كريمة ناجي

مراقبون: النفوذ الوحيد لدى موسكو تعطيل أي قرار في مجلس الأمن يتعلق بمبادرة واشنطن حفاظاً على تمددها في البلاد
في الجانب الأمني، قد تحافظ موسكو على أوراق نفوذها باعتبارها إحدى أدوات التأثير، لكنها قد تسعى إلى دمجها ضمن مقاربة أوسع تجمع بين القوة الأمنية والتحرك الدبلوماسي، إدراكاً منها أن مستقبل النفوذ في ليبيا لن تحدده القوة وحدها بل القدرة على التأثير في مسارات بناء الدولة وإعادة تشكيل المؤسسات، وفق متخصصين.
بين سندان تحشيدات واشنطن لدعم مبادراتها الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية والذهاب نحو سلطة تنفيذية موحدة، ومطرقة التطورات في منطقة الساحل الأفريقي، وبخاصة أمام تصاعد التوترات في مالي، تجد موسكو نفسها أمام اختبار جيوسياسي للحفاظ على نفوذها الإقليمي والدولي في غرب وشمال أفريقيا، خصوصاً أن ليبيا تعد بوابة روسيا في المتوسط والساحل الأفريقي، فهل تنجح في الحفاظ على تمددها عبر ترتيب أدوات نفوذها في المنطقة؟
صعوبة التحرك
يقول الرئيس التنفيذي لمركز السياسات الاستراتيجية في واشنطن خالد المشيطي، إن الدور الروسي في ليبيا يشهد تراجعاً ملحوظاً مقارنة بما كان عليه في الأعوام السابقة، ملاحظاً أنه حتى على المستوى الدبلوماسي لم تعرف ليبيا زيارات لمسؤولين روس بارزين منذ العام الماضي مقارنة بتوالي التحركات الدبلوماسية والاستخباراتية الأميركية في ليبيا، مما يعكس انحساراً نسبياً في الحضور الروسي.
ويفسر المشيطي هذا التراجع بانشغال موسكو بالحرب الأوكرانية التي استنزفت جزءاً كبيراً من قدراتها العسكرية والاقتصادية مما جعلها في وضع لا يسمح بتوسيع نفوذها، سواء في أفريقيا عموماً أو في ليبيا على وجه الخصوص، منوهاً إلى أن تنامي الحضور الأميركي في المنطقة يزيد من صعوبة أي تحرك روسي بهدف تعزيز النفوذ.
ويتابع لـ”اندبندنت عربية”، أن “الرئيس الروسي فلاديمير بوتين يحرص على تجنب أي خطوات قد تؤدي إلى زيادة التوتر مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وبخاصة إذا كانت هذه الخطوات قد تُفسَّر على أنها توسع روسي في أفريقيا أو ليبيا، مما قد يعرقل أي تقارب أو تفاهم محتمل بين موسكو وواشنطن.
ويواصل رئيس مركز الدراسات الاستراتيجية بواشنطن، أن الأولوية الروسية في المرحلة الحالية منصبة على إدارة تحدياتها المباشرة، وعلى رأسها إمكانية اهتزاز نفوذها في الساحل الأفريقي، والحفاظ على موقعها في ليبيا، وإدارة مواردها التي تأثرت بالحرب الأوكرانية، أكثر من السعي إلى توسيع نفوذها الخارجي، مما يفسر تراجع مستوى نشاطها في ليبيا مقارنة بالفترات السابقة.
ويقول المشيطي إن النفوذ الوحيد لدى روسيا في الملف الليبي هو تعطيل أي قرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يتعلق بالمبادرة الأميركية، حفاظاً على تمددها في ليبيا التي تعد نقطة انطلاق رئيسة نحو المتوسط والساحل الأفريقي.
صراع المصالح
يرى أستاذ القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية يوسف بن عثمان أن التحولات الجيوسياسية الجارية في ليبيا تؤكد أن الأزمة لم تعد محصورة في إطارها الداخلي المرتبط بالصراع على السلطة أو تعثر مسارات بناء الدولة، بل أصبحت جزءاً من مشهد دولي أوسع تتحرك فيه القوى الكبرى وفق حسابات المصالح الاستراتيجية وإعادة تشكيل مناطق النفوذ.
ويقول إن التنافس المتزايد بين الولايات المتحدة وروسيا على الساحة الليبية يعكس انتقال الملف الليبي من أزمة محلية إلى إحدى ساحات التنافس الدولي على المواقع الحيوية وموازين القوة، مبيناً أن هذه المنافسة تحمل في بعض أبعادها ملامح منطق الصراع الذي ميز مرحلة الحرب الباردة بين واشنطن والاتحاد السوفياتي، عندما كانت المواجهة بين الطرفين تدار غالباً عبر ساحات إقليمية بديلة عوض الصدام المباشر.
ويستدرك المتخصص في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية، بأن الصراع الحالي لم يعد قائماً على البعد الأيديولوجي بين الرأسمالية والشيوعية، بل تحكمه اعتبارات أكثر براغماتية ترتبط بالطاقة والمواقع الاستراتيجية والقدرة على التأثير في التوازنات الإقليمية والدولية.
ويضيف أنه “من منظور تاريخي لم يكن الاهتمام الروسي بليبيا ومنطقة المتوسط وليد المرحلة الراهنة، فقد شكل الوصول إلى جنوب المتوسط وتعزيز الحضور في المناطق القريبة من أوروبا والعمق الأفريقي هدفاً استراتيجياً لموسكو منذ الحقبة السوفياتية، فبعد تراجع النفوذ الروسي عقب نهاية الحرب الباردة سعت موسكو خلال الأعوام الأخيرة إلى استعادة مكانتها كقوة دولية عبر العودة إلى مناطق استراتيجية، مستفيدة من الفراغات السياسية والأمنية التي خلّفتها الأزمات الإقليمية”.
على الجانب الآخر، تنظر الولايات المتحدة إلى ليبيا باعتبارها جزءاً مهماً من معادلة الأمن في البحر المتوسط وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل، لذلك لا يمكن فصل الحراك الأميركي المتزايد عن رغبة واشنطن في إعادة تعزيز حضورها في المشهد الليبي، سواء عبر دعم مسارات توحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، أو من خلال الحد من تمدد القوى المنافسة وفي مقدمتها روسيا، وفق ما يذهب إليه بن عثمان، الذي يرى أن التمدد الأميركي قد يدفع موسكو إلى مراجعة أدواتها للحفاظ على موقعها داخل ليبيا، الذي لن يرتبط بالضرورة بالتصعيد، وإنما من خلال إعادة تكييف استراتيجيتها مع التحولات الجديدة.
ترتيب التحالفات
ويوضح المتخصص في القانون الدولي أنه على المستوى الدبلوماسي قد تتجه روسيا إلى تكثيف حضورها السياسي وتوسيع قنوات التواصل مع مختلف الأطراف الليبية حتى لا تبقى مرتبطة بطرف محدد داخل المعادلة، أما سياسياً فقد تعمل على إعادة ترتيب شبكة تحالفاتها وبناء علاقات أكثر مرونة تضمن لها دوراً في أي تسوية مستقبلية، وفق رأيه.
ويشير إلى أن ترتيب شبكة تحالفات موسكو في ليبيا ليس المقصود من ورائه التحالفات التقليدية المعروفة على المستوى الدولي، مثل علاقتها مع الصين أو تقارب مواقفها مع بعض الدول داخل مجلس الأمن، بل المقصود شبكة النفوذ الإقليمية والمحلية التي تعتمد عليها روسيا للحفاظ على حضورها في الميدان.
وينوه إلى أنه في الحال الليبية تحديداً قد تتجه موسكو إلى توسيع دائرة تواصلها وعدم حصر نفوذها في محور واحد، عبر الانفتاح بصورة أكبر على مختلف مراكز القوة الليبية شرقاً وغرباً، بما يشمل الفاعلين السياسيين والمؤسسات الرسمية والقيادات المحلية المؤثرة، لضمان حضورها كطرف في أي تسوية سياسية قادمة، لأن المرحلة المقبلة قد لا تسمح بالاعتماد فقط على أدوات النفوذ السابقة بل تتطلب مرونة أكبر في بناء العلاقات.
وفي الجانب الأمني، قد تحافظ موسكو على أوراق نفوذها باعتبارها إحدى أدوات التأثير، لكنها قد تسعى إلى دمجها ضمن مقاربة أوسع تجمع بين القوة الأمنية والتحرك الدبلوماسي، إدراكاً منها أن مستقبل النفوذ في ليبيا لن تحدده القوة وحدها بل القدرة على التأثير في مسارات بناء الدولة وإعادة تشكيل المؤسسات، وفق بن عثمان.
أما إقليمياً، فيرى أن روسيا ستعمل على تعزيز التنسيق مع قوى تمتلك تأثيراً مباشراً في الملف الليبي مثل مصر وبعض الأطراف الإقليمية الفاعلة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، إضافة إلى المحافظة على امتداداتها داخل منطقة الساحل الأفريقي، حيث أصبحت ليبيا بالنسبة إلى موسكو نقطة ربط استراتيجية بين المتوسط والعمق الأفريقي.
ويوضح بن عثمان أن التحدي الأكبر أمام روسيا يتمثل في مواجهتها ضغوطاً مزدوجة، فمن جهة هناك محاولة غربية وأميركية للحد من نفوذها في منطقة الساحل الأفريقي، خصوصاً في ظل حساسية وجودها المتزايد في مالي وبعض دول الساحل الأخرى، ومن جهة أخرى يأتي الحراك الأميركي الجديد في ليبيا ليضغط على نقطة استراتيجية قريبة من المتوسط وأوروبا.
ويقول إن موسكو ستجد نفسها أمام معادلة أكثر تعقيداً، وعلى رأسها الحفاظ على مكتسباتها جنوباً في الساحل الأفريقي، وفي الوقت نفسه منع خسارة موقعها شمالاً في ليبيا، وهذا الوضع قد يدفعها إلى مراجعة أدواتها، ليس بالضرورة عبر البحث عن حلفاء جدد فقط، بل بتنويع علاقاتها وتوسيع هامش المناورة السياسية والدبلوماسية والأمنية، منوهاً إلى أن روسيا ليست أمام انسحاب من المشهد وإنما بصدد مرحلة إعادة تموضع تحاول فيها حماية ممر نفوذها الذي يمتد من الساحل الأفريقي وصولاً إلى البحر المتوسط، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تضييق هذه المساحة وإعادة صياغة موازين القوى لمصلحة تموضعها وشركائها، مؤكداً أن ليبيا قد تصبح اختباراً لقدرة كل طرف على توظيف أدواته السياسية والدبلوماسية والأمنية لتحقيق أهدافه الاستراتيجية.
____________
