغيلي وحماية الأصول السيادية للدولة.
استراتيجية المقاومة القانونية.. التحركات القضائية لاسترداد “الأموال المنهوبة“:
امتدادا لجهود الدولة الليبية في مواجهة تداعيات جيل العقوبات المحدثة وحماية مقدراتها السيادية، تتحرك ليبيا(ممثلة في المؤسسة الليبية للاستثمار والجهات الحكومية) حاليا في مسار قضائي ودولي معقد لاستعادة الـ 200 مليار دولار، وتستخدم في ذلك آليات تقنية وقانونية لاسترداد حقوقها:
الملاحقة القضائية الدولية: حيث بدأت المؤسسات الليبية (مثل مكتب النائب العام ولجنة استرداد الأموال) برفع قضايا في المحاكم الأوروبية (بريطانيا، وفرنسا، وبلجيكا) لملاحقة الأصول التي تم الاستيلاء عليها أو تجميدها بشكل غير قانوني.
المطالبة بالتعويضات: كما تتضمن التحركات القانونية رفع دعاوى قضائية ضد بنوك ومؤسسات مالية أجنبية بتهمة “سوء إدارة” الأصول المجمدة أو السماح بتآكل قيمتها السوقية نتيجة التضخم والركود.
تغيير الحارس العالمي: تهدف هذه الآلية إلى تمكين ليبيا من تغيير “الحارس العالمي” للأموال لضمان أمانها، دون أن يعني ذلك فك التجميد أو السماح بالتصرف في الأموال.
الحفاظ على القيمة: هذا الإجراء التقني يمنع تآكل قيمة الاستثمارات الليبية نتيجة بقائها في مصارف قد تواجه مشاكلات ائتمانية. وفي موازاة هذه التحركات الاستثمارية والقانونية، جرى تفعيل آليات الرقابة الميدانية لحماية الثروات من خلال:
التفتيش البحري والسيادة: استغلال تفويض مجلس الأمن الذي يسمح بتفتيش السفن في أعالي البحار لمنع عمليات تهريب النفط، لحماية الموارد المالية ومنع تحولها إلى “أموال منهوبة” جديدة.
التفتيش الإلزامي: منح مجلس الأمن الدول الأعضاء تفويضاً بتفتيش السفن في أعالي البحار المتجهة من وإلى ليبيا عند وجود شكوك في عمليات تهريب. ونتيجة لتلك الجهود حققت المؤسسة نجاحا جزئيا في 16 يناير 2025، حيث حصلت على حق تقديم طلبات للجنة العقوبات لاسترجاع “الأموال المنهوبة“
كما في معركة الـ 15 مليار يورو في بلجيكا: حيث خاضت ليبيا نزاعا قضائيا أمام محكمة استئناف بروكسل لرفع الحجوزات المفروضة على أموالها لدى بنك “يوروكلير“. وفي 24 يناير 2025، صدر حكم برفع الحجوزات، وهو جزء من قضية أوسع مع بلجيكا أمام “المركز الدولي لـتسوية المنازعات ” بدأت منذ ديسمبر 2023.وتأتي هذه الموافقات والتحركات محكومة ومقيدة وفق الضوابط الدولية التالية:
التعامل الفردي، حيث يتم النظر في الطلبات “على أساس كل حالة على حدة“.وفي حال الموافقة يُسمح للمؤسسة باستثمار الاحتياطيات النقدية فقط في “حسابات لأجل محدد” وأدوات “منخفضة المخاطر” أو سندات حكومية ذات فائدة ثابتة. كما تظل الأرباح المكتسبة من هذه الاستثمارات مجمدة، ولا يجوز إعادة استثمارها إلا في البلدان نفسها الموجودة فيها حالياً.
ولضمان نجاح استرداد الأموال، تتبع ليبيا أسلوباً يعتمد على “التأقلم التقني” مع العقوبات: كإعادة استثمار السيولة والسعي للحصول على استثناءات من لجنة العقوبات،كما تتيح للمؤسسة الليبية للاستثمار إعادة تدوير الأموال النقدية المجمدة في استثمارات آمنة لمنع خسارة قيمتها مع الزمن.وتغيير جهات الحفظ حيث نص القرار الأخير على إمكانية نقل الأصول بين البنوك، مما يمنح ليبيا مرونة في اختيار المؤسسات المالية الأكثر أمانا لحفظ ثرواتها.
وفي المقابل تتضح تفاصيل نظام العقوبات المجدد (القرار 2819 لعام 2026) “الإطار القانوني الصارم الذي يحكم الحالة الليبية حالياً” كالآتي:
١ـ تمديد العمل بكافة التدابير العقابية المتعلقة بالنفط حتى 1 أغسطس 2027. وحظر النفط غير المشروع، يشمل الحظر منع تصدير أو محاولة تصدير النفط الخام والمنتجات النفطية المكررة التي تتم خارج إطار المؤسسة الوطنية للنفط المعترف بها دوليا.
٢ـ تجديد ولاية فريق الخبراء، تم التمديد للفريق المسئول عن مراقبة الانتهاكات ورفع التقارير لمجلس الأمن حتى 15 أغسطس 2027.
٣ـ استمرار تجميد الأموال والموارد الاقتصادية الليبية في الخارج لضمان عدم تبديدها أو استخدامها في تمويل النزاعات.وبقاء القيود المفروضة على توريد الأسلحة والمعدات العسكرية لمنع تصعيد العنف المسلح.
خارطة الأموال التي تحاول ليبيا فك تجميدها:

يوضح الشكل السابق حجم ومواضع توزيع هذه الثروات؛ حيث تحتفظ الولايات المتحدة بنحو 34 مليار دولار (أكبر كتلة أموال مجمدة)، تليها بريطانيا بنحو 19.2 مليار دولار، في حين تحتفظ إيطاليا وألمانيا بنحو 8 مليارات دولار لكل منهما، وفرنسا بنحو 11 مليار دولار.
وفي هذا السياق تتمثل الاستراتيجية الحالية لليبيا في التحذير المستمر من استغلال القوى الدولية للانقسام الداخلي لاتخاذ حجة لاستمرار التجميد أو السعي لـ “الاستيلاء” على أصول الدولة الليبية تحت مسميات قانونية مختلفة، حيث تعاملت الدولة مع هذه المنظومة العقابية عبر استراتيجية “التكيف القانوني“؛ والتي استهدفت من خلالها حماية الأصول من الضياع عبر تعديلات فنية في قرارات مجلس الأمن، بالتوازي مع استخدام المظلة الدولية لمنع نهب الموارد النفطية عبر نظام التفتيش البحري الصارم الممتد حتى عام 2027.
_____________